السبت - 19 حزيران 2021
بيروت 24 °

إعلان

إردوغان والتهدئة الأوروبية... فرصة أمام ماكرون

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والتركي رجيب طيب إردوغان خلال مؤتمر حول سوريا في اسطنبول، تشرين الأول 2018 - "أ ب"
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والتركي رجيب طيب إردوغان خلال مؤتمر حول سوريا في اسطنبول، تشرين الأول 2018 - "أ ب"
A+ A-

بدأ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يفكّ عزلة بلاده الإقليمية بشكل تدريجي بعد قراءته معطى وصول جو بايدن إلى الرئاسة الأميركية. خلال ولاية دونالد ترامب، حصل إردوغان على ضوء أخضر ضمني لاتباع السياسات الإقليمية التي يريدها. من ناغورنو كراباخ إلى ليبيا، تدخلت أنقرة عسكرياً لأهداف عقيدية تتعلق باسترجاع "أمجاد" عثمانية ضائعة إضافة إلى أهداف اقتصادية تتمثل بوضع اليد على موارد الطاقة في المنطقة. وأدت السياسة الداخلية التركية دورها في التوسع الخارجي مع سعي أردوغان إلى إرضاء حليفه "حزب الحركة القومية" ومحاولة تشتيت الانتباه عن المشاكل الهيكلية العميقة التي يعاني منها الاقتصاد التركي.

 

بوجود ترامب في البيت الأبيض، انتهز إردوغان جميع الفرص التي أتيحت له من أجل مواصلة سياسته التوسعية. فالتوتر الأوروبي-الأميركي، وعجز الأوروبيين عن وضع سياسة متناسقة تجاه تركيا، سمحا لأنقرة بزعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي مع تصعيد التوترات في شرق البحر المتوسط خصوصاً مع قبرص واليونان. ولم تجد هاتان الدولتان دعماً واضحاً من بروكسل في مواجهة عمليات التنقيب الاستكشافية في المياه التي تقولان إنها تابعة لمنطقتهما الاقتصادية الخالصة. لفترة طويلة، عارضت ألمانيا فرض أي عقوبات على تركيا بسبب خوفها من فتح أنقرة بواباتها أمام اللاجئين للتوجه نحو أوروبا، في خرق للاتفاقية التي وقعتها مع بروكسل سنة 2016.

 

منعطف

في قضية الخلاف مع تركيا، أثبتت أوروبا أنها عاجزة عن اتباع سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة. لم تبدأ بروكسل باتخاذ خطوات عملية إلا بعدما فاز بايدن بالانتخابات. ففي كانون الأول الماضي، فرض الأوروبيون عقوبات رمزية على تركيا مؤجلين اتخاذ إجراءات أكثر حزماً إلى آذار الحالي. كان على بروكسل انتظار فترة ما بعد دخول بايدن البيت الأبيض وبدء فريقه صياغة سياساته الخارجية. مع ذلك، شكّل كانون الأول منعطفاً أساسياً بالنسبة إلى الرئيس التركي.

 

فبالتوازي مع العقوبات الأوروبية، فرضت إدارة ترامب عقوبات على وكالة الصناعات الدفاعية في تركيا بسبب انخراطها في صفقة شراء منظومة "أس-400" الروسية. بذلك، سهّل ترامب على سلفه مواصلة اتّخاذ إجراءات أكثر صرامة بحقّ تركيا، بعد فترة طويلة من تحصينه إردوغان أمام غضب الكونغرس، أكان بسبب توغّلاته في سوريا أو بسبب شراء منظومة "أس-400" الروسية أو بسبب الضغط لإقالة قضاة ينظرون في خرق بنك "خلق" التركيّ للعقوبات المفروضة على إيران.

 

انتقادات لاذعة

خلال السنوات الماضية، وجّه إردوغان إهانات عدّة لنظرائه الأوروبيين. كان للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حصة الأسد منها. فبعد إعلان ماكرون أواخر 2019 في حديث صحافي أنّ حلف شمال الأطلسي (ناتو) "ميت دماغياً" رد عليه إردوغان بالقول إنّ فهمه "مريض وضحل" وإنّ عليه التأكد ممّا إذا كان هو نفسه يعاني من "موت دماغيّ". جاءت تصريحات الرئيس الفرنسي بعد حوالي شهر على سماح ترامب لنظيره التركي بضرب قوات سوريا الديموقراطية (قسد) في شمال سوريا، من دون إبلاغ حلفائه الأوروبيين.

 

وتجدد الهجوم الكلاميّ لإردوغان على ماكرون بعد انتقاد الأخير للإسلام السياسي و"الانفصالية الإسلاموية" ودفاعه عن حرية التعبير في الجمهورية الفرنسية. أتى ذلك عقب قيام طالب من أصول شيشانية بقطع رأس أستاذه في تشرين الأول الماضي لدفاعه عن مجلة "شارلي إيبدو". اتّهم إردوغان ماكرون بأنه بحاجة "لعلاج نفسي" بسبب موقفه من المسلمين. ودعا الرئيس التركي إلى مقاطعة البضائع الفرنسية فردّ ماكرون بالقول "إننا لن نستسلم، أبداً". وفي 4 كانون الأول، قال إردوغان إنّ "ماكرون هو مشكلة لفرنسا. مع ماكرون، تمر فرنسا في فترة خطيرة جداً جداً. آمل أن تتخلص فرنسا من ماكرون في أسرع وقت ممكن".

 

ثبات أوروبي... تراجع تركي

في الصراع بين إردوغان وماكرون يبدو أنّ الاخير ثابت في موقعه. بالفعل، تراجع الرئيس التركي عن مواقفه السابقة وأجرى محادثة هاتفية عبر الفيديو في الثاني من الشهر الحالي مع ماكرون قائلاً إن البلدين قادران على المساهمة الفعالة في نشر السلام والاستقرار في أوروبا والقوقاز والشرق الأوسط وأفريقيا. وقال إنّ تركيا "ترغب" بالتعاون مع فرنسا في هذه المسائل، مشيراً إلى أن "الصداقة" الفرنسية-التركية "تخطت عقبات عديدة" منذ القرن السادس عشر. وكان ذلك أول اتصال بين الرئيسين منذ أيلول 2020.

 

وسبق لإردوغان أن أجرى محادثة عبر الفيديو مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في كانون الأول مبدياً فيها رغبة بلاده بفتح "صفحة جديدة" مع الاتحاد الأوروبي. و"شكر ميركل لجهودها ومساهماتها البناءة في العلاقات التركية-الأوروبية"، مشيراً إلى وجود "نافذة فرصة" جديدة للعلاقات بين أنقرة وبروكسل. وتواصل إردوغان وميركل مرة أخرى عبر الفيديو في الخامس من الشهر الحالي، وتطرّقا إلى جائحة "كورونا" والأوضاع في شرق المتوسط وليبيا. والتقى ديبلوماسيون يونانيون وأتراك في أثينا الثلاثاء للبحث في إطلاق محادثات استكشافية لحل الخلافات.

 

فرصة

قد تكون قمّة بروكسل الأسبوع المقبل أحد الدوافع أمام إردوغان للتهدئة مع الأوروبيين خشية من عقوبات إضافية الأسبوع المقبل. لكنّه ليس الدافع الأساسي على الأرجح. بعثر فوز بايدن بالرئاسة الأميركية جميع أوراق القوة لدى إردوغان، خصوصاً أنّه لم يبادر إلى الاتصال به لغاية اليوم. السؤال الأصعب أمام الأوروبيين هو مدى قدرتهم على صياغة سياسة تركيّة خاصة بهم بعيداً من التطورات في واشنطن. في المرحلة الماضية، برز خط الخلاف الأساسي داخل أوروبا بين ألمانيا "المهادنة" وفرنسا "المتشددة" و"المدافعة" عن اتخاذ قرارات أقسى بحق تركيا.

 

لكن بعد ستة أشهر، ستخرج ميركل من الحياة السياسية الألمانية وهو أمر قد يولّد فراغاً موقتاً في القيادة الأوروبية يمكن أن تملأه باريس. هل يستغل ماكرون تلك الفرصة لصياغة سياسة تركية طال انتظارها داخل أروقة بروكسل؟ أم سيربط هو أيضاً مستقبل العلاقات الأوروبية-التركية بالعلاقات الأميركية-التركية؟ لا شكّ في انّ السلوك التركي سيرسم الكثير من ملامح الجواب. لكنّ اعتماد الخيار الثاني يعني أنّ الاتحاد الأوروبي سيواصل رهن جزء من مستقبله بتطوّرات ما وراء الأطلسي.

 

 

 

 

 

 

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم