الثلاثاء - 02 آذار 2021
بيروت 14 °

إعلان

يوميّات حالمة: صديقتي مارتا غير المهذّبة

المصدر: النهار
هنادي الديري
هنادي الديري https://twitter.com/Hanadieldiri
تعبيرية.
تعبيرية.
A+ A-
في مكان ما في حنايا جنوني، تعيش راقصة غير مهذّبة تُدعى مارتا.
أفتح لها الباب أحياناً لأتنفّس من خلال نظرتها الشرسة القليل من الحريّة. وهي تتنفّس الصُعداء عندما أسمح لها بإقتحام جبني...وبعثرة أوراقي...وإعادة كتابة قصصي التي لم أكن إقتحاميّة بما فيه الكفاية لأعيشها "ع الأصول". أنا مُدينة بما تبقّى من صحّة عقليّة داخل رأسي لهذه المرأة الطويلة وشعرها الأسود المُستعار.
 
صداقتنا صلبة، صاخبة، تليق بالمجانين الذين يعيشون حيوات غير مرئيّة، لاسيما وهم ينظّفون روائح الواقع في أرجاء المنزل. تتفهّم تقلّبات مزاجي وعدم قدرتي على الإنتماء. تقف إلى جانبي عندما أنظر في المرآة وأكتشف إنني تقدّمت في السن، وأحتاج إلى الكثير من مستحضرات التجميل لأبدو نضرة، ولأخفي الخيوط التي تروي قصصي وتُزخرف وجهي، بتقاسيمه التي باتت تنحدر نحو الأسفل. تُهدهد إنكساري، وتُعاملني بكثير من التفهّم.
 
ومع ذلك، نادراً ما أرى تقاسيم وجهها بوضوح. لكن روحي تنساب مع ترنّح جسدها المبهج للحواس، هُناك على خشبة مسرح كبير في نيويورك. مسرح قد يحمل أي إسم. إختر له عشرات الأسماء، إذا أردت. أنا ومارتا نعطيك الضوء الأخضر. وأنت لم تدخل حياتي بعد، على الرغم من أنني موعودة بإطلالتك البهيّة.
 
 
لا تخف، لقد بقيت على حافة الفصام. وأستطيع أن أعيش في الواقع إذا كنت تبحث عن إمرأة عاقلة، ترتّب المنزل بالحرفيّة عينها التي ترتّب فيها نزواتها ورغباتها الفاضحة. انه يوم ماطر، وفنجان القهوة الذي ما زلت أحتسيه منذ أمس الأول، يستريح في رأسي بسكينة. وأنا قرّرت أن أغادر المنزل. وأن أصبح إمرأة، "بعد كل هالعمر". قد أزورك لأعرّفك إلى صديقتي، غير المهذّبة مارتا، التي ترقص على خشبة مسرح نيويوركي كبير وهي تعرف أن ضحكتها غير المروّضة كجسدها المُنعم عليه، تُحقّق أحلام الجبناء مثلي. يجب أن تتعرّف إلى أصدقائي لكي تعرف أنهم الإمتداد الطبيعي لشخصيتي المعقّدة.
 
لا أريد أن أغشّك أو أن أخفي عنك أسراري وخفايا روحي الجامحة، أنا الحالمة التي لا أريد أي شيء من أحد. "خلّينا واضحين من الأول". ولكن، "ما يكنلّك فكر"، أستطيع أن أتصرّف بطبيعيّة وهدوء أمام الناس، ولن يعرفوا بأنهم في صحبة إمرأة تهتم بوالدها الختيار خلال النهار، وفي الليل تنتعل الكعب العالي وتفتح الباب الخيالي الخلفي لإمرأة غير مهذّبة تعيش في داخلها تُدعى مارتا.
 
والخيوط الصغيرة تنساب على وجهي، وتُعلن ببهاء إقتراب الشق الثاني والأخير من حياتي. أسير في شارع مكتظ. حيّ شعبي تتداخل فيه القصص وعشرات سوء التفاهم المشوّقة والأقرب إلى توابل نضيفها إلى يوميّاتنا الباردة. أبحث عن مبنى قديم. لقد وجدته. وفجأة يطل شاب يافع، مهذّب وخلوق من الطبقة الثانية.
 
يبتسم إبتسامة طيّبة ما أن يراني. يهتف من الشرفة: "لم أنت هنا؟". أضحك بهدوء قبل أن أجيبه: "لحظات عطف عابرة". ومارتا غير المهذّبة تنتظرني بصبر خلف الباب الذي أفتحه أحياناً. وأنا أوهم أبي الذي يعيش وكأنه إمبراطور، بأننا في طريقنا إلى غزو عشرات البلدان النائمة خلف البحر. ومارتا غير المهذّبة تعيش داخل إمرأة لم تعد إمرأة منذ عشرات القصص. أجلس في مقهى مهجور.
 
أحتسي القهوة وأكتب مذكراتي لأفهم كل الذي حصل معي. هذا المساء، الطقس ماطر. قلبي يخفق بسرعة. ومارتا غير المهذّبة تقرع الباب بقوّة لتخرج فأتنفس، تالياً، من خلال جسدها المُنعم عليه. فجأة، أدخل منزلنا الجديد. أجلس بالقرب منك على الأريكة الصغيرة، ويدك تحضن رأسي بحركة سريعة. أهمس في أذنك "لنكون واضحين من الأول": "في رأسي تعيش راقصة غير مهذّبة تدعى مارتا. ولكنني أعدك بأن أتصرّف بطبيعيّة أمام الجيران وأفراد عائلتك الكريمة".
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم