الجمعة - 06 آب 2021
بيروت 29 °

إعلان

كيف قد تؤثّر الفيضانات على الانتخابات في ألمانيا؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
الفيضانات في ألمانيا.
الفيضانات في ألمانيا.
A+ A-

حطّمت الفيضانات التي تضرب أوروبا أرقاماً قياسية كثيرة. فالأمطار التي هطلت في بعض المناطق خلال 24 أو 48 ساعة عادلت ما تتلقاه في ثلاثة أشهر كما حصل في بلجيكا. ووصل ارتفاع منسوب نهر ماس في هولندا إلى مستوى لم تشهده البلاد منذ قرن. وتخطى عدد ضحايا تلك الفيضانات في الدول الأوروبية المنكوبة 200 شخص علماً أنّ هنالك صعوبة في تقدير العدد الدقيق للضحايا حالياً، بفعل انقطاع شبكة الاتصالات وضرورة انتظار انحسار مستوى المياه.

 

كان لألمانيا نصيب الأسد من الخسائر المادية والبشرية. قال أوي كيرتشي، أحد الناطقين باسم خدمة الأرصاد الجوية الألمانية، إنّ توصيف ما تشهده ألمانيا بأنه طوفان تشهده البلاد كل 100 عام هو تقليل من أهمية الحدث. وأضاف أنّ هذه الفيضانات غير مسبوقة ربما طوال 1000 عام. وعلى الرغم من أنّ خدمة الأرصاد الجوية أصدرت تحذيرات شديدة قبل أيام من وصول موجة الأمطار، يعتقد كيرتشي أن الاستعدادات لم تكن بالمقدار المطلوب لأنْ لا أحد توقع شيئاً كهذا.

 

صدمة سياسية وعلمية

أبدى المسؤولون الأوروبيون صدمة كبيرة. المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قالت إنّ الأمر "مرعب" وإنّ "اللغة الألمانية بالكاد قادرة على وصف الدمار الذي حدث". رئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر دي كرو أعلن أنّ الفيضانات هي "الأكثر كارثية التي عرفتها دولتنا على الإطلاق".

 

بالرغم من أنّ علماء المناخ حذّروا طويلاً من ارتفاع وتيرة تعرض بعض المناطق لفيضانات قوية نتيجة للتغير المناخي، إلّا أنهم عبّروا أيضاً عن صدمتهم مما رأوه. نظرياً، يؤدي ارتفاع حرارة الأرض إلى امتصاص الغلاف الجوي نسبة أكبر من الرطوبة مع انعكاس ذلك تضخماً في كمية المتساقطات. وفقاً لمعادلة كلاوزيوس-كلابيرون، يؤدي ارتفاع الحرارة بدرجة واحدة إلى احتمال زيادة حدة الأمطار بـ 7%. وبسبب مساهمة التغير المناخي في تعديل سلوك التيار النفاث تصبح موجات الأمطار أبطأ في الانتقال من منطقة إلى أخرى.

 

أدّى انبعاث غازات الدفيئة الناجم عن النشاط البشري إلى جعل القبة الحرارية التي سيطرت على مناطق واسعة في الولايات المتحدة وكندا أكثر احتمالاً بـ 150 مرة، وموجة الحر التي ضربت سيبيريا السنة الماضية أكثر ترجيحاً بـ 600 مرة. والفيضانات الكبيرة التي كانت تحصل مرة كل خمسين عاماً تسارعت وتيرتها بحوالي الضعفين، مع بروز مشكلة أخرى تتعلّق بضرورة التركيز على التحوط من فيضان الأنهار الصغيرة لا الكبيرة وحسب كما كان يحدث في الماضي.

 

هل يقدّم التاريخ أي دليل؟

ثمة احتمال كبير في أن تؤثّر الفيضانات الأخيرة التي ضربت ألمانيا على الانتخابات العامة المقررة بعد شهرين. فمن أكثر المناطق الألمانية تضرراً ولايتا راينلاند-بالاتينات ونورث راين-وستفاليا التي يحكمها المرشح لخلافة ميركل في منصب المستشارية أرمين لاشيت. ظهر لاشيت على الكاميرات وهو يضحك خلف الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير الذي كان يتحدث إلى الإعلام بعد زيارة بلدة إرفتستادت المدمّرة، ممّا اضطرّه إلى الاعتذار.

 

مع ذلك، كان لاشيت أوّل الواصلين إلى مدينة هاغن وبلدة ألتونا في ولاية نورث راين-وستفاليا حيث كان يرتدي أحذية مخصصة للسير في الوحول. مرشّح "الحزب الديموقراطي الاجتماعي" أولاف شولتز كان في إجازة لكنّه قطعها ليزور بلدة نيوناهر-أرويلر المنكوبة في راينلاند-بالاتينات. ومرشّحة "الخضر" أنالينا بيربوك كانت في إجازة أيضاً، لكنّها أصدرت بياناً دعت فيه للتحرّك العاجل.

 

أظهر تقرير لمجلّة "دير شبيغل" كيف أثّرت كوارث طبيعيّة على حظوظ المرشّحين في انتخابات سابقة. تأخّرت الحاكمة لولاية نورث راين-وستفاليا من "الحزب الديموقراطي الاجتماعي" هانلور كرافت في تفقّد مناطق تضرّرت من الفيضانات سنة 2014. مكّنت حوادث كهذه لاشيت من هزيمة كرافت بعد ثلاث سنوات. وفي 2002، كانت حظوظ المرشّح إلى منصب المستشارية عن "الاتحاد المسيحي الاجتماعي" إدموند ستويبر متفّوقة على حظوظ غيرهارد شرودر قبل فيضان نهري إلبي والدانوب.

 

سارع شرودر إلى موقع الفيضانات، بينما لم يرد ستويبر "خوض حملة على كارثة طبيعية"، قبل إدراكه أنّ عليه التوجّه إلى هناك. وتكتب المجلّة أنّ السياسة هي دوماً معركة صورة وقد كسب شرودر تلك المعركة. حتى حزب "الخضر" حقّق أفضل نتيجة له في الانتخابات التشريعية الأوروبية سنة 2019، بعد سنتين من موجات حر وجفاف قاسية.

 

"فضائح"

يواجه لاشيت تحدّياً مزدوجاً بحسب مجلة "بوليتيكو": سيكون عليه الإشراف على عمليّات الإغاثة بعد الفيضانات كما سيكون عليه توضيح سياسته المناخيّة. لكنّه ربما أخطأ حين قال خلال مقابلة "إنّك لا تُغيّر السياسة المناخية فقط لأنّنا نواجه الآن يوماً كهذا". وأعلن سابقاً أنّ على السياسات الخضراء ألّا تضرّ بصناعات ألمانيا الكبرى. بالمقابل، تؤمّن الفيضانات فرصة سياسيّة لـ"الخضر" من أجل رسم صورة جديدة، بعد أسابيع من الحديث عن "فضائحها"، بشرط عدم الاستثمار السياسيّ في الفيضانات، بحسب تقرير المجلّة نفسها.

 

أدّت هذه الفضائح إلى تقليص شعبية بيربوك بشكل كبير خلال الأسابيع القليلة الماضية. ذكرت أوّلاً في سيرتها الذاتية المنشورة على الموقع الإلكترونيّ لحزبها أنّها كانت عضواً في مؤسسة الرأي الألمانية البارزة "صندوق مارشال الألماني"، بينما كانت مجرّد داعم لها. ثمّ ظهرت تقارير عن تأخّرها سنوات في دفع ضرائب على مكافآت كبيرة حصلت عليها بمناسبة عيد الميلاد. كان على بيربوك أن تعتذر مرّتين.

 

بعدها، واجهت بيربوك اتهامات بنقل مقاطع من كتابها "الآن: كيف نجدّد بلدنا" عن منشورات أخرى. لكنّها دافعت عن نفسها قائلة إنّها "كانت مدركة لاستخدام وقائع من مصادر مفتوحة"، وهكذا فعل خصمها وزير الداخلية هورست زيهوفر متحدّثاً عن أنّ كتابها ليس أطروحة وأنّه ليس عليها ذكر كلّ مصدر.

 

"أكبر معلّم"

تدنّت شعبية "الخضر" بعد هذه الاتهامات. فبعدما تفوّق على "الاتحاد الديموقراطي المسيحي" في أيار لفترة محدودة، يحتلّ "الخضر" حالياً المرتبة الثانية بعد "الاتحاد" بـ 18% مقابل 29%. فهل يعاود "الخضر" تقليص الفارق بعد الفيضانات الأخيرة؟

 

هذا الأمر غير مستبعد على الإطلاق. من المرجّح أن تخفت هذه الاتّهامات لصالح إثارة أسئلة جديدة تتعلّق بالتغيّر المناخيّ بما أنّ آثاره باتت ملموسة أكثر لدى الألمان عموماً والمتضرّرين من الفيضانات خصوصاً. يرى أستاذ الشؤون العامة وعلم النفس في جامعة "برينستون" الأميركية إلكي فيبر أنّ شخصاً فقدَ منزله بسبب حريق سيدرك مخاطر التغيّر المناخيّ أكثر من شخص ينظر إلى رسم بيانيّ عن ارتفاع درجات الحرارة.

 

طبعاً هنالك متغيّرات كثيرة ستدخل المعادلة، مثل كيفية استجابة لاشيت وربّما شولتز للكارثة في ولايتيهما، ومدى تأجيل "الخضر" إطلاق تصريحات سياسية في هذا الشأن ريثما تنتهي عمليات الإنقاذ والتعويض. لكن كما يؤكّد فيبير، "التجربة الشخصية هي أستاذ قوي، أكثر إقناعاً من الإحصاءات الشاحبة، حتى لو كانت الأخيرة تحمل قيمة برهانية أعظم بكثير". الشعب الألماني خارج من تجربة شخصية قوية ستترك على الأرجح بصمتها في صناديق الاقتراع، أو على الأقل، على أجندة الحملات الانتخابية المقبلة.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم