الجمعة - 26 شباط 2021
بيروت 15 °

إعلان

إيران أم بايدن... من يملك النفوذ الأكبر قبل إطلاق التفاوض؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
نائب الرئيس الأميركي سابقاً، والرئيس المنتخب حالياً جو بايدن يتحدث خلال مؤتمر وإلى جانبه الرئيس السابق باراك أوباما، كانون الأول 2016 - "أ ب"
نائب الرئيس الأميركي سابقاً، والرئيس المنتخب حالياً جو بايدن يتحدث خلال مؤتمر وإلى جانبه الرئيس السابق باراك أوباما، كانون الأول 2016 - "أ ب"
A+ A-
سيستقبل البيت الأبيض الرئيس الأميركيّ المنتخب جو بايدن بملفّات كثيرة عالقة في الداخل الأميركيّ. ستحتاج الإدارة الجديدة أشهراً عدّة حتى تتفرّغ للسياسة الخارجيّة، مع افتراض نجاح برامج التلقيح والتحفيز المرتبطة بمواجهة فيروس "كورونا".

مع ذلك، وفي ما يخصّ الشرق الأوسط والملفّ الإيرانيّ، قد لا يكون أمام بايدن وقت طويل للعودة إلى الاتّفاق النوويّ كما وعد خلال حملته الانتخابيّة. انطلق فريق أوباما السابق والذي ينضمّ جزء كبير منه إلى الإدارة المقبلة، من أنّ الانفتاح على إيران يغيّر طبيعة السياسات الداخليّة فيها كما سلوكها الإقليميّ والدوليّ.


ما هي المحفّزات الإيرانيّة؟
بعد الانتقادات الكثيرة التي وُجّهت إلى خطة العمل الشاملة المشتركة – الاسم الرسميّ لاتّفاق 2015 – قال المدافعون عن خطوة أوباما إنّها هدفت إلى تقييد برنامج إيران النوويّ حصراً. فكرة أنّ التواصل مع إيران يؤثّر على الديناميّات الداخليّة قد تراود بايدن اليوم. لهذا السبب، ربّما تجرّه إيران إلى هذا "الفخّ".

قال محلّلون إنّ الرئيس المقبل لا يملك سوى بضعة أشهر للتوصّل إلى اتّفاق أوّليّ مع إيران قبل الانتخابات الرئاسيّة. ففي حال كسر الطرفين الجمود وتوصّل بايدن إلى تخفيف بعض العقوبات عن إيران مقابل تخفيف الأخيرة وتيرة تخصيب اليورانيوم، يمكن بحسب هذا المنطق، أن تصل شخصيّة معتدلة إلى الرئاسة الإيرانيّة لاستكمال مسار التفاوض. تحتاج طهران إلى محفّزات لدفع البيت الأبيض إلى هذا المسار. والمحفّزات هي المزيد من التصعيد.

تسارعت التطوّرات في 2021. مطلع الشهر الحاليّ، أعلنت إيران أنّ إجراءات إنتاج يورانيوم مخصّب بنسبة 20% قد بدأت". وسمح الاتفاق النوويّ لإيران بنسبة تخصيب تصل إلى 3.67% فقط. وجاء الإجراء تنفيذاً لقانون صادر عن مجلس الشورى انتقاماً لاغتيال كبير العلماء النوويّين الإيرانيّين محسن فخري زاده. لكنّ الخطوة لا يمكن فصلها أيضاً عن سعي إيران الحثيث لمراكمة نفوذها قبل استلام الإدارة الديموقراطيّة مهامّها.

لم يفت هذا التكتيك وزير الخارجيّة الألمانيّ هايكو ماس الذي رأى فيه خطوة لا تساعد على التمهيد للتقارب الأميركيّ. وأضاف: "يجب ألّا يكون هناك المزيد من المناورات التكتيكيّة التي رأيناها كثيراً مؤخّراً". ومنذ خمسة أيّام، قال المتحدّث باسم لجنة الأمن القوميّ والسياسة الخارجيّة في مجلس الشورى أبو الفضل عموئي إنّ بلاده تعمل على تصميم مفاعل نوويّ مماثل لمفاعل آراك للمياه الثقيلة. وتُخصَّص تلك لمياه لتبريد المفاعلات النوويّة. سبق لإيران أن خرقت الحدّ الأقصى المسموح به من المياه الثقيلة (130 طنّاً) منذ تشرين الثاني 2019.

رفضت إيران أيّ شروط مسبقة للعودة إلى الاتّفاق النوويّ. وقال وزير خارجيّتها محمّد جواد ظريف إنّ على واشنطن رفع العقوبات عن القطاعين المصرفيّ والنفطيّ وإعادة علاقة إيران التجاريّة مع العالم إلى طبيعتها، كي تعود طهران إلى الاتّفاق النوويّ. ويعكس كلام ظريف تصريحات كلا الجناحين داخل إيران حول عدم القبول بفرض أيّ شرط على الإيرانيّين لإعادة إحياء الاتّفاق. وهدّدت طهران أيضاً بتقييد عمل المفتّشين الدوليّين في ما يتعلّق بالبروتوكول الإضافيّ، المرتبط بتمكين الوكالة الدوليّة للطاقة الذرية من تفتيش الدول الموقّعة على معاهدة حظر الانتشار النوويّ لمعرفة خططتها وأرصدتها وتجارتها النوويّة.

وأوضح المتحدّث باسم منظّمة الطاقة الذرّيّة بهروز كمالوندي أنّ الخطوة الإيرانيّة ستكون محصورة بالبروتوكول الإضافيّ لا بالتفتيش الوقائيّ. وفي سلسلة الخطوات التصعيديّة أيضاً، عمدت إيران إلى احتجاز ناقلة نفط كوريّة جنوبيّة. وفيما ادّعت أنّ سبب الاحتجاز يعود إلى عدم التزام الناقلة المعايير البيئيّة، ترتبط القضيّة بتجميد سيول ما لا يقلّ عن 7 مليارات دولار من أموال النفط الإيرانيّ في مصارفها. بالفعل، في تعليق لـ"النهار"، توقّع الصحافيّ المقيم في إيران كورش ضيابرى أن تستمرّ الأعمال العدوانيّة بين البلدين في الوقت الراهن حتى بعد رحيل دونالد ترامب. ولن يتغيّر هذا الإمر إلّا بوضع الجمهوريّة الإسلاميّة سياسة خارجيّة "جديدة بالكامل" وتتخلّى عن "المواقف المناهضة للأميركيّين" وهو "سيناريو غير مرجّح إلى بعيد".


"الابتزاز كعنوان للّعبة"
لا يتعلّق التصعيد المتوقّع بتحسين الشروط قبل التفاوض وحسب، بل الأهمّ بتسريع التفاوض. من المرجّح ألّا تملك إيران ترف الوقت وانتظار إلى ما بعد حزيران المقبل. تُقرن طهران المخاوف الأميركيّة من مجيء متشدّد إلى رئاستها بمسارها التوتيريّ لتلزم واشنطن بالعودة إلى المحادثات في أقرب وقت ممكن. يسمح لها هذا الربط بإدارة دفّة التفاوض عوضاً عن أن تكون الولايات المتّحدة في هذا الموقع.

من هنا، دعا مناهضو إيران إدارة بايدن إلى عدم العجلة في إطلاق المفاوضات. بالمقابل، قدّم مناصرو الاتّفاق النوويّ هديّة لإيران عندما قالوا إنّ خروج ترامب منه سرّع اقترابها من الحصول على السلاح النوويّ. وهذا يعني عمليّاً أنّ مجرّد الدخول إليه، من دون تعديل، سيمنعها من ذلك. لا تزال إيران بعيدة نسبيّاً من تطوير هكذا سلاح طالما أنّ نسبة التخصيب هي عند حدود 20%.

لكن كلّما تقدّم الوقت، تمكّنت طهران من رفع النسبة حتى جعلها تقترب من 90% وهي الحدود التي تسمح لها بتطوير الأسلحة النوويّة. "لعبة الأعصاب" أو "الابتزاز كعنوان للّعبة" بحسب توصيف باربرا فيسيل من شبكة "دويتشه فيله"، تصبّ في مصلحة الإيرانيّين، خصوصاً أنّ خصومهم يرون في الاتّفاق العقبة الوحيدة أمام الوصول إلى هذا الهدف.

إيران أم بايدن؟
سبق أن بدأ محلّلون يعترفون بشكل من الأشكال بأنّ إيران "تسبقهم". المدير المشارك لبرنامج السياسات النوويّة في "مركز كارنيغي إندومنت للسلام الدوليّ" جايمس أكتون حذّر منذ ثلاثة أيّام بايدن من احتمال تضحيته بما هو جيّد وهو في طريق البحث عمّا هو مثاليّ. وكتب في مجلّة "فورين بوليسي" أنّ العودة إلى الاتّفاق النوويّ هي أفضل ما يمكن بايدن فعله وأنّ التوصّل إلى اتّفاق جديد سيكون أقلّ تقييداً للبرنامج النوويّ الإيرانيّ. وشبّه النفوذ الذي تملكه طهران بنفوذ العمّال المضربين عن العمل إزاء أرباب عملهم حيث يحصل الطرف الأوّل على زيادة في الرواتب وتحسين شروط العمل مقابل فقط توقّفه عن الإضراب. بينما رأى أنّ الضغط الاقتصاديّ على إيران لن يكون نافعاً، مستنداً إلى التجربة نفسها مع كوريا الشماليّة.

لكنّ التطوّرات الداخليّة في كوريا الشماليّة لا تشبه تلك التي تحدث في إيران. فمنذ 2017، تشهد البلاد تظاهرات شاملة ولو متقطّعة هي الأولى منذ ثورة 1979. ومع أنّ سببها اقتصاديّ، لم تتوانَ عن رفع شعارات إسقاط النظام نفسه. بالتالي، إنّ قبضة طهران على السلطة أضعف من قبضة بيونغ يانغ، على الرغم من أنّ الأولى استطاعت إخماد التظاهرات بالقمع. من ناحية ثانية، يحظى النظام الكوريّ الشماليّ بدعم صينيّ أكبر ممّا تحظى به إيران من الدولة نفسها. صحيح أنّه في كلتا الحالتين، لا تقدّم الصين دعماً مطلقاً. لكن في الحالة الإيرانيّة، يبدو الدعم الصينيّ أضعف ممّا توقّعه إيران، هذا إن لم يكن محبطاً لها أحياناً. ولو لم تكن العقوبات مؤثّرة على الاقتصاد الإيرانيّ، لما كانت طهران قد فاوضت العالم أكثر من سنتين للوصول إلى اتّفاق 2015.


الهدف
يملك الطرفان ما يكفي من النفوذ للجلوس إلى طاولة التفاوض بثقة. لكن كيفيّة استخدامه ومن أجل تحقيق أيّ هدف بالضبط، هو ما يرجّح مسار التطوّر. إن ظنّ بايدن أنّ النافذة تُغلق أمامه بعد خمسة أشهر وأنّه عليه التحرّك سريعاً لتقييد إيران وللمساهمة في تحديد نتيجة الانتخابات الرئاسيّة الإيرانيّة، فهذا يعني أنّ إيران شبه فائزة من اليوم. وثمّة ملاحظة أخرى يمكن طرحها. مهما سرّع بايدن عمليّة التفاوض وقدّم تنازلات فيها، فسيبقى تغيير نتيجة الانتخابات صعباً جدّاً.

رأى الصحافيّ ضيابرى في معرض تعليقه لـ"النهار" على المرحلة المقبلة، أنّ فترة ستّة أشهر قصيرة جدّاً للتوصّل إلى تسوية جديدة بين الطرفين. كذلك، تواجه إدارة روحاني مقاومة من المتشدّدين، خصوصاً في مجلس الشورى "الذي يستهلك جميع الخيارات لجعل أيّ مفاوضات أمريكيّة-إيرانيّة مستقبليّة صعبة".

وتابع: "أنا مقتنع إلى حدّ بعيد بأنّ الرئيس الإيرانيّ الجديد الذي سيُنتخب في حزيران، سيكون متشدّداً أو قائداً من الحرس الثوريّ". فالطبقة الوسطى التي تشكّل حاضنة المعتدلين "خاب أملها بشكل كبير من مسار المؤسّسة، ومن المتوقّع أن تكون نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسيّة المقبلة منخفضة للغاية".

يناقض الصحافيّ نفسه، وهو أيضاً زميل في "الشبكة الأميركيّة الشرق أوسطيّة للحوار في ستانفورد"، تحليل البعض بأنّ المتشدّدين سيستفيدون من الانفتاح التمهيديّ الذي ستقوم به الحكومة الحاليّة وسينسبون الفضل في أيّ تسوية لاحقة لأنفسهم: "لا أعتقد أنّ إيران ستكون مستعدّة لمحادثات جديدة وللإقدام على تسويات جديدة للولايات المتحدة بوجود متشدّد أو شخصيّة من الحرس الثوريّ في الرئاسة".

إذاً، بحسب هذا التحليل، على إدارة بايدن التخلّي عن فكرة أنّها قادرة على تعزيز فرص المعتدلين في رئاسيّات 2021 الإيرانيّة. بل يمكن أن تتخلّى أيضاً عن فكرة أنّ الرئيس المتشدّد المقبل قد يكون راغباً بالبناء على التقدّم المفترض الذي يمكن أن يتحقّق على يد حكومة روحاني، من أجل توسيع التفاوض.

بالتالي، إذا رأى بايدن أنّ إيران هي التي تحتاج إلى الشريان الماليّ الحيويّ الذي توفّره الولايات المتّحدة وأنّ بإمكانه فرض التوقيت والشروط التي تناسبه من أجل العودة إلى التفاوض، فمعركة إيران الديبلوماسيّة ستكون شاقّة جدّاً. أسابيع قليلة قبل ظهور المؤشّرات عمّن يملك اليد العليا.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم