الإثنين - 25 كانون الثاني 2021
بيروت 16 °

إعلان

"أنا لست سياسيّاً"... هل ينجح تكتيك ترامب مجدّداً في 2020؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
الرئيس الأميركي دونالد ترامب محتفلاً بفوزه في تشرين الثاني 2018 - "أ ب"
الرئيس الأميركي دونالد ترامب محتفلاً بفوزه في تشرين الثاني 2018 - "أ ب"
A+ A-
"أنا أنظر إليك الآن، أنت سياسيّ". حين يقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمنافسه جو بايدن إنّه ترشّح إلى الرئاسة بسبب فشله وفشل أوباما في قيادة الولايات المتحدة نحو الأفضل، يعيد تذكير الأميركيين بهويته الحقيقية: "أنا لا أنتمي إلى النخبة السياسية التقليدية". بذلك، يحوّل ترامب السباق، أقلّه جزئيّاً، إلى صراع هويّات بدلاً من أن يكون صراع برامج. "وصمة العار" واضحة بالنسبة إليه: "السياسيّ يساوي الفساد، واللاسياسيّ هو النزاهة". والأهمّ "هو الفاعليّة" أيضاً.

بعد أربع سنوات من الحكم، لا يزال ترامب يروّج لكونه من خارج النخبة السياسيّة. كانت هذه إحدى المزايا التي مكّنته من كسب السباق الرئاسي في 2016. فهل تنجح مرة أخرى في 2020؟

المتفائلون
بعض المراقبين، من بينهم مؤيدون للرئيس متفائلون بذلك. من بين أسباب فوز ترامب بالمناظرة الأخيرة التي ذكرها الخبير الإعلامي الاستراتيجي لدى الجمهوريين آدم غودمان، كانت إعادة ترامب إظهار نفسه أنّه من خارج النخبة السياسية، بعكس منافسه الآتي من رحمها. فالرئيس سأل بايدن عن السبب الذي منعه من
 تحقيق وعوده بتغيير العالم على الرغم من عمله 47 عاماً في المجال السياسي، كسيناتور وكنائب لأوباما.
 
يعتقد غودمان أنّ السؤال كان فعّالاً لأنّه أجبر الناخبين على التفكير في السبب الذي سيدفع بايدن إلى تحقيق أهدافه فجأة، هو الذي عجز عن تحقيقها طوال تلك الفترة. وبسبب هذا الفارق الأساسي بين ترامب وبايدن، رأى الخبير الاستراتيجيّ نفسه أنّ 2020 تبدو تكراراً لسنة 2016.
 
بالنسبة إلى الباحث في مركز "ناشونال إنترست" والمستشار السابق في وزارة الخارجية إبان ولايتي ترامب وبوش الابن كريستشن ويتون، "سبب فوز ترامب في 2016 سيكون سبب فوزه في 2020". لكن لم يتعلّق الأمر بكون ترامب آتياً من خارج عالم السياسة، بل بكون طروحاته أفضل من برنامج بايدن المدعوم من الإعلام السائد والذي "يعيش في فقّاعته الخاصّة". فعدم إغلاق الاقتصاد بسبب "كورونا"، ومواصلة التشدّد مع الصين وإيران والحوار مع كوريا الشمالية وروسيا، وحماية الصناعات النفطيّة هي سياسات مُكسبة لترامب وفقاً لرؤيته.

طبعاً هنالك دوماً مسألة "الحيويّة" التي يركّز عليها مؤيّدو الرئيس في مقابل الإرهاق الذي بدا عليه بايدن. لم يسقط الأخير في فخّ خيانة الذاكرة، لكن من الواضح أنّ "سقطة" بايدن بالنظر إلى ساعته مرّتين على الأقلّ، أظهرت أنّه كان مستعجلاً لانتهاء المناظرة. بحسب ويتون، ظلّ ترامب "المحارب السعيد" بعد أربع سنوات في الحكم، بينما ذكّرت النظرة إلى الساعة غودمان بسقطة مشابهة لبوش الأب.

"لم تعد جذّابة"
بالانتقال إلى ضفّة معارضي ترامب، لا تبدو المفاخرة بعدم الانتماء إلى النادي السياسيّ ذات جاذبيّة اليوم كما كانت عليه قبل أربع سنوات. هذا ما يراه المحلّل السياسيّ في شبكة "أن بي سي" الإخباريّة جوناثان ألان.
 
فالسياسيّ لا يهتمّ بالأمور الشخصيّة بمقدار اهتمامه بالصالح العام، وهذا ما أظهره بايدن عندما ردّ على اتّهامه من قبل ترامب بأنّ عائلته فاسدة، فقال إنّ على المرشّحين التحدّث "عن عائلاتكم" متوجّهاً بأنظاره إلى المشاهدين. ويضيف ألان أنّ السياسيّ يعمل أيضاً على معالجة الانقسامات الاجتماعيّة بدلاً من تعميقها. وعندما قال بايدن إنّه لا يمكن الحديث عن تحسّن اقتصاديّ قبل انتهاء فيروس "كورونا" كان هذا موقف ترامب في 16 آذار 2020، قبل أن يغيّر رأيه لاحقاً ويصرّ على تشغيل الاقتصاد متّهماً خصمه بمحاولة ضربه.

