الأحد - 01 تشرين الثاني 2020
بيروت 25 °

إعلان

مبادرتها مترنّحة... هل تقتنع فرنسا بالتشدّد الأميركيّ؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
التحية الفرنسية (تعبيرية- "أ ف ب").
التحية الفرنسية (تعبيرية- "أ ف ب").
A+ A-
إذا ما تمّ استثناء تغريدات الرئيس دونالد #ترامب، فإنّه من النادر رؤية انتقاد أميركيّ رسميّ للحلفاء بالوضوح الذي أتى به انتقاد وزير الخارجيّة مايك #بومبيو للفرنسيّين. تقدّم الرئيس الفرنسيّ إيمّانويل #ماكرون بمبادرةٍ خلال الزيارتين اللتين خصّ بهما لبنان في الخامس من آب والأوّل من أيلول، لإخراجه من أزمته المزمنة. الخلاف بين المقاربتين الأميركيّة والفرنسيّة حيال بيروت يفوق كلّ محاولات إظهار أنّه مجرّد تبادل أدوار. وهذا ما يؤكّده لـ"النهار" أستاذ العلاقات الدوليّة في جامعة القدّيس يوسف، كريم بيطار: "يظنّ معظم المحلّلين أنّ فرنسا والولايات المتحدة تلعبان (دورَي) الشرطيّ الجيّد/الشرطيّ السيّئ تجاه لبنان".

لا يعني هذا الأمر غياب نقاط مشتركة بين النظرتين إلى لبنان. لكنّ الخلافات ليست ثانويّة. يضيف بيطار، وهو أيضاً باحث بارز في "معهد العلاقات الدوليّة والاستراتيجيّة" ومقرّه باريس، أنّه يميل للاعتقاد بأنّ باريس وواشنطن تنسّقان موقفيهما "لكنْ هنالك خلافات جوهريّة معيّنة في مقاربتيهما للملفّ اللبنانيّ".


انتقاد قاسٍ.. من "الوهم" إلى "الاسترضاء"
لو كان هنالك نجاح كامل في التنسيق بين الطرفين، لما تأسّف بومبيو في صحيفة "الفيغارو" على رفض فرنسا تصنيف "حزب الله" بأكمله على لائحة الإرهاب أسوة بما فعلته دول أوروبّيّة. وتابع أنّه "بدلاً من ذلك، تتمسّك فرنسا بالوهم القائل بوجود ‘جناح سياسي‘ لـ‘حزب الله‘" معبّراً عن تشاركه "الغضب الذي عبّرت عنه 27 شخصيّة عامّة فرنسيّة ناشدت #فرنسا تصنيف الحزب في خانة التنظيمات الإرهابيّة". ونبّه #باريس من أنّ "استراتيجيا الاسترضاء لا تفيد بشيء على الإطلاق" مشيراً إلى أنّها "حملة ناجحة من الابتزاز الديبلوماسيّ التي وضعها سلفي في وزارة الخارجيّة، جون كيري".

يبدأ الاختلاف في وجهات النظر بين الطرفين من النظرة إلى #إيران وحظر تصدير الأسلحة إليها والذي ينتهي الشهر المقبل. وقفت فرنسا بشدّة ضدّ تمديد الحظر وضدّ آليّة إعادة فرض العقوبات على إيران بسبب انتهاكها بعض بنوده. فرنسا جزء من المجموعة الأوروبّيّة التي ترى أنّ #واشنطن باتت خارج #الاتّفاق_النوويّ وبالتالي لا صفة لها كي تدّعي وجود خرق لبنوده. ووجّه بومبيو لوماً شديداً للرئيس الفرنسيّ متسائلاً: "كيف يُعقل أن تصوّت فرنسا ضدّ تمديد حظر السلاح، وأن يلتقي الرئيس ماكرون مسؤولاً كبيراً في ‘حزب الله‘ في الأسبوع التالي؟"
تواجه المبادرة الفرنسيّة عرقلة قاسية حيث لا تزال مشاورات تأليف الحكومة عالقة، مع أجواء تفيد بأنّ رئيسها المكلّف مصطفى أديب يتّجه إلى تقديم الاعتذار عن التأليف إذا فشلت محاولات اللحظة الأخيرة. وتصطدم جهود التأليف الأساسيّة بإصرار الثنائيّ الشيعيّ ("حزب الله" وحركة "أمل") على الاحتفاظ بوزارة الماليّة.

سلّفت ثمّ تأسّفت
مع أنّه لا يزال هنالك إمكانيّة، حتى كتابة هذه الأسطر، لإيجاد تسوية، فإنّ الفريق الذي دافعت عنه فرنسا هو الذي قد يُفشل مبادرتها في نهاية المطاف. لقد "سلّفت" فرنسا الكثير من المبادرات الإيجابيّة لصالح "حزب الله" من أجل إزالة هواجسه، من دون أن تلقى ردّاً إيجابيّاً عبر تسهيله ولادة الحكومة. ولا يتعلّق هذا الواقع برفض فرنسا تصنيف الحزب على لائحة الإرهاب وحسب، على عكس معظم دول القارّة. فالفرنسيّون تخلّوا عن فكرة الانتخابات التشريعيّة المبكرة إرضاء للحزب، كما طالب ماكرون نظيره الأميركيّ برفع العقوبات عنه لأنّها "تأتي بنتائج عكسيّة" على حدّ تعبيره. كذلك، اعترف ماكرون بشرعيّة الحزب قائلاً إنّه أتى بأصوات الناخبين اللبنانيّين. وتجنّب ماكرون الحديث عن سلاح "حزب الله" حتى حين سأله الصحافيّون عن ذلك.
اليوم، تكاد المبادرة الفرنسيّة تتمزّق وباريس تدرك ذلك. فهي أبدت "أسفها" أمس لعدم احترام التعهّدات التي قطعها السياسيّون اللبنانيّون أمام ماكرون خلال زيارته لبنان والقاضية بتأليف الحكومة خلال "15 يوماً". وأضاف الإليزيه أنّ "على الجميع تحمّل مسؤوليّاتهم من أجل مصلحة لبنان فقط والسماح" للرئيس المكلّف "بتشكيل حكومة في مستوى خطورة الوضع".
تمّ تمديد مهلة تشكيل الحكومة إلى نهاية الأسبوع. لكنّ الخطوات الفرنسيّة المستقبليّة لا تزال مجهولة. هل تفرض عقوبات على المسؤولين اللبنانيّين في حال فشلوا في تأليف الحكومة منضمّة بذلك إلى السياسة الأميركيّة المتشدّدة؟

ليس بيطار من مؤيّدي هذه الفرضيّة: "أعتقد أنّ فرنسا سترغب بالحفاظ على قنوات التواصل مع جميع الأحزاب اللبنانيّة بما فيها ‘حزب الله‘. أشكّ في أن تنضمّ فرنسا إلى خطّ بومبيو المتشدّد". يستند بيطار في تحليله إلى طبيعة النفوذ الفرنسيّ في بيروت، وهي التي تمنع باريس بحسب رأيه من التلاقي مع واشنطن حول موقف أكثر تشدّداً: "تملك فرنسا نفوذاً في لبنان بالتحديد لأنّه يُنظر إليها على أنّها وسيط نزيه يتحدّث إلى جميع الأفرقاء وليس لديها عداء ضدّ حزب معيّن".

سؤال مستقبليّ
قد لا يكون الموقف الفرنسيّ مستغرباً، بما أنّ ماكرون يرى في التمايز عن الأميركيّين مدخلاً لبناء سياسة فرنسيّة وأوروبّيّة مستقلّة، في عصر يزداد الشرخ بشكل مطّرد على ضفّتي الأطلسيّ. يرى السفير السابق والمستشار البارز الخاص في "معهد مونتانْيْ" الفرنسيّ ميشال دوكلو، في تعليق على زيارة ماكرون لبنان والعراق، أنّ ثمّة ضرورة لبقاء فرنسا منخرطة حيث يمكنها ذلك في الشرق الأوسط. ففي حقبة ما بعد الانتخابات الأميركيّة، من المحتمل أن تعود لحظة التسويات الكبيرة أو التوتّرات الجديدة الدراميّة، وفقاً لرأيه الذي أورده في مؤسّسة الرأي نفسها.

ومع ذلك، ليس معلوماً كيف بإمكان فرنسا الاستفادة من الاحتمالين. فعلى الرغم من جميع الضغوط التي فرضها ماكرون على السياسيّين اللبنانيّين، تواجه مبادرته العراقيل وهي لا تزال أصلاً في بداية المسار. صحيحٌ أنّ لماكرون فرصة لتعزيز نفوذه داخل لبنان خلال الأشهر التالية. لكنّ فشل تشكيل الحكومة، أو فشل الأخيرة في إدخال الإصلاحات الطارئة سيصيب باريس بالخيبة. وإذا كانت "الوساطة النزيهة" غير فعّالة في جمع اللبنانيّين حول رؤية الإليزيه، فسيصعب تصوّر نجاحه في توطيد التأثير على لبنان. والحال سيكون أصعب في سوريا والعراق حيث لفرنسا رافعات نفوذ أقلّ. فهل تدفع الأخيرة ثمن تمايزها عن الأميركيّين في المنطقة خلال المرحلة المقبلة؟
الكلمات الدالة