الأربعاء - 19 كانون الثاني 2022
بيروت 10 °

إعلان

هل تدفع الصين إيران للعودة إلى الاتفاق النووي؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
العلم الإيراني يرفرف فوق العاصمة طهران. وفي الصورة يظهر برج "ميلاد" للاتصالات - "أ ب"
العلم الإيراني يرفرف فوق العاصمة طهران. وفي الصورة يظهر برج "ميلاد" للاتصالات - "أ ب"
A+ A-

شبّه أحد الديبلوماسيين الإيرانيين عودته إلى فندقه بعد توقّف محادثات فيينا يوم الجمعة بالعودة من الحرب، وفقاً لما ذكرته صحيفة "وول ستريت جورنال". كان ذلك إشارة إلى حدّة وصعوبة المفاوضات التي انطلقت بداية الأسبوع الماضي. ومن المتوقّع أن تُستأنف تلك المحادثات منتصف الأسبوع المقبل بعدما تبادل الإيرانيّون والغربيّون التّهم بعرقتلها وبعدم التمتّع بـ"الجدية" لإعادة إحياء الاتفاق النووي. قد لا يكون أمام أميركا سوى الاستعانة بالصين من أجل ممارسة الضغط على إيران، بالنظر إلى العلاقات الوثيقة التي تجمع الطرفين، وإلى اتفاق الشراكة الاستراتيجية الطويل الأمد، الذي يجمع بيجينغ بطهران. لكن هل الصين مهتمّة فعلاً بممارسة ضغط كهذا؟

 

"ازدواجية معايير"

قبل ثلاثة أيام من انطلاق الجولة السابعة من مفاوضات فيينا في 29 تشرين الثاني الماضي، طرح ممثّل الصين في "الوكالة الدولية للطاقة الذرّيّة" وانغ كون السؤال الآتي: "لماذا تقول الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنّه لا يمكن إيران تصنيع يورانيوم مخصّب بما يفوق 3.7% بينما من جهة ثانية، تحوّلان بشكل علنيّ ومباشر أطناناً من الموادّ النووية العالية التخصيب بنسبة 90% والمخصّصة لأغراض الأسلحة النووية؟" وتابع: "هذه قضية كلاسيكيّة ونقطة معايير مزدوجة".

وكان وانغ ينتقد اتفاق "أوكوس" الذي تمّ الإعلان عنه في أيلول الماضي بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوستراليا، حين اشترت الأخيرة بموجبه غواصات أميركيّة نوويّة. وكانت أوستراليا قد وقّعت على صفقة الغوّاصات الجديدة مستبدلة بها صفقة غوّاصات تقليديّة، كانت قد وقّعت عليها مع باريس سنة 2016، الأمر الذي تسبّب بأكبر أزمة ديبلوماسيّة بين باريس وواشنطن منذ تأسيس العلاقات الثنائية. وحذّر وانغ من أنّ اتفاق "أوكوس" يشكّل "مخاطر جديّة في الانتشار النووي".

 

بين المُلِحّ والأقلّ إلحاحاً

قد يكون اتّفاق "أوكوس" عاملاً جذّاباً بالنسبة إلى الصين للمقايضة بين إلغائه أو تقليص عدد الغوّاصات الأميركيّة المسلّمة إلى أوستراليا مقابل دفع إيران نحو العودة إلى الاتفاق النووي. لكن ثمّة عوامل قد تمنع تلك المقايضة. في البداية، من غير المتوقّع أن تدخل أوّل الغواصات الأميركيّة الخدمة في أوستراليا قبل أواخر العقد المقبل. بالتالي، ثمّة وقت طويل كي يعمل الصينيون والأميركيون على إيجاد تسوية حول الموضوع إن كانت هنالك نيّة حيال ذلك، بعكس الاتفاق النوويّ الذي تنتهي آخر قيوده سنة 2031. وقد تطرأ في هذه الفترة مستجدّات كثيرة، يُمكن أن يكون تحسّن العلاقات الأوسترالية - الصينية التي تدهورت السنة الماضية واحداً منها.

في هذا الوقت، تلوح أمام الصين مشاكل ملحّة تستوجب الحلّ مثل مواصلة تأمين النفط لتشغيل اقتصادها. إنّ رفع العقوبات الأميركيّة عن القطاع النفطيّ الإيرانيّ يلبّي تطلّعات بيجينغ الاقتصاديّة الحاليّة، فهي تعاني من ارتفاع في التضخّم مدفوع جزئياً بارتفاع في أسعار الطاقة. بهذا المعنى، إنّ عودة إيرانيّة سريعة إلى الاتّفاق النوويّ تصبّ في مصلحة الصين.

 

ليست "صلبة كالصخر"

في حديث إلى شبكة "سي أن بي سي"، أشار الأكاديمي في معهد الشرق الأوسط التابع للجامعة الوطنية في سنغافورة آصف شوجا إلى أنّ الصين "كانت تدعم باستمرار" إيران. مع ذلك، ليست العلاقات الثنائيّة "صلبة كالصخر" بالنسبة إليه. ويوضح أنّه من المنظور الإيرانيّ، "روسيا والصين هما الأكثر أهمية. لكن إن قرأتِها من جانب روسيا والصين، فإيران ليست أهمّ لاعب". بالفعل، أعطت الصين أهمية لعلاقاتها مع السعودية والإمارات ودول أخرى في الخليج العربيّ، أكبر من تلك التي أولتها إلى علاقتها مع إيران. كان ذلك بيّناً على مستوى واردات النفط والعلاقات التجارية والاستثمارات.

من ناحية أخرى، إنّ عدم التوصّل إلى اتفاق جديد في فيينا لإحياء "خطة العمل الشاملة المشتركة" يرجّح زيادة التوتّر في المنطقة مع فرص تحوّل هذا التوتّر إلى حرب إقليميّة. إنّ حرباً كهذه تفرض خطراً مباشراً على إمدادات النفط الآتية من الخليج إلى الصين، وهو ما لا تستطيع الأخيرة تحمّله. لقد مثّلت تلك المنطقة قرابة 50% من وارداتها النفطيّة في 2020. ويصعّد الإسرائيليّون خطاباتهم داعين الولايات المتحدة من جهة إلى الانسحاب من الاتفاق النووي، ومهدّدين من جهة أخرى باستخدام القوة العسكريّة للحؤول دون امتلاك إيران السلاح النوويّ. بذلك، يفترض أن تكون العودة الإيرانيّة إلى الاتّفاق النوويّ تصبّ مباشرة في مصلحة بيجينغ.

بالرغم من اعتراض الصين على "حملة الضغط الأقصى" التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران بعد انسحابها من الاتفاق النوويّ منذ ثلاثة أعوام، يبقى أنّ الصين لم تنتهك تلك الحملة إلّا بشكل جانبيّ. على سبيل المثال، ومع أنّ بيجينغ استوردت ما معدّله 550 ألف أو 600 ألف برميل نفط يومياً من إيران هذه السنة، فإنها لم تعمد إلى الإفراج عن قرابة 20 مليار دولار من الأصول الإيرانيّة المجمّدة لديها.

 

مصلحة صينيّة... ولكن

أتى ارتفاع الواردات النفطية الصينية من إيران كنتيجة لغضّ طرف أميركيّ عن تنفيذ العقوبات المفروضة على طهران. من المرجّح أن يكون غضّ الطرف هذا عبارة عن بادرة حسن نيّة ضمنيّة لإعادة إيران إلى طاولة التفاوض، وربّما بادرة أخرى تجاه الصين لتخفيف التوتّر الاستراتيجيّ بين الطرفين. وخفّضت الصين وارداتها النفطيّة من إيران إلى حدود 100 ألف برميل يومياً في 2019، قبل أن تعاود زيادة هذه الكمّيّة خصوصاً منذ تشرين الثاني 2020، تاريخ خسارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسيّة.

إذا كانت للصين مصلحة مباشرة في إنجاح مفاوضات فيينا فهذا لا يعني أنّها ستضغط مجّاناً على إيران لتأمين هذا النجاح. بحكم طبيعة العلاقات الدولية، سترغب بيجينغ بالحصول على مقابل لهذه "الخدمة" التي من المرجّح أن تطلبها واشنطن عاجلاً أم آجلاً. هل يكون هذا المقابل حصول الصين على إعفاءات خاصّة في مجال النفط أو حتى في مجالات أخرى كالاستثمار في قطاعات التعدين أو النسيج أو التصنيع الخاضعة أيضاً للعقوبات الأميركيّة؟ أم يكون هذا المقابل في ملفّات أخرى حول العالم مثل الملفّ التايوانيّ الملتهب؟ الاحتمالات مفتوحة والوقت يضيق. وهذا قد يجعل المقايضات أكثر إثارة للاهتمامين الأميركيّ والصينيّ معاً.  

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم