23-10-2020 | 11:48

الانسحاب ليس "سياسة سليمة"... لماذا لا يزال الشرق الأوسط مهماً لأميركا؟

الانسحاب ليس "سياسة سليمة"... لماذا لا يزال الشرق الأوسط مهماً لأميركا؟
Smaller Bigger
دافع الخبير في سياسة الولايات المتحدة والشرق الأوسط ستيفن كوك عن بقاء القوات الأميركية في الشرق الأوسط، موضحاً أن الانسحاب الأميركي من المنطقة يُمكن أن يُزعزع استقرارها ويشيع الفوضى ويزيد من إراقة الدماء.

وقال كوك، في تحليل مطوّل في صحيفة "فورين افيرز"، إن سجل الفشل الأميركي في الشرق الأوسط على مدى العقدين الماضيين كان طويلاً ومثيراً للفزع. وتمثَّلت الكارثة الأكثر وضوحاً في غزو العراق في العام 2003. لكن المشكلة بدأت قبل مدة طويلة من هذا الفشل الذريع. وكان انتصار أميركا في الحرب الباردة و"الموجة الثالثة" من التحوُّل الديموقراطي في العالم، والثروة التي ولَّدتها العولمة بمثابة تطوّرات إيجابية، لكنها أنتجت أيضاً مزيجاً ساماً من الغطرسة الأميركية والإفراط في الطموح.
 
ووسط التوقّعات بأن الولايات المتحدة يُمكن أن تستخدم قوتها بطرق بنَّاءة في مساعدة مجتمعات الشرق الأوسط، قادت الولايات المتحدة مساعي "غير مثمرة" لتغيير المجتمعات العربية وحلّ الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، والقضاء على الحركات "الجهادية"، وإنهاء تطوير إيران التكنولوجيا النووية، والدليل على ذلك أن خمس دول عربية تُعاني الآن من مراحل انهيار مختلفة تدعم الشعور العام داخل واشنطن بأن نهج الولايات المتحدة يتطلّب إصلاحاً جذرياً.
 
وتوصّلت نخب السياسة الخارجية الأميركية إلى توافقٍ جديدٍ مفاده أنه آن لواشنطن أن تُقرّ بأنه لم يعد لها مصالح حيوية في المنطقة، وعليها تقليص طموحاتