الأحد - 16 أيار 2021
بيروت 24 °

إعلان

إيران واغتيال سليماني... انتقمَت، لم تنتقم

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
القائد السابق لـ "قوة القدس" قاسم سليماني - "أ ب"
القائد السابق لـ "قوة القدس" قاسم سليماني - "أ ب"
A+ A-
مع مرور عام على اغتيال واشنطن قائد "قوة القدس" قاسم سليماني، تبدو إيران في حالة إرباك أمام كيفيّة الرد – أو عدم الرد – على الضربة الأميركيّة الموجعة. لا أدلّ إلى ذلك من تصريحاتها المتناقضة. بعدما قصفت قاعدتين عسكريّتين أميركيّتين في العراق عقب مرور حوالي أسبوع على الاغتيال، كتب وزير الخارجية محمّد جواد ظريف في تغريدة إنّ إيران اتّخذت إجراء انتقاميّاً "متكافئاً" ضدّ اغتيال سليماني "في إطار الدفاع عن النفس" ذاكراً "أنّنا لا نسعى إلى التصعيد أو الحرب".

علاوة على كلّ ذلك، قال مسؤول عسكريّ أميركيّ إنّ تحذيرات مبكرة سبقت الهجوم الإيرانيّ على القاعدتين، وكان الأمر كافياً "لتشغيل صافرات الإنذار وابتعاد العناصر عن طريق الأذى والنزول إلى الغرف المحصّنة تحت الأرض".
 


"ثأرنا مؤكّد وجدّيّ"
انتهى الرد بأن أصيب حوالي مئة جندي أميركي بارتجاجات في الرأس من دون سقوط أي قتيل. وتراجع ترامب عن الردّ بسبب ذلك ثانويّة الأضرار على الأرجح. لاحقاً، قال مسؤولون إيرانيون إنّ عمليّة الانتقام لم تنته. في أيلول، وغداة بروز تقارير عن نية طهران استهداف السفيرة الأميركية في جنوب أفريقيا، قال قائد الحرس الثوري حسين سلامي: "سيّد ترامب، ثأرنا لاستشهاد قائدنا العظيم هو مؤكّد، جدّيّ، وواقعيّ، لكنّنا شرفاء ونأخذ مسألة الثأر بإنصاف وعدالة". ثمّ أضاف: "أنت تعتقد أنّنا سنستهدف سفيرة في جنوب أفريقيا (انتقاماً) لدماء أخينا الشهيد. نحن نضرب أولئك الذين كانوا بشكل مباشر أو غير مباشر متورّطين في استشهاد هذا الرجل العظيم، وعليك أن تعرف أننا سنستهدف مَن تورّط، كائناً من كان وهذه رسالة جدّيّة".

في 2020، اكتفت إيران بالردّ الرمزي على الولايات المتحدة خوفاً من هجوم أميركيّ عنيف وربّما الأهمّ، رهاناً على الانتخابات الرئاسيّة. صحّ رهانها الأخير مع توجّه ترامب لمغادرة البيت الأبيض في 20 كانون الثاني. لكنّ الضغط ازداد عليها أكثر بعد اغتيال من يوازي سليماني مرتبة على المستوى النوويّ، محسن فخري زاده. اضطرّت إيران إلى تأجيل الانتقام مجدّداً، عبر اختيار "الزمان والمكان المناسبين"، فقال الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني إنّ بلاده لن "تقع في الفخ" الذي رسمه أعداؤها. مرّة أخرى، كان على إيران الاختيار بين الانتقام لأبرز قادتها والحفاظ على هيبتها، وبين تمرير الفترة المتبقّية من رئاسة ترامب بدون فقدان آخر أوراقها الديبلوماسيّة مع إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن. لكنّ الالتباس لا يزال سيّد الموقف.

ففي 16 كانون الأوّل، غرّد خامنئي أنّ الانتقام لسليماني "سيحدث بالتأكيد في الوقت المناسب". ويوم الجمعة، صرّح القائد الجديد لـ "قوة القدس" اسماعيل قاآني بأنّ بلاده "لا تزال مستعدّة للرد"، مضيفاً: "لعلّه يبرز أفراد يردّون على جريمتكم من داخل بيوتكم". مشكلة هذه التصريحات الإيرانيّة أنّها تظهّر الارتباك الداخليّ بدلاً من توجيه تهديدات صارمة. فبعد مرور عام على الاغتيال، لا تعرف إيران ما إذا كانت قد نفّذت انتقامها أم بعد. وإذا كانت لا تزال في طور الردّ، هل تنتقم بطريقة علنيّة أم عبر وكلائها في المنطقة لإبعاد الشبهات عنها؟
يصعب العثور على أجوبة لجميع هذه الأسئلة، وربّما لأيّ منها، بسبب تضارب المواقف الإيرانية. ولا يُعزى هذا التضارب إلى تشتيت طهران التصوّر الأميركيّ حول نيّاتها، بمقدار ما يجد جذوره في تقلّص حجم الخيارات الإيرانية.


رسائل أميركيّة
في أواخر كانون الأول توجّهت غوّاصتان أميركيّة وإسرائيليّة إلى مياه الخليج العربيّ في تحذير لإيران من محاولة الانتقام لسليماني. وعادة لا تكشف البحريّة الأميركيّة مواقع غوّاصاتها في العالم، لكنّها كشفت أنّ غوّاصتها النوويّة "يو أس أس جورجيا" التي يمكن تزويدها بأكثر من 150 صاروخ "توماهوك" عبرت مضيق هرمز. وأرسلت الولايات المتحدة حاملة الطائرات "يو أس أس نيميتز" إلى مياه الخليج العربي منذ نهاية تشرين الثاني. وفي كانون الأوّل حلّقت قاذفتا "بي-52" الاستراتيجيّتان مرّتين في أجواء الخليج، "التزاماً من الولايات المتّحدة بأمن المنطقة وردعاً لإيران" وفقاً لبيان وزارة الدفاع الأميركيّة (البنتاغون). وذكر البيان الصادر الخميس الماضي وجود "إشارات إلى أنّ إيران ربّما تدرس أو تخطّط لهجمات (أكثر تعقيداً) وأوسع نطاقاً ضدّ أهداف أو مصالح أميركيّة في الشرق الأوسط" وإلى "تدفّق أسلحة متطوّرة من إيران إلى العراق مؤخراً".

استُهدفت السفارة الأميركيّة في بغداد بقذائف عدة في كانون الأوّل. كذلك، استُهدف أعضاء الحكومة اليمنيّة في مطار عدن الأربعاء الماضي بعد عودتهم من الرياض، وأشارت أصابع الاتّهام إلى الحوثيّين. يعيد ذلك طرح التساؤل عمّا إذا كانت إيران تنتقم لاغتيال سليماني عبر اعتداءات لا تورّطها مباشرة في صدام مع ترامب ولا حتى مع بايدن. فإيران بحاجة للانتقام من أجل إثبات، خصوصاً للداخل، أنّها لا تزال قويّة على الرغم من الاختراقات الأمنيّة الكبيرة التي تعرّضت لها في 2020. لكنّ الانتقام غير المباشر، إذا كان ذلك حاصلاً فعلاً، لا يوصل هذه الرسالة إلى الداخل. كما أنّ الاعتداءات ضدّ السفارة الأميركيّة في العراق قديمة جدّاً وتعود إلى ما قبل اغتيال سليماني.


عقّدت الموقف على نفسها
بطريقة تصعّب عليها مهمّة "الانتقام"، وسّعت إيران لائحة المشتبه بتورّطهم في اغتيال سليماني. يوم الأربعاء، اتّهم المدّعي العام في طهران علي القاصي مهر شركة أمنيّة بريطانيّة (جي 4 أس) وقاعدة جوية ألمانيّة بتسهيل الاغتيال، الأولى بصفتها مسؤولة الأمن عن مطار بغداد والثانية عبر توجيه الطائرة الأميركيّة وتقديم معلومات للقوّات الأميركيّة.

يتصدّر رفع العقوبات أولويّات القيادة الإيرانيّة. ومع عدم بروز مؤشّرات واضحة من الإدارة المقبلة عن آليّات تنفيذ عودتها إلى الاتّفاق النوويّ، هذا إذا ما زالت مصرّة على العودة إليه سريعاً، يزداد الموقف الإيرانيّ غموضاً. ويبدو تحميل ألمانيا وبريطانيا وزر اغتيال سليماني فيه إشارة ترتبط بالملفّ النوويّ أكثر من ارتباطها بملفّ الاغتيال. وقرار إيران مؤخّراً رفع تخصيب اليورانيوم إلى ما يفوق 20% يؤكّد ذلك. يبدو أنّ ضبابيّة المرحلة الانتقاليّة في واشنطن تنعكس ضبابيّة في طهران. هذا ما يفسّر، ولو جزئيّاً، عجز إيران عن تحديد موقف واضح حول انتقامها لسليماني، بمناسبة مرور الذكرى الأولى على اغتياله.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم