الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 27 °

هل تكسب قبرص رهانها في مواجهة تركيا؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
Bookmark
تدريبات عسكرية تركية (ا ف ب)
تدريبات عسكرية تركية (ا ف ب)
A+ A-
 
 
على الرغم من وجود حوالي 2000 كيلومتر فاصل بين بيلاروسيا وشرق البحر الأبيض المتوسّط، تبدو التعقديات في كلتا المنطقتين متداخلة إلى حدّ بعيد. في بيلاروسيا، لا تزال التظاهرات قائمة ضدّ رئيسها ألكسندر لوكاشنكو بعد أكثر من شهر على إجراء انتخابات رئاسيّة فاز بها بنسبة 80% من الأصوات، وهي نتيجة تعتبرها المعارضة غير نزيهة. وفي شرق المتوسّط، تتوسّع تركيا في عمليّات المسح الجيولوجيّ والتنقيب عن النفط في مناطق متنازع عليها مع قبرص واليونان، الأمر الذي ينذر باندلاع حرب بين أثينا وأنقرة. وتشكّل هاتان الأزمتان صداعاً للاتّحاد الأوروبّيّ الذي يحاول ممارسة نفوذه في كلتا الجبهتين. لكنّ بروكسل بحاجة للسير بين الألغام عبر التواصل مع أطراف متناقضة للوصول إلى أهدافها.
يلقى لوكاشنكو دعماً من نظيره الروسيّ فلاديمير بوتين مع أنّ العلاقات بين الرئيسين ليست في أفضل أحوالها. لا يريد بوتين ثورة أخرى على حدوده تذكّر بثورة ميدان في أوكرانيا. وبدا أنّ الأوروبّيّين غير متحمّسين للتدخّل في بيلاروسيا لصالح المعارضة، بما أنّ الأخيرة لا تسعى للانضمام إلى الاتّحاد الأوروبّيّ أو إلى حلف شمال الأطلسيّ (ناتو). كذلك لا يؤمّن الاقتصاد البيلاروسيّ فرصاً استثماريّة للأوروبّيّين بما أنّه شبه منغلق وغير قابل للمقارنة مع العجلة الاقتصاديّة في أوكرانيا. مع ذلك، شدّدت أوروبّا موقفها عبر دراسة فرض عقوبات على المسؤولين البيلاروس الذين تتّهمهم بممارسة القمع والتزوير. وقد تجد أوروبّا نفسها أكثر استعجالاً للتحرّك بعدما بيّنت ألمانيا أنّ المعارض الروسيّ ألكسي نافالني تعرّض لعمليّة تسميم في روسيا. 
 
قبرص... مركز اهتمام روسيّ وأميركيّ
في وقت من المتوقّع ازدياد التوتّر بين بروكسل وموسكو، تنخفض احتمالات اتّكال الأولى على الثانية للضغط على تركيا كي تخفّف توتير الأجواء في شرق المتوسّط. وكان وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف قد أعرب في مستهلّ زيارته الرئيس القبرصيّ نيكوس أناستاسيادس عن استعداد بلاده تسهيل إقامة حوار عمليّ بين قبرص وتركيا. وأتت زيارة لافروف في مناسبة مرور ستّة عقود على إقامة علاقات ديبلوماسيّة بين نيقوسيا وموسكو. ومنح أناستاسيادس ضيفه وسام مكاريوس الثالث، وهو أعلى وسام للدولة المضيفة. قبل ذلك بأسبوع، اتّصل وزير الخارجيّة مايك بومبيو بالرئيس القبرصي لإبلاغه رفع الولايات المتّحدة جزئيّاً حظر تصدير السلاح المفروض على الجزيرة منذ أكثر من 30 عاماً. تظهر هذه التحرّكات أهمّيّة قبرص بالنسبة إلى كلّ من روسيا والولايات المتّحدة. 
ومع أنّ قبرص ليست دولة أطلسيّة، وهي الدولة الأوروبّيّة الوحيدة التي لا تنتمي إلى برنامج "الشراكة من أجل السلام" الهادف إلى تعزيز الثقة بين "الناتو" من جهة، والدول الأوروبّيّة والسوفياتيّة السابقة غير المنضوية فيه من جهة أخرى، تستضيف الجزيرة قاعدتين عسكريّتين بريطانيّتين. لم يلاقِ تصريح السفيرة الأميركيّة في قبرص جوديث غاربر عن عدم ارتباط رفع الحظر الجزئيّ بالتوتّر الأخير في شرق المتوسّط ارتياحاً من تركيا التي استنكرت الخطوة الأميركيّة. وأوضحت السفيرة أنّ قرار واشنطن أتى نتيجة تنامي التعاون الأمنيّ بين الولايات المتّحدة وقبرص. لكنّ واشنطن طالبت نيقوسيا باتّخاذ خطوات لمنع وصول السفن العسكريّة الروسيّة إلى موانئها من أجل إعادة التزوّد بالوقود. وعلى أيّ حال، ستسمح واشنطن ببيع الأعتدة والخدمات "غير الفتّاكة" إلى قبرص بدءاً من تشرين الأوّل.
 
نفوذ من بوّابة بيلاروسيا
تصبح قبرص تدريجيّاً مركز اهتمام استراتيجيّ كبير. لغاية اليوم، لا تتلقّى الأخيرة دعماً أوروبّيّاً واضحاً في مواجهة الأطماع التركيّة. لذلك، يبدو أنّها قرّرت استخدام الآليّة الأوروبّيّة لفرض العقوبات كي تدافع عن مطالبها. فقرارات فرض عقوبات أوروبّيّة يتطلّب إجماعاً من قبل الدول الأعضاء. وهذا ما تنوي نيقوسيا استغلاله في ملفّ موازٍ. ذكر موقع "أوبزيرفر الاتحاد الأوروبّيّ" أنّ قبرص كانت قد وافقت في آب مع 26 دولة أخرى على معاقبة مسؤولين بيلاروس، لكنّها تمهّلت مؤخّراً قائلة إنّها تريد التدقيق في مسائل تقنيّة قبل تطبيقها. وفيما ذكرت مصادر أوروبّيّة أنّ قبرص تريد إدخال عقوبات على مينسك وأنقرة ضمن حزمة واحدة، نفى مصدر قبرصيّ هذا الاتّهام. وقال مصدر ديبلوماسيّ أوروبّيّ لوكالة "رويترز" إنّ هنالك "مقداراً كبيراً من الإحباط" داخل التكتّل القارّيّ. وسيستضيف الرئيس الفرنسيّ رئيسي قبرص واليونان الأسبوع المقبل، ومن الممكن التوصّل إلى تسوية خلال اجتماع لوزراء الخارجيّة الأوروبّيّين في 21 أيلول أو خلال قمّة بروكسل يومي 24 و 25 أيلول.
من المنطقيّ توقّع رفع قبرص سقفها الديبلوماسيّ خلال الأيام المقبلة لربط الملفّين بطريقة جزئيّة وزيادة الضغط الأوروبّيّ على تركيا. يقول مصدر أوروبّيّ لموقع "أوبزيرفر" نفسه إنّه من غير المرجّح حصول أناستاسيادس على ما يريده لأنّ الأولويّة هي لسحب فتيل التوتّر من شرق المتوسّط.
 
مكاسب محتملة
ويُظهر مركز "ستراتفور" أنّ بعض الدول، مثل ألمانيا، قلقة من أن تؤدّي الإجراءات المتشدّدة ضدّ أنقرة إلى اشتعال التوتّرات بين بروكسل وتركيا. لكنّ المركز عينه يتوقّع أن يَنتج عن التهديد القبرصيّ بفرض "فيتو" على الإجراءات ضدّ بيلاروسيا، صدور عقوبات أوروبّيّة أقوى بقليل، حيث تستهدف المزيد من الأفراد والشركات التركيّة، لكنّ عقوبات اقتصاديّة موسّعة ضدّ الحكومة التركيّة يبقى غير مرجّح. وسيحدث كلّ ذلك وسط توقّعات بأن تترك الولايات المتّحدة الاتّحاد الأوروبّيّ يقود سياسة الردّ على محاولات تركيا الوقوف في وجه ما تطالب به اليونان وقبرص، إلّا في حال تمّ جرّ واشنطن إلى النزاع عبر انخراط شركة "شيفرون" الأميركيّة للاستثمار في شرق المتوسّط. واستحوذت الأخيرة في تمّوز على شركة "نوبل إنرجي" التي كانت تدير حقلي ليفياثان قبالة إسرائيل وأفرودايت قبالة قبرص.
كيف ستستغلّ قبرص توازنات القوى في المنطقة لتحسين موقعها التفاوضيّ سيبقى موضوع مراقبة في الأيّام المقبلة. لكنّ أوراقها ليست بقليلة. منذ ثلاثة أيّام، غرّد رئيس المجلس الأوروبّيّ شارل ميشال مطالباً بضرورة تسريع مسار العقوبات على بيلاروسيا. وإذا أرادت أوروبا تحقيق مسار مستقلّ عن الولايات المتّحدة، فيجب أن تكون أحرص على إظهار مدى تجانسها وسرعتها في فرض عقوبات على خصومها، وهي عمليّة بالغة التعقيد إذا ما قورنت بسرعة الإجراءات الأميركيّة. وإن كانت ميركل تنوي تصعيد الضغط على حليف روسيا، ربّما يكون حان الوقت كي تقدّم بعض التنازلات لقبرص. قد لا تملك الأخيرة هامشاً واسعاً للمناورة، لكنّ حصْدَ جزء من الضمانات الأوروبّيّة في مواجهة تركيا يستأهل شدّ الحبال بحسب رأيها. يمكن ألّا يطول انتظار المراقبين أكثر من أسبوعين لمعرفة ما ستكسبه في رهانها. 
الكلمات الدالة