الأربعاء - 12 أيار 2021
بيروت 24 °

إعلان

رفع العقوبات عن إيران... التمرين الأكثر "إيلاماً" لبايدن؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ ف ب).
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ ف ب).
A+ A-

بالرغم من رغبة إدارة بايدن بالعودة السريعة إلى الاتفاق النووي، لا يزال عليها تخطّي عراقيل عديدة لإحياء اتفاق 2015. شكّل التسجيل المسرّب لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عقبة مستجدّة. تحدّث ظريف عن هيمنة الحرس الثوري على السياسة الخارجية الإيرانيّة، وتعرّضه للتهميش الكبير. قدّم كلامه دليلاً إضافياً للأميركيّين، القائلين إنّ التفاوض مع إيران يعزّز المتشدّدين لا الإصلاحيّين.

 

تعليقاً على كلام ظريف، قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ السيناتور الديموقراطي بوب مينينديز، إنّ "تعليقات ظريف بالتأكيد تعقّد المشهد على الأقلّ. سيتعيّن عليك التساؤل، ما الذي يمكنهم الاتفاق عليه وتنفيذه؟". حتى "توسعة" الاتفاق وفقاً لتعهّدات بايدن وفريقه تثير شكوكاً لديه: "السؤال هو، ماذا يعني "أطول وأقوى"؟ إذا حصلنا على المعاملة بالمثل بشأن الأشياء التي نهتمّ لها من الإيرانيين، فسيكون هنالك رفع للعقوبات. لكنّ السؤال الحقيقيّ هو، لأجل ماذا تقدّم رفعاً للعقوبات، وأيّ عقوبات  تتحدث أنت عن التخلّي عنها؟".

 

مواربة ومعضلة

كان الناطق باسم وزارة الخارجية نيد برايس قد أعلن الشهر الماضي، أنّ التخلّي عن العقوبات المصنّفة في خانة الإرهاب أمر وارد. ينقل هذا التصريح المراقبين إلى العقبة الأبرز أمام بايدن. فرضت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب عقوبات قاسية جداً على إيران. لكنّ القساوة لم تكن السمة الوحيدة لتلك العقوبات. عملت الإدارة على ترسيخ نظام العقوبات كي تعجز أيّ إدارة لاحقة عن تفكيكه. للنجاح في ذلك، كان على إدارة ترامب أن تعتمد أسلوباً جديداً، وربّما "موارب" في التصنيفات.

 

من ضمن العقوبات الإضافية المفروضة على إيران خلال السنوات الماضية، تلك المرتبطة بانتهاك حقوق الإنسان وببرنامجها الصاروخي الباليستي. في الأساس، لم تُرفع تلك العقوبات بموجب الاتفاق النووي حتى في عهد أوباما. تواجه إدارة بايدن معضلة في هذا الملفّ: تطالب إيران برفع جميع العقوبات التي فرضها ترامب في ولايته، ومن ثمّ باتت الإدارة مضطرّة لدراسة رفع عقوبات حقوقيّة وصاروخيّة لا ترتبط بالملفّ النوويّ. وثمّة معضلة أخرى أيضاً؛ صنّفت الإدارة السابقة بعض العقوبات النووية انتهاكاً لحقوق الإنسان ولتطوير برنامجها الصاروخيّ. تفكيك بايدن هذه الشبكة من العقوبات المتداخلة بشكل يرضي الإيرانيّين بالغ الصعوبة.

 

فوضى

قال مسؤول أميركيّ في نيسان أمام مجموعة من المراسلين، إنّ الولايات المتحدة تقدّمت عبر وسطاء بتوضيح للإيرانيين عن ثلاث حزمات من العقوبات: الأولى تعبّر عن تلك المستعدّة لرفعها، الثانية هي تلك التي لا مجال لرفعها، والثالثة بحاجة للمزيد من الدراسة لمعرفة ما إذا كانت مناسبة لشطبها وفقاً لمقتضيات الاتفاق النووي. رفض المسؤول تحديد العقوبات الواقعة في هذه الحزم، ومع ذلك، تشكّل المجموعة الثالثة الحزمة الأكثر تعقيداً وفقاً لقوله. فالمسؤولون الأميركيّون بحسب رأيه، يعتقدون بأنّ الإدارة السابقة فرضتها خصيصاً لتصعيب أيّ عودة إلى الاتفاق. وأضاف أنّ ترامب صنّف حتى بضع عقوبات ضمن خانة الإرهاب.

 

رفعُ العقوبات لم يكن سهلاً حتى لدى أوباما، إذ إنّ بعضها يعود إلى أزمة الرهائن سنة 1979، وبعضها الآخر يحتاج إلى مجرّد مرسوم رئاسيّ. كذلك، ثمّة مجموعة أخرى وقّع عليها الكونغرس عبر قوانين. حينها، وصف الخبير في شؤون الشرق الأوسط في جامعة جورج تاون بول سوليفان، نظام العقوبات الأميركي بـ"الفوضى". واتساع تلك الفوضى بعد قرارات ترامب أمرٌ متوقّع.

 

"بنية تحتية" و"هيكلية شاملة"

بحسب مراقبين، أسّس ترامب "بنية تحتية رقابية، قانونية ومؤسسية" تهدف إلى الحفاظ على العقوبات الاقتصاديّة، بينما تَبيّن أنّ المسؤولين الأميركيّين "لم يمتلكوا خبرة في رفع برنامج عقوبات واسع كهذا"، بعد اتفاق 2015. من جهته، وصف الموفد الأميركيّ السابق للشأنين الإيرانيّ والفنزويلي إليوت أبرامز، إجراءات ترامب بأنّها "هيكلية عقوبات شاملة".

 

وأخيراً، قال مسؤول حاليّ بارز في وزارة الخارجية منخرط في المفاوضات، إنّ على الإدارة أن تنظر في كلّ عقوبة لمعرفة ما إذا كانت قد فُرضت بشكل قانوني. وعلى الرغم من ذلك، يتجنّب المسؤولون الأميركيّون توضيح ما يعنونه برفع العقوبات "غير المتسقة" مع الاتفاق النوويّ.

 

على سبيل المثال، يمكن أن تثار إشكاليّة حول رفع العقوبات عن شركة النفط الإيرانيّة الوطنيّة، بما أنّ القطاع النفطيّ مشمول بهذه الخطوة في الاتفاق. لكن قد يكون للشركة دور في تمويل الحرس الثوري. كيفيّة حلّ إدارة بايدن هذه الإشكاليّة غير واضحة، وخصوصاً إذا ما أضيف إليها عامل ضغط المشرّعين في الكونغرس. البنك المركزيّ الإيرانيّ يمكن ألّا يكون بمنأى عن هذه الإشكاليّة أيضاً. ففي أيلول 2019، فرضت واشنطن عقوبات على المصرف بسبب تمويل "شبكة (إيران) الإرهابيّة، من ضمنها "قوة القدس"، "حزب الله" ومتشدّدون آخرون ينشرون الإرهاب ويزعزعون استقرار المنطقة". لكنّ واشنطن قالت أيضاً إنّ العقوبات أتت ردّاً على الهجوم الذي استهدف منشآت أرامكو النفطيّة.

 

"ألم"

إن أرادت واشنطن رفع عقوبات عن مسؤولين وكيانات إيرانيّين بسبب اتهامات بالإرهاب، فسيكون عليها إظهار أنّ هؤلاء لم يعودوا مرتبطين بدعم النشاطات المتهمين باتباعها. لهذا السبب، سيكون الأمر "تمريناً مؤلماً سياسيّاً" لإدارة بايدن، بحسب قول المستشار الخاصّ لشؤون ممارسة التجارة الدولية في شركة "بايكر بوتس للمحاماة" جايسون ويلكوكس.

 

على طريق العودة إلى الاتفاق النوويّ، قد يتبيّن أنّ رفع العقوبات ليس مجرّد "تمرين مؤلم"، بل التمرين "الأكثر إيلاماً" لبايدن في هذا الملفّ. لا يُعزى ذلك إلى خطوات ترامب وحسب على الرغم من أهميّتها. صعّب بايدن المهمّة على نفسه عبر استعجال التفاوض مع إيران، فوضع على نفسه ضغطاً مجّانيّاً لمحاولة التوصّل إلى اتفاق، ولو مبدئيّاً، خلال أشهر. بين استغلال بايدن عقوبات ترامب كنفوذ وبين محاولة تفكيكها، أقدم بايدن على الخيار الثاني: الخيار الأصعب.

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم