بين تبادل النيران في ناغورني كاراباخ، وتبادل الاتهامات، التي أصبحت موثّقة بالصور والإفادات، بين أذربيجان وأرمينيا حول تجنيد مرتزقة للقتال في الإقليم المتنازع عليه بين البلدين، يدفع مرتزقة سوريون ثمن "الخداع" الذي تعرّضوا له من قبل أنقرة وسط تكدّس الجثث.
في الثاني والعشرين من أيلول (سبتمبر) الماضي، تلقّت الصحافية الاستقصائية في منظمة "انفستيغيتيف جورنال" (investigative journal) ليندساي سنيل تقارير عدة من مصادر داخل "الجيش الوطني السوري"، وهو المنظّمة الجامعة لجميع فصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا، تُفيد بأول انتشار لرجال "الجيش الوطني" في أذربيجان.
قبل ذلك بأشهر، كانت الإشاعات التي تفيد بأن تركيا ستُرسل مسلحين إلى أذربيجان تنتشر بين "الجيش الوطني السوري". وقال ناشط من كتيبة "حمزة" في عفرين: "نُقل الرجال إلى تركيا، وأُجبروا على حلق لحاهم وارتداء ملابس مدنية، ثم بدأوا رحلتهم".
بعد انتشار هذه الإشاعات بأيام، ظهرت تقارير تُفيد بأن سوريين كانوا من بين القتلى مع تصاعد التوترات بين أذربيجان وأرمينيا حول منطقة ناغورني كاراباخ. وقال أحد النشطاء في كتيبة "حمزة": "لقد خدعونا. قالوا لنا إننا قادمون لحراسة قاعدة تركية. ثم نصل إلى هنا ونكتشف أن القتال قد بدأ، على الفور، إنه قتال"، مضيفاً أن "هذا القتال ليس مثل أي شيء رأيته من قبل. إنه مثل فيلم. إنه قصف مستمر".
هذه ليست المرة الأولى التي تُرسل فيها تركيا مرتزقتها من السوريين إلى صراعات خارجية. منذ كانون الأول (ديسمبر) 2019 ، كجزء من اتفاق مع حكومة "الوفاق الوطني"، التي تتخذ من طرابلس مقراً لها والمدعومة من الأمم المتحدة، أرسلت تركيا مقاتلي "الجيش الوطني السوري" لدعم القوات التابعة لحكومة "الوفاق الوطني" ضد "الجيش الوطني الليبي" المنافس، بقيادة المشير خليفة حفتر. اشترك مقاتلو "الجيش الوطني السوري" بشكل جماعي، بعد أن اجتذبتهم وعود بدفع رواتب تبلغ حوالى 2000 دولار شهرياً، وهو ما يزيد أضعافاً مضاعفة عن 100 دولار تقريباً سيتلقّاها هؤلاء المقاتلون في سوريا.
لكن في الواقع، لم يتلق أي من العشرات من مقاتلي "الجيش الوطني السوري" في ليبيا، من الذين تواصلت معهم سنيل، أكثر من جزء بسيط من المبلغ الذي وُعدوا به. في جميع الفصائل، يبلغ متوسط المبلغ الشهري الذي يتلقّاه مقاتل "الجيش الوطني الليبي" حوالى 400 دولار. كما اعترف معظم الذين تحدثت اليهم سنيل، صراحة بنهب منازل المدنيين لتكملة دخلهم.
جثث متعفّنة
لم يعرف معظم مقاتلي "الجيش الوطني السوري" الكثير عن الوضع في ليبيا. ونقلت سنيل عن أحد مقاتلي "الجيش الوطني السوري": "سنكون هناك لمحاربة روسيا". وقال آخر: "يريد حفتر تدمير السُنّة"، غير مدرك أن حفتر، مثل الغالبية العظمى من ليبيا، من الطائفة السنيّة. وقال العشرات من المرتزقة السوريين الذين تمكّنت سنيل من التواصل معهم في ليبيا، إنه "قيل لهم ألا يتوقّعوا قتالاً عنيفاً".
في البداية، تحقّقت توقّعات المرتزقة بانتشارهم في ليبيا. في العاصمة الليبية والمناطق المجاورة، استرخى الرجال في فيلات فخمة. أخبروا أصدقاءهم في سوريا أن الوضع جيد، وشجّعوهم على الالتحاق بهم. بعد ذلك، بدأ القتال العنيف بين حكومة "الوفاق الوطني" و"الجيش الوطني الليبي". فقدت بعض الفصائل، مثل "السلطان مراد"، مئات الرجال على مدار أسابيع قليلة. وقال أحد المتشدّدين في "السلطان مراد" في عين زارة: "قال الأتراك إنهم سيكونون معنا. لكنّهم ليسوا معنا. نحن نموت وحدنا. جثث رجالنا تتعفّن في الشوارع".
في حزيران (يونيو)، استولت قوات حكومة "الوفاق الوطني"، بدعم من مقاتلي "الجيش الوطني السوري"، على مدينة ترهونة من "الجيش الوطني الليبي". قامت حكومة "الوفاق الوطني" بهجوم على مدينة سرت الاستراتيجية مباشرة بعد ذلك، وصدّتها قوات "الجيش الوطني الليبي". منذ ذلك الحين، توقّف القتال في ليبيا في الغالب. لم يكن لدى المقاتلين السوريين في ليبيا الكثير ليفعلوه. مُنِح أولئك الذين كانوا في البلاد منذ أشهر عدة، حرية مغادرة قواعدهم بزيّ مدني من دون مرافقة ليبيين، وهو ترف حُرم منه جنود حكومة "الوفاق الوطني" في السابق.
سنفعل أي شيء في مقابل المال
على الرغم من افتقارها الواضح إلى الهدف، تُواصل تركيا إرسال قوات "الجيش الوطني السوري" إلى ليبيا. قال أحد مقاتلي "فيلق المجد" المقيم في مصراتة منذ أشهر عدة: "يجب أن أعود إلى سوريا قريباً. سأُجهّز نفسي بسرعة، وبعد ذلك سأذهب إلى أذربيجان. لقد أرسلوا للتو 450 شخصاً إلى مصراتة من سوريا ليحلّوا محل أولئك الذين كانوا هنا لفترة طويلة. سيتوجّه معظمنا إلى أذربيجان".
وكما كان يفتقر مقاتلو "الجيش الوطني السوري" للمعلومات عن القتال في ليبيا قبل موافقتهم على الذهاب إلى هناك، فإن جهلهم حول أذربيجان أكبر بكثير. فصائل "الجيش الوطني السوري"، هي فصائل سنّية حصراً، وتلتزم بتفسير متطرّف للإسلام. أذربيجان دولة ذات غالبية شيعية، ولم يكن يعرفها سوى القليل من المقاتلين السوريين في البداية.
وقال أحد مقاتلي "الجيش الوطني السوري" في تسجيل انتشر داخل فصائل عدة: "لا يمكننا القتال إلى جانب الشيعة. أتفهم إذا كنت تريد الذهاب إلى أذربيجان، وهذه ليست مشكلة. أعلم أن الوضع المادي هناك صعب، لكن الشيعة هم أعداؤنا أكثر من المسيحيين الذين نعتبرهم كاليهود".
كان بعض مقاتلي "الجيش الوطني السوري" أقل تعارضاً بشأن دعم ما يعتبرونه قوة معادية. وقال رجل من "فيلق المجد" في مصراتة: "سنُقاتل الكل. أقسم أننا سنسرق القماش من الكعبة (أقدس موقع في الإسلام). ربما لهذا السبب، يُريدون إرسال أولئك الذين كانوا في ليبيا لفترة طويلة. إنهم يعرفون أننا سنفعل أي شيء في مقابل المال".
من غير الواضح ما إذا كانت التقارير عن الظروف الجهنمية، التي تردهم من رفاقهم في "الجيش الوطني السوري" في أذربيجان، ستُثني المزيد منهم عن الموافقة على الانضمام إلى القتال هناك. وقال أحد الجنود: "هناك أموات كُثر، تمزّقوا إلى أشلاء. هناك 35 شخصاً لا نعرف عنهم أي شيء. لم يكن معنا أذري أو تركي واحد عندما كنا نُقاتل. يُريد الكثير منا العودة إلى سوريا، لكنهم سحبوا أسلحتهم علينا، وأجبرونا على البقاء ومواصلة القتال".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الولايات المتحدة
5/23/2026 3:55:00 AM
تعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث المجاري المائية أو المحيط الواقع على مسافة كيلومترات.
منبر
5/23/2026 10:14:00 AM
هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .
ايران
5/24/2026 6:24:00 AM
هل ستتخلّى إيران عن تخصيب اليورانيوم بحسب الاتفاق؟
لبنان
5/24/2026 12:59:00 PM
صحيفة "نيويورك تايمز": الاتفاق المرتقب سيشمل "إنهاء المواجهات على جميع الجبهات"
نبض