في ما يخصّ "العامل الأخلاقيّ"، يرى آخرون أنّ ترامب ليس غريباً فقط عن نادي السياسيّين، بل أيضاً عن نادي الرؤساء السابقين. فسلوك ترامب في هذا الإطار، لا يشبه سلوك أيّ من الرؤساء السابقين بمن فيهم الجمهوريّون أنفسهم. المحلّلة السياسيّة في شبكة "سي أن أن" ومؤلّفة كتاب "فريق الخمسة: نادي الرؤساء في عصر ترامب" كايت براور تقدّم أمثلة على ذلك.

في أيّار الماضي، نشر بوش الابن فيديو يشدّد فيه على أنّ الأميركيّين "ليسوا مقاتلين حزبيّين". "نحن بشر، معرّضون للخطأ بشكل متساوٍ ومذهلون بشكل متساوٍ في نظر الله. ننهض أو نسقط معاً، ونحن مصمّمون على النهوض". جاء الفيديو في مناسبة توجيه تحيّة إلى أرواح عشرات الآلاف من الأميركيّين الذين قضوا بسبب الجائحة. لكنّ ترامب أخذ كلام بوش شخصيّاً فردّ عليه في تغريدة متّهماً إيّاه بعدم الدفاع عنه في مواجهة الاتهامات التي طالته. وسألت براور ترامب في إحدى المرّات عمّا إذا كان يستطيع اليوم التعاطف مع الرؤساء السابقين بعدما أصبح رئيساً فأجاب بالنفي من دون تردّد. وتذكر بالمقابل حالات أبدى الرؤساء السابقون الأحياء تضامنهم المتبادل وحتى تقدّموا بالاعتذار من بعضهم عندما أخطأوا.

سيف ذو حدّين
تقسيم ترامب قادة واشنطن بين سياسيّ وغير سياسيّ ليس خالياً من المخاطر. فسلوكه الاجتماعيّ يصل أحياناً إلى حدّ "الفظاظة" بحسب مناوئيه، أكان مع الإعلام أم مع معارضيه أم حتى مع جمهوريّين مختلفين معه. سيكلّفه هذا السلوك خسارة أصوات لدى المستقلّين كما كلّفه خسارة دعم وجوه بارزة من الحزب الجمهوريّ. بالمقابل، لن يصوّت جميع الأميركيّين بناء على "أخلاقيّات" ترامب.

في أحد التجمّعات الانتخابيّة، قال مواطن من المجتمع الأميركيّ-الأفريقيّ إنّه لا ينتخب "بابا روما، ولا ينتخب قسّيساً"، موضحاً أنّه ينتخب رجل أعمال نجح في خلق الوظائف. ستكون هذه حال كثر في الولايات المتّحدة. وربّما سيساعده في ذلك قول بايدن إنّه يريد إيقاف الاقتصاد النفطيّ تدريجيّاً. حتى مع قضائه أربع سنوات في الرئاسة، لا يزال بإمكان ترامب الجدال بأنّه لم يستطع الحكم بأريحيّة بما أنّه تعرّض لتحقيقات مطوّلة بدءاً من "تواطئه" مع الروس وصولاً إلى مكالمته مع الرئيس الأوكرانيّ.

هل سينجح ترامب في هذا التكتيك المستعار من حملته سنة 2016؟ نجح بايدن في إظهار أنّه أكثر قدرة على جمع الأميركيّين. "أفتخر بالترشّح عن الحزب الديموقراطيّ. لكنّني سأكون رئيساً لجميع الأميركيّين، سواء صوّتّم معي أم ضدّي". كانت هذه رسالة قويّة وجّهها بايدن في المناظرة الأخيرة. قلّما وجّه ترامب رسالة جامعة كهذه طوال مسيرته.

يرى تيم ستانلي في صحيفة "ذا دايلي تيليغراف" البريطانيّة أنّ قضيّة ترامب واضحة: "أنتم تعلمون من هو، تعلمون أخطاءه. لكنّ هذه الأخطاء تأتي جزئيّاً من كونه غير منتمٍ للنادي السياسيّ – بعكس بايدن – ومع عيوب شخصيّته الكثيرة جدّاً، يملك ترامب سجلّاً (في خلق الوظائف) وهو المرشّح الذي يريد تشغيل الاقتصاد مجدّداً".

بالفعل، يجب عدم إسقاط هواجس لدى ناخبين آخرين قد يطرحون السؤال التالي: "ما نفع أن يحكمني رئيس جامع للأميركيّين إن كانوا بمعظمهم سيصبحون عاطلين عن العمل بفعل سياساته البيئيّة؟"
على أيّ حال، لن ينتظر العالم طويلاً قبل معرفة مدى نجاح ترامب في الرهان على تكتيكه القديم-الجديد.


الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم