17-11-2022 | 14:12

لغزها يحيّر العلماء... ما هي الجاذبيّة الكمّيّة؟

هل يمكن لنظريّة الأوتار قياس الجاذبيّة الكمّيّة؟
لغزها يحيّر العلماء... ما هي الجاذبيّة الكمّيّة؟
Smaller Bigger

تعدّ عبارة "الجاذبيّة الكمّيّة" أو "الجاذبيّة الكموميّة" (quantum gravity) من أكثر العبارات تداولاً في عالم الفيزياء الفلكيّة وهي ترافق تقريباً كلّ محاولة لفهم طبيعة الكون الذي نعيش فيه. فما هي الجاذبيّة الكمّيّة؟ كيف يمكن قياسها؟ ولماذا لا يزال لغزها يحيّر العلماء؟

 

قدّم موقع "أخبار العلوم المتقدّمة" بمساهمة من أستاذ الفيزياء النظريّة في جامعة كولونيا الألمانيّة كلاوس كيفر إضاءات على أبرز الأسئلة المتعلّقة بهذا الفرع من الفيزياء. أوضح الموقع بداية أنّ فهم العلماء للجسيمات الأوّليّة وتفاعلاتها مبنيّ على النموذج المعياريّ (standard model) الذي يشكّل لغاية اليوم النظريّة الأكثر دقّة في وصف خصائص جميع الجسيمات (باستثناء المادة المظلمة) وفي وصف سلوكها المادّيّ وكذلك تلك التي تتوسّط التفاعلات بينها.

 

التفاعل الوحيد المعلوم الذي لا يصفه النموذج المعياريّ هو الجاذبيّة. توفّر نظريّة النسبيّة العامّة لألبرت أينشتاين الوصف الوحيد للجاذبيّة، وتعامل النظريّة الحقل الجذبيّ (أو الحقل الثقاليّ) على أنه هندسة الزمكان. تمّ استخدام هذه النظريّة لوصف تأثيرات الأجسام الهائلة، كالكواكب والنجوم والمجرّات على الزمكان المحيط بها، بشكل دقيق. واستُخدمت أيضاً لفهم تطوّر الكون ككلّ.

 

لكنّ التوفيق بين نظريّة الجاذبيّة التابعة للنسبيّة العامّة مع مبادئ الميكانيكا الكمّيّة وهي فرع من الفيزياء يتعامل مع خصائص وسلوك الجيسمات على النطاق ما دون الذرّيّ يفرض بعض التحدّيات.

 

حين يحاول العلماء "كَمْوَمة" (أو تكميم) النسبيّة العامّة، يحصلون على نظريّة صالحة لمجموعة من الطاقات تصف التفاعلات بين جسيمات وأجسام مختلفة لكنّ نظريّة أساسيّة بحاجة للتعامل مع جميع الطاقات كي تكون صالحة. بالرغم من أنّ التأثيرات الكمّيّة في الجاذبيّة لا تؤدّي دوراً مهمّاً في غالبيّة العمليّات الفيزيائيّة، ثمة ظروف يجب أن تؤخذ فيها تلك التأثيرات بالاعتبار. بالتحديد، حين تكون الحقول الثقاليّة قويّة بشكل استثنائي كما كانت خلال اللحظات الأولى التي تلت الانفجار العظيم أو كما هي بالقرب من مراكز الثقوب السوداء. من أجل دراسة الفيزياء في هكذا ظروف متطرّفة ولإكمال فهم العلماء للتفاعلات الأساسيّة، تصبح صياغة نظريّة كمّيّة للجاذبيّة ضروريّة. لكن ثمة مشاكل.

 

لماذا يصعب جداً دراسة الجاذبية الكمية؟

التحدّي الأساسيّ الذي يواجهه المرء حين يسعى للحصول على دليل إلى الجاذبيّة الكمّيّة هو النقص في البيانات التجريبيّة. يدرس الفيزيائيّون عادة التفاعلات الأساسيّة للجسيمات الأوّليّة بواسطة مسرّعات الجسيمات التي تحطّم تيّارات من الجسيمات التي تتحرك بسرعات قريبة من سرعة الضوء. يمكن استخدام أنواع الجسيمات الناشئة عند الاصطدام وأرقامها وزواياها وسرعاتها لاستخلاص معلومات قيّمة عن خصائصها وتفاعلاتها. القضيّة الأساسيّة هنا هي أنّ التأثيرات الجاذبيّة في تفاعلات الجسيمات الأوّليّة ضعيفة إلى درجة لا يمكن قياسها بالمسرّعات الحالية.

 

بفعل صعوبة قياس التأثيرات الكمّيّة، كانت دراسات الجاذبيّة الكمّيّة نظريّة فقط لغاية اليوم. مع ذلك، تمكّن علماء الفيزياء من الخروج بعدد من النظريّات المرشّحة لكي تكون حيويّة.

 

هل يمكن لنظريّة الأوتار قياس الجاذبيّة الكمّيّة؟

خيضت محاولات لصياغة نظريّة صحيحة للجاذبيّة الكمّيّة منذ أربعينات القرن الماضي، لكنّ التقدّم كان محدوداً إلى حين اقتراح مرشّح جديد في الثمانينات. الفرضيّة الأساسيّة لنظريّة الأوتار (string theory) هي أنّ الجسيمات الأوّليّة ليست كالنقاط كما هي الحال في النموذج المعياريّ، بل عوضاً عن ذلك هي أوتار صغيرة أحاديّة البعد. يتوافق كل اهتزاز أو تذبذب لهذه الأوتار مع نوع محدّد من الجسيمات الأوّليّة ممّا يعني أنّ الإلكترونات ستتمتّع باهتزازات مختلفة عن اهتزازات الكواركات أو الفوتونات.

 

بالتحديد، إنّ نوعاً من الاهتزاز الوتريّ المعروف يتمتّع بخصائص تتوافق مع ما يتوقّعه العديد من علماء الفيزياء من الغرافيتون الافتراضيّ، وهو جسيم أو وتر يجب أن يكون وسيطاً في التفاعل الثقاليّ. لكنّ ديناميّاته تختلف نوعاً ما عن الجسيم الذي يعثر عليه في النسبيّة العامّة المكمّمة، حيث تناقض المبادئ الجوهريّة للفيزياء والرياضيّات. في نظريّة الأوتار، إنّ تفاعلات الغرافيتون مع جسيمات أخرى تتّسق بشكل تامّ مع هذه المبادئ الأمر الذي يضفي جدوى على هذه النظريّة كاحتمال للجاذبيّة الكمّيّة.

 

إنّ واحدة من الخصائص المثيرة للاهتمام والأهمّ لهذه النظريّة هي أنّها تتوقّع وجود عشرة أبعاد للزمكان. للوهلة الأولى، يبدو هذا التوقّع غير متوافق مع اختبارنا اليومي الذي يمكّننا من ملاحظة أربعة أبعاد وحسب: ثلاثة للمكان وواحد للزمان. الحلّ الأكثر قبولاً هو أنّ عدم الاتّساق الظاهر هذا يكمن في كون الأبعاد الستّة الإضافيّة صغيرة جداً ولا يمكن مراقبتها بالأدوات الاختباريّة المتاحة أمام العلماء اليوم. لكن من المهم تذكّر أنّ هذه مجرّد فرضيّة من بين فرضيّات عدّة.

 

منظور هولوغرامي للجاذبيّة الكمّيّة

إنّ فهم العلماء الحاليّ لنظريّة الأوتار غير مكتمل. بالتحديد، لا يمكن معرفة كيفيّة اشتقاق هندسة الأبعاد الستّة من المبادئ الأساسيّة. هذه مشكلة جدّيّة للغاية لأنّ شكل تلك الأبعاد يؤثّر على تفاصيل التفاعلات الجاذبيّة عند درجات عالية من الحرارة والطاقة. بالرغم من أنّ نظريّة الأوتار لم تصبح مقبولة على نطاق عام، أدّى البحث في هذا المجال إلى تطوير أدوات نظريّة عدّة، حيث تشكل الثنائيّة الهولوغراميّة (holographic duality) أو التراسل الهولوغراميّ (holographic correspondence) أقوى وأهمّ نظريّة بالرغم من أنها لا تزال افتراضيّة.

 

الفكرة هنا هي أنّ كوناً بعشرة أبعاد مع جاذبيّة هو إسقاط من كون ذي أبعاد أدنى (مثل الهولوغرام) حيث لا حقول جاذبيّة داخله. التفكير في الكون الحاليّ ضمن إطار هذا الفضاء ذي الأبعاد الأدنى يساعد في تبسيط بعض أكثر الألغاز صعوبة في الفيزياء، خصوصاً تلك التي تنبع من دمج ميكانيكا الكمّ مع النظريّة العامّة.

 

هذا لأنّ "وصف" هذا العالم الأبسط والخالي من الجاذبيّة هو أسهل بكثير حيث أنّ لعلماء الفيزياء الكثير من الخبرة في التعامل مع نظريّات خالية من الجاذبيّة حين يدرسون التفاعلات الكهرومغناطيسيّة والضعيفة والقوية التي تنطوي عليها نظريّة النموذج المعياري. لم يقم التراسل الهولوغرامّي بجعل دراسة المشاكل المفاهيميّة المعقّدة للجاذبيّة الكمّيّة أمراً ممكناً وحسب، بل هو يُستخدم أيضاً لتوصيف التطوّر المرئيّ للكون. ويأمل العلماء بسماح المزيد من التطوّر في دراسة العديد من الظواهر الإضافيّة.

 

نظريّات أخرى للجاذبيّة الكمّيّة

نظريّة الأوتار والتراسل الهولوغراميّ هما النهجان الأكثر انتشاراً لتوحيد ميكانيكا الكمّ مع الجاذبيّة. لكن ثمّة نظريّات أخرى. تشكّل ديناميّات الهندسة الكمّيّة مثلاً معروفاً جدّاً. لفتت هذه النظريّة انتباه الباحثين أوائل ستّينات القرن الماضي وهي تتعامل مع الفضاء الثلاثيّ الأبعاد والزمن بأساليب مختلفة قليلاً عن النسبيّة العامّة التي تتعامل مع جميع الأبعاد الأربعة بشكل متساوٍ ضمن مفهوم الزمكان. النظريّة هي تكميم للنسبيّة العامّة ومن غير المتوقّع أن تكون صحيحة عند درجات حرارة وطاقة مرتفعة للغاية أي تلك التي يمكن العثور عليها خلال مرحلة مبكرة جداً من الكون، لكنها تقدّم توقّعات مثيرة للاهتمام بشأن التصحيحات الكمّيّة لنتائج النسبيّة العامّة الكلاسيكيّة خصوصاً في علوم الكونيّات التي تدرس تطوّر كوننا ككلّ.

 

تعرف نظريّة أخرى باسم نظرية الجاذبيّة الكمّيّة الحلقيّة (loop quantum gravity) حيث ومن أجل تكميم الجاذبيّة، يتخلّى علماء الفيزياء عن مفهوم الزمكان المستمر المحدّد عبر النسبيّة العامّة واعتباره عوضاً عن ذلك مصنوعاً من كتل صغيرة منفصلة. هذه الكتل أحاديّة البعد وعندما تترابط تشكّل نوعاً من نسيج عملاق رباعيّ الأبعاد.

 

وفي نظريّة أخرى مماثلة معروفة باسم التثليث الديناميكيّ السلبيّ (causal dynamical triangulation)، يشكّل جزء أوّليّ من الزمكان المقابل الرباعيّ الأبعاد لمثلّث مسطّح. عندما "تلتصق" ببعضها على طول وجوهها، تشكّل هذه الكتل كوننا وتوفّر وسائل أبسط لتكميم الجاذبيّة. إنّ حجم هذه الكتل أو أجزاء الزمكان في كلتا النظريّتين هو من طول بلانك وهو يعدّ المقياس النموذجيّ لأيّ نظريّة عن الجاذبيّة الكمّيّة. يبلغ الطول نحو 10−35 متراً وهو أصغر بـ 23 مرة من حجم الذرة.

 

تقترح مقاربات أخرى مثل نظريّة المصفوفة (matrix theory) نظرة راديكاليّة إلى الزمكان حيث يتكهّن علماء الفيزياء بأنّه قد لا يكون موجوداً على الإطلاق وقد يكون وصفاً تقريبيّاً للواقع. مع أنّ هذا المنهج قد يبدو مخالفاً للمنطق ويستحيل التعامل معه، لا يزال بإمكان العلماء استخراج رؤى قيّمة منه للتوصّل إلى توقّعات محتملة قابلة للاختبار. لكن كي تكون هذه التوقّعات أكثر دقّة من مناهج محافظة أخرى، ثمّة ضرورة لإجراء تحسين للفهم النظريّ لهذه النظريّة أو تحسين للأساليب العدديّة التي يستخدمها العلماء.

 

لكلّ هذه النظريّات مزايا وعيوب ولا يستطيع أيّ منها تقديم وصف شامل للجاذبيّة الكمّيّة. معرفة أي واحدة منها هي الصحيحة، إن كانت أي منها صحيحة أساساً، تتطلّب اختراقاً نظريّاً أو بشكل أفضل بعض الأدلة الاختباريّة.

 

كيف ستساعدنا تجارب مستقبليّة في دراسة الجاذبيّة الكمّيّة؟

يجيب التقرير نفسه بأنّه من شبه المستحيل دراسة التأثيرات الجذبيّة (أو الثقاليّة) الكمّيّة بواسطة مسرّعات الجسيمات الأوّليّة لأنّ مساهمتها في تفاعل الجسيمات ضئيلة للغاية. مع ذلك، تمّ اقتراح وسائل بديلة مؤخراً وأكثرها انتشاراً مستندة إلى كاشفات الموجات الثقاليّة. أكثر هذه الكاشفات حساسيّة هي أجهزة مقياس التداخل الليزريّ (laser interferometers) التي تقيس المسافات الفاصلة بين مرايا منفصلة باستخدام شعاع ليزر متنقّل بينها. بإمكان هذه الكاشفات تسجيل موجات الجاذبيّة الناجمة عن اندماج ثقوب سوداء. عندما تمرّ موجة ثقاليّة – تذبذب في الزمكان – عبر الجهاز، فهي تغيّر المسافة التي على شعاع الليزر اجتيازها للوصول إلى المرآة المجاورة ممّا يتسبّب بتغيّر في الشعاع يمكن رصده وقياسه.

 

بإمكان العلماء حوسبة طيف هذه الموجات الثقاليّة، بافتراض أنّها موصوفة بشكل مناسب وفقاً لنظريّة النسبيّة العامّة، والتفاوت بين الملاحظات وتلك الحوسبات يمكن أن تشكّل مساهمة في التأثيرات الكمّيّة بالجاذبيّة. يأمل علماء الفيزياء أن يوفّر الجيل التالي من مقاييس التداخل الليزريّ، مثل تلسكوب أينشتاين الأرضيّ أو هوائي مقياس التداخل الليزري الفضائيّ (laser interferometer space antenna) الموضوع على جدول دخول الخدمة في الثلاثينات، معلومات قيّمة.

 

وثمّة منهج آخر مستند إلى إشعاع الخلفيّة الكونيّة الميكرويّ وهو إشعاع كهرومغناطيسيّ في الفضاء وجد منذ الانفجار العظيم. خصائص هذا الإشعاع التي يمكن قياسها يجب أن تتأثّر بعمليّات حدثت في اللحظات الأولى لوجود الكون، حين كانت تأثيرات الكمّ في الجاذبيّة مهمّة جداً. يقول بعض علماء الفيزياء إنّ الخصائص التي تمّ قياسها في هذا الإشعاع تؤكّد وجود الغرافيتونات في الكون المبكر الأمر الذي يؤكّد فرضيّة أنّ التفاعل الجذبيّ عند المستوى الأساسيّ يتمّ بواسطة جسيمات، مثل تفاعلات جوهريّة أخرى.

 

ويأمل الموقع أن توفّر هذه التجارب، وربما تجارب لم يفكر بها العلماء، معلومات يحتاج إليها العلماء لإكمال فهم هذه التفاعلات الأساسية وكشف الطبيعة نفسها للكون.

الأكثر قراءة

تعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث المجاري المائية أو المحيط الواقع على مسافة كيلومترات.
منبر 5/23/2026 10:14:00 AM

هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .

لبنان 5/24/2026 12:59:00 PM
صحيفة "نيويورك تايمز": الاتفاق المرتقب سيشمل "إنهاء المواجهات على جميع الجبهات"