الأحد - 29 أيار 2022
بيروت 25 °

إعلان

تركيا تلفّ المستقبل "الأطلسي" لفنلندا والسويد بظلال من الشكّ

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتحدث مع مراسلين عن عدم ارتياحه لآفاق انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو - "أ ف ب" عن الرئاسة التركية
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتحدث مع مراسلين عن عدم ارتياحه لآفاق انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو - "أ ف ب" عن الرئاسة التركية
A+ A-

تقترب فنلندا والسويد تدريجياً من دخول حلف شمال الأطلسي. ما كان مستبعداً قبل اجتياح روسيا لأوكرانيا أصبح مرجّحاً إلى حدّ بعيد خلال الأشهر القليلة المقبلة كنتيجة من نتائج هذا الاجتياح. تتخذ هلسينكي وستوكهولم الإجراءات القانونية الداخلية للتقدّم رسميّاً بطلب الانضمام إلى الناتو. من ناحية نظرية، ما من عراقيل داخلية كبيرة بما يكفي لمنع البلدين من تحقيق مهمّتيهما.

 

المزاج العام مؤيّد بشدّة لكسب العضوية الأطلسية، بما يدفع المشرّعين إلى تأييد هذا المسار. فنلندا على موعد مع استحقاق انتخابيّ في ربيع 2023، وهي تفضّل أن يتمكّن مجلس النوّاب الحاليّ من إنهاء المراجعات القانونية قبل تلك الانتخابات على ما قاله وزير الخارجية الفنلندي بيكا هافيستو.

 

ويمكن أن يكون هنالك جهد دؤوب لإقناع المتردّدين داخل البرلمان لدعم هذه الخطوة. ثمّة حاجة لموافقة 160 نائباً من أصل 200 على انضمام البلاد إلى الناتو. حالياً هنالك نحو 121 نائباً مؤيّداً للخطوة، وفقط 10 معترضين.

 

في السويد، تبدو الصورة أقلّ وضوحاً، لكنّها مع ذلك تشير إلى سلوك مسار مشابه. صحيح أنّ المزاج العام مؤيّد للانضمام إلى الناتو (نحو 53% في أبريل) لكن يمكن أن تطرأ تباينات داخلية في الحزب الديموقراطيّ الاجتماعيّ. تقول رئيسة الوزراء السويدية المؤيّدة للقرار ماغدالينا أندرسون إنّ هنالك بوضوح "قبل وبعد 24 فبراير (شباط)" في إشارة إلى تاريخ انطلاق الغزو الروسيّ لأوكرانيا. لكنّ الجناح البيئيّ داخل الحزب يعارض ذلك. أمّا على الضفة التشريعية فيبدو أنّ الغالبية البرلمانية تؤيّد الانضمام إلى الناتو. في المحصّلة، إنّ احتمالات الموافقة على طلب العضوية الأطلسية في كلّ من فنلندا والسويد أعلى من احتمالات الرفض.

 

حماسة لدى الدول الأطلسية

على الصعيد الخارجيّ، كانت هنالك حماسة غربية لافتة لاستقبال الدولتين في الناتو. علاوة على ذلك، قدّم الغربيّون ضمانات أمنيّة لفنلندا والسويد. في حال مهاجمة روسيا أراضيهما خلال الفترة الفاصلة عن منحهما رسمياً العضوية الأطلسية، ستتدخّل أقلّه بعض الدول في الناتو لحمايتهما من الاعتداء. حتى المجر التي تعدّ من الدول الأوروبية الأقرب إلى روسيا لم تبدِ اعتراضاً على دخول هاتين الدولتين الحلف الأطلسيّ.

 

دفع ذلك مراقبين إلى توقّع منح ستوكهولم وفنلندا هذه العضوية في وقت قياسيّ. قال الأمين العام السابق للناتو أنديرس راسموسن إنّ هذا الأمر قد يحصل "بين ليلة وضحاها"، لكن لا شكّ في وجود بعض المبالغة في التوقّع. كان من شبه المؤكّد أن توافق كلّ الدول الأطلسيّة على الترحيب بفنلندا والسويد في الحلف. يجب أن تحصل هذه الموافقة بالإجماع. لكنّ تركيا فاجأت المراقبين أمس.

 

ما الذي تريده تركيا؟

أعلن الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان أنّه "ليس لدينا رأي إيجابيّ" تجاه انضمام الفنلنديين والسويديين إلى الحلف الأطلسي. فهم "ارتكبوا من قبل خطأ في الناتو ضد تركيا في ما يتعلق باليونان"، كما "يؤوون إرهابيين من ‘حزب العمال الكردستاني‘" الذي تصنّفه تركيا وبروكسل وواشنطن على لائحة الإرهاب.

 

وكان الرئيس الفنلندي ساولي نينيستو قد تباحث مع أردوغان في هذا الشأن أوائل أبريل (نيسان) قبل أن يكتب نينيستو على تويتر أنّ "تركيا تدعم أهداف فنلندا". وقالت وزيرة الخارجية السويدية إنّ "الحكومة التركية لم ترسل لنا هذا النوع من الرسائل المباشرة". ومن المتوقّع أن تستكمل الدول الثلاث المباحثات حيال هذه الخطوة اليوم السبت خلال اجتماع أطلسي وزاري في برلين.

 

لم يقل أردوغان بشكل مباشر إنّه يعارض انضمام الدولتين إلى الحلف. قد يخفّف ذلك من مخاوف الإطاحة بأحلام فنلندا والسويد. على الأرجح يريد أردوغان من فتح دفاتر الماضي ثمناً للقبول بعدم استخدام حق النقض تجاه قبول الدولتين في الناتو. نقلت شبكة "بلومبيرغ" عن مسؤول تركي بارز قوله إنّ تركيا تريد من السويد وفنلندا اتّخاذ موقف واضح ضدّ داعمي المقاتلين الأكراد الانفصاليين في جنوب شرق تركيا. كما تتّهم تركيا الدولتين، وخصوصاً السويد، بإيواء موالين للداعية فتح الله غولن الذي تقول إنّه يقف خلف الانقلاب الفاشل في صيف 2016.

 

مع ذلك، من غير الضروريّ أن تدفع هلسينكي وستوكهولم وحدهما الثمن المحتمل الذي يطالب به أردوغان. ربّما يكون موقفه رسالة إلى الولايات المتحدة. قال الناطق باسم وزارة الدفاع  جون كيربي إنّ بلاده تسعى "إلى فهم أفضل لموقف تركيا" لكنّه أضاف أنّ موقف أنقرة لن يغيّر من كونها "حليفاً ثميناً" للناتو. وقالت أيضاً الناطقة باسم البيت الأبيض جين ساكي إنّها تعمل على استيضاح موقف تركيا.

 

ربّما تريد تركيا من الولايات المتحدة رفع العقوبات المفروضة عليها بسبب شراء منظومة "أس-400" الصاروخية من روسيا. وقد ترفع أيضاً مطلب توقّف الولايات المتحدة عن دعم المقاتلين الأكراد في شمال شرق سوريا.

 

تهدئة

انضمّت تركيا إلى حلف شمال الأطلسي في الناتو سنة 1952 وهي تضمّ ثاني أكبر جيش في الحلف بعد الجيش الأميركيّ. لكنّ العلاقات التركيّة-الغربيّة تدهورت في السنوات الماضية بفعل انتهاكات حقوقية والخلافات حول الحرب في سوريا كما بسبب التعاون العسكريّ مع روسيا وسلوكها في شرق المتوسّط وغيرها من القضايا. أعاد الغزو الروسيّ لأوكرانيا تهدئة العلاقات بين تركيا والغرب بفعل دعمها العسكريّ ولو المحدود لأوكرانيا عبر بيع مسيّرات "بيرقدار" التي أثبتت فاعليتها في عرقلة تقدّم القوّات الروسيّة.

 

وأغلقت مضيقي البوسفور والدردنيل أمام السفن الحربية الروسية بموجب اتفاقية "مونترو" (1936) بعد أيام على انطلاق العمليات العسكرية. وفي أواخر أبريل، أعلنت إغلاق مجالها الجوّيّ أمام المقاتلات التي تنقل الجنود الروس إلى سوريا.

 

لكنّ أنقرة لم تقطع علاقاتها بالكامل مع موسكو. فهي قالت إنّ قرارها بشأن إغلاق المضيقين لا يطبّق على السفن الروسية وحسب بل أيضاً على تلك الأطلسية. واستضافت تركيا محادثات بين الروس والأوكرانيين لحلّ النزاع من دون أن تصل إلى نتيجة.

 

لا شكّ في أنّ تركيا تريد مساحة مناورة في إعلان رأي "غير إيجابيّ" تجاه توسيع الناتو عبر ضمّ فنلندا والسويد. يتمحور السؤال حول حجم هذه المساحة. هل تذهب تركيا إلى حدّ استخدام حقّ النقض إذا لم يستجب الغرب لكلّ أو جزء من مطالبها؟  وهل هي قادرة على تحمّل تبعات قرار كهذا خصوصاً إذا كانت الدولة الأطلسيّة الوحيدة التي تقدم على هذه الخطوة؟

 
*نقل عن "النهار العربي"

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم