الجمعة - 23 تشرين الأول 2020
بيروت 27 °

إعلان

العقوبات على فنيانوس وخليل... بين الأهداف التكتيكيّة والاستراتيجيّة

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
وزير الخزانة ستيفن منوخين يتحدث خلال مؤتمر صحافي وإلى جانبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، نيسان 2020 - "أ ب"
وزير الخزانة ستيفن منوخين يتحدث خلال مؤتمر صحافي وإلى جانبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، نيسان 2020 - "أ ب"
A+ A-

"لقد تفشّى الفساد في لبنان، واستغلّ حزب الله النظام السياسيّ لنشر نفوذه الخبيث". هذا ما قاله وزير الخزانة ستيفن منوخين بعدما أعلن فرض عقوبات على الوزيرين اللبنانيّين السابقين يوسف فنيانوس (تيّار المردة) وعلي حسن خليل (حركة أمل). 

بحسب البيان، يبدو أنّ الولايات المتّحدة اختارت معيارين في آن: "التورط في عمليّات فساد" و"دعم حزب الله"، من أجل فرض عقوباتها:

"تنبع الأزمة المعقّدة في لبنان من عقود من الفساد وسوء الإدارة الاقتصاديّة، واستخدم بعض القادة السياسيّين اللبنانيّين الصفقات السرية والاعتماد على حزب الله لتحقيق مكاسب شخصية ومكاسب لحلفائهم السياسيين قبل النظر لاحتياجات الشعب اللبناني".

من 4 آب رجوعاً إلى 17 تشرين

جاء القرار الأميركيّ بعد نحو شهر من انفجار الرابع من آب. يوضح مسؤول بارز في الإدارة الأميركيّة لصحيفة "وول ستريت جورنال" أنّ تلك الكارثة برّرت سرعة الإجراءات التي اتّخذتها واشنطن. وقال إنّ الرجلين تمتّعا ببعض مستويات الرقابة على المرفأ خلال حقبة تولّي وزارتيهما، لكنّ العقوبات لم تكن مبنيّة على ذلك الواقع وفقاً لتعبيره.

استند شرح إطار الإجراءات الأميركيّة الأخيرة إلى الشعار الذي رفعه المتظاهرون اللبنانيّون بعد احتجاجات 17 تشرين الأوّل والذي يقول "كلّن يعني كلّن"، للإشارة إلى أنّه "يظهر جدية رغبتهم في الإصلاح وكشف الغطاء عن فساد مجموعات بعينها، بما في ذلك حزب الله". بالتالي، ثمّة نيّة أميركيّة لإظهار أنّ تحرّكها الأخير لا ينبع من مصلحة حصريّة لواشنطن، بل هو يعبّر، بشكل أو بآخر، عن تلاقي المصلحتين الأميركيّة واللبنانيّة، لفرض هذه العقوبات.

فصّلت الولايات المتّحدة في قرارها "ارتكابات" الوزيرين المذكورين بحقّ المال العام من جهة، وكيفيّة "دعم حزب الله" من جهة أخرى. كذلك، عادت الإدارة سنوات إلى الوراء لمراقبة تحرّك الوزيرين، حتى قبل وصول الرئيس الأميركيّ الحاليّ إلى البيت الأبيض. مردّ ذلك إلى أنّ "حزب الله" مصنّف على لوائح الإرهاب الأميركيّة منذ سنة 1997، بينما تمّ إصدار القانون الأميركيّ لمنع التمويل الدوليّ للحزب سنة 2015.

 

الاتّهامات

اتّهم البيان "حزب الله" باستخدام علاقته "مع المسؤولين في الحكومة اللبنانيّة، بمن فيهم فنيانوس، بصفته وزيراً للنقل والأشغال العامة، لسحب الأموال من الميزانيات الحكومية لضمان فوز الشركات المملوكة لحزب الله بعطاءات حكومية لبنانية تبلغ قيمتها ملايين الدولارات". واتّهم البيان "حزب الله" بمنح فنيانوس "مئات الآلاف من الدولارات مقابل خدمات سياسية" سنة 2015. و"ساعد فنيانوس أيضاً حزب الله في الوصول إلى الوثائق القانونية الحساسة المتعلقة بالمحكمة الخاصة بلبنان"، إلى جانب "تحويل الأموال من وزارته لتقديم امتيازات لدعم" حلفاء تيّاره السياسيّين.

مع وزير المال علي حسن خليل (2014-2020)، أظهرت الولايات المتّحدة عزمها على استهداف البيئة الأوسع للحزب. ويرى بعض المراقبين أنّ الخطّ الفاصل أساساً بين "حركة أمل" و"حزب الله" غامض في كثير من الأحيان.

"في أواخر عام 2017، قبل فترة وجيزة من الانتخابات النيابية اللبنانية التي كانت ستجرى في أيار/مايو 2018، توصّل قادة حزب الله، خوفاً من إضعاف تحالفهم السياسي مع حركة أمل، إلى اتفاق مع خليل حيث كان مستعداً لتلقي دعم حزب الله لنجاحه السياسي". واتّهمت واشنطن خليل بـ"نقل الأموال من الوزارات الحكومية إلى المؤسسات المرتبطة بحزب الله بطريقة جنّبت فرض العقوبات" الأميركية وباستخدام منصبه لمحاولة تخفيف القيود المالية عن "حزب الله".

كما ذكر البيان أنّ خليل استخدم منصبه لإعفاء "منتسبي حزب الله من دفع معظم الضرائب المستحقّة على الإلكترونيات المستوردة إلى لبنان، في مقابل دفع جزء من ذلك لدعم حزب الله"، ورفضه التوقيع على شيكات للمورّدين الحكوميين لكسب عمولات.

هدف تكتيكيّ؟

في هذا الوقت، قال مسؤول بارز آخر لـ"وول ستريت جورنال" إنّ العقوبات هدفت إلى تحييد قدرة الرجلين عن المشاركة في أيّ حكومة جديدة: "نأمل اليوم، أنّنا فرملنا ذلك". لكن يبدو أنّ حركة "أمل" لا تزال متمسّكة بوزارة المال بعد العقوبات، وفقاً لما أعلنه النائب في "كتلة التنمية والتحرير" قاسم هاشم.

وما لم يوضحه المسؤول الأميركيّ هو سبب فرض العقوبات على هذين المسؤولين دون سواهما، إذا كان القصد من وراء ذلك منعهما من مشاركة حكوميّة مستقبليّة. فهنالك مسؤولون آخرون اتّهمهم المتظاهرون بالفساد وقد يكونون في طور لعب دور غير مباشر في تأليف الحكومة المنتظرة.

ذكر تقرير في موقع "آسيا تايمس" أنّ العقوبات كانت "طلقة تحذيريّة مبكرة للطبقة السياسيّة المتحالفة مع حزب الله". وأبرز أيضاً كيف أعفت واشنطن "التيار الوطني الحرّ" من العقوبات، لكنّه ذكر أنّ الفكرة "لا تزال على الطاولة" بالنسبة إلى إدارة ترامب، خصوصاً أنّ جمهوريّين طالبوه بتفعيل "قانون قيصر" وعقوبات أخرى لمعاقبة "التيّار" على تحالفه الطويل مع "حزب الله".

"قد لا يطول الأمر كثيراً"

بالفعل، شكّل عدم فرض عقوبات على الحليف القويّ للحزب والذي يشكّل له الغطاء المسيحيّ الأوسع، أحد أبرز الأسئلة التي تداولها كثر من اللبنانيّين منذ أمس. لكنّ عدم شمول الإجراءات قياديّين بارزين من "التيّار الوطنيّ الحرّ" لا يعني أنّ الأخير بات بمنأى عن هكذا خطوات في المستقبل، وفقاً لمراقبين. في تعليق لـ"النهار"، يرى مراقب شؤون الشرق الأوسط ورئيس "مجلس التفاهم العربيّ-البريطانيّ" كريس دويل، أنّه بالنظر إلى الموقف الأميركي الحاليّ، "وتصميمه على قمع أيّ دعم لإيران و"حزب الله" قد لا يطول الأمر كثيراً قبل أن يحدث هذا".

تنضوي العقوبات المفروضة في إطار مكافحة "الإرهاب الدوليّ" لا ضمن "عقوبات ماغنيتسكي" التي تستهدف مسؤولين أجانب متورّطين بالفساد.

من جهته، كان مساعد وزير الخارجيّة دايفد شنكر قد أعلن أنّ العقوبات هي "رسالة للجميع"، متعهّداً أن تُبقي الولايات المتّحدة ضغطها على "حزب الله" و"لاعبين فاسدين" خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. ومع ذلك، قال ردّاً على أسئلة حول إمكانيّة فرض عقوبات على رئيس "التيّار الوطنيّ الحرّ" جبران باسيل إنّ عمليّة فرض عقوبات على المسؤولين هي آليّة تستغرق وقتاً طويلاً "ويجب توقّع المزيد من العقوبات".

ربّما كان الامتناع الموقّت عن فرض العقوبات على باسيل أو قادة آخرين في "التيّار الوطنيّ الحرّ" مقصوداً بحسب تحليل دويل: "قد تُحجم إدارة ترامب أيضاً عن خطوات كهذه من أجل الضغط على التيّار الوطنيّ الحرّ لإنهاء علاقته مع "حزب الله".

الكلمات الدالة