السبت - 15 أيار 2021
بيروت 21 °

إعلان

تصميم الأسبوع- نتالي سلامة... ذكريات منضدة ولهيب شمعة

المصدر: "النهار"
هنادي الديري
هنادي الديري https://twitter.com/Hanadieldiri
تصميم الأسبوع.
تصميم الأسبوع.
A+ A-
منضدة مرّت عليها حالات الزمان. ومن المعروف أن أحلام اليقظة تعبر بانسياب من المُخيلة عبر الغرفة. لتستقر عادةً في حديقة البيت العتيق الذي هو في الواقع  ملاذ نرتقي إلى طبقاته عبر الهوايات والشغف. وشابة تُعيد الروح إلى الأثاث القديم. تُحافظ على خليط الأطياب المُستقرّة في كل شبر وكل ورقة. أطياب الحكايات التي لم تتمكّن منها الأيام أو خطط القدر، من أن تسلبها زهوها وإشراقة ألوانها. شابة تُساعد الحيوانات الشاردة. تُعاملها برأفة وأمومة. كما تُزيل نكهة الغضب المتوغلة في القطع القديمة. أو ربما تُسكّن حناياها. تُعيد إليها لحظات عزّها. قرّرت أن تضع لمساتها على هذه المنضدة المحفوفة بالقصص. وعادةً، عندما تُريد أن تبدأ عملية الترميم، غالباً ما تُجرّد الجوارير من مُقتنياتها لتتمكّن من تنظيف القطعة التي تعمل عليها، فتنتقل بعدها إلى مرحلة الدهن والرسم أو إعادة بث الحياة. وفجأة، وجدت نتالي سلامة، في مكان ما داخل المنضدة الأشبه بمرقد للذكريات، "كومة أوراق".
 
 
 
وصحيح أنها كانت نُسخاً مصوّرة وليست الأصليّة، بيد أن نتالي الرومنطيقيّة في تعاملها مع الأثاث القديم، إعتبرتها رسائل من الماضي. وقرّرت أن تبدأ البحث عن الشخص الذي تخصّه هذه الأوراق المنسوخة. لعلّها تُهدهد حرقة الحب أو الحزن، أو لوعة الإنتظار الذي قد تكون رفيقة دربه. رسائل من الماضي مكتوبة باللغة الأرمنيّة. أرادت أن تحترم خصوصيّة من نقل إلى الأوراق شظايا ملوّنة من روحه. وفي الوقت عينه، "كان عندي الحشريّة أعرف شو مكتوب"، بحسب ما تروي لـ"النهار". أرسلت الصفحة الأولى الى رفيقها الأرمني، "بس تيعطيني فكرة عن المضمون". فإذا بها تكتشف بأنها صلوات دوّنها أحدهم باللغة الأرمنيّة القديمة. الأوراق إصفرّ لونها معع مرور الوقت. ويُقال أن الوقت "شغلتو يمرّ". وفيها كلمات تُهدهد الروح المُتعبة، تأتي على شكل، "يا رب، ارسل جيشك ليُبعد طيف الشر الذي نعيشه". قد تعود المنضدة بحسب البحوث التي قامت بها عاشقة الأثاث القديم، نتالي سلامة، إلى أيام الحرب الأهليّة. "بس هاللغز يالّلي موجود بهالقطعة مجنّني. وجدت أن إحدى زواياها محروقة. وقد حاول أحدهم أن يغطيها بورقة مزخرفة".
 
 
 
كثّفت البحوث. من الطقوس في المنازل الأرمنية كتابة الصلوات على "ضوّ الشمعة. فدغري عرفت أن الحرق نتيجة الشمعة التي أضيئت ذات مساء لتضفي الأجواء الساكنة التي تليق بكتابة الصلوات". أحياناً، لا تجد نتالي الجواب للغز الكامن خلف القطعة القديمة التي تعمل عليها. "لا أعرف الحقيقة كاملة. وفي الواقع، لا أمانع إن لم أجد الجواب أو لم أكشف القصة خلفها. هذه خصوصيّة الذين عاشوا مع القطعة، ماضياً".
 
أعادت ترميم المنضدة القادمة من ماض غامض. واليوم، صارت ملكاً لشخص سحرته إطلالتها الجديدة الممزوجة بألوان ماضيها، "وشعرت بأنها كانت مهمتي نقل الرسالة القادمة من التاريخ. وإعتبرته واجبي أن أروي حكايتها للشخص الذي تبناها. مهمتي أن أجدد ذكريات ربما كانت بشعة تغلغلت في هذه المنضدة وتروي لحظات مريرة. ولكنها اليوم تنتقل إلى منزل جديد لتروي تاريخاً جديداً كم يكون جميلاً لو كان أقل مرارةً من الذي مضى".
 
في محترفها القائم في قرنة الحمرا، تفتح نتالي سلامة بوابات الماضي الحديديّة لتكسر صمت الأيام. الذكريات تُصبح أكثر رونقاً ومُخمليّةً عندما نُخرجها من برجها العالي، وننشرها نوادر مُشوّقة في كل الحقول والشوارع والأزقة، "إجى قبلنا كتير. وكل واحد عندو حكايات". وتبقى شظايا من هذه الذكريات في القطع القديمة التي تتبناها نتالي وتُهدهد حزنها أو غضبها، قبل أن تُرسلها مُجدداً إلى الحياة.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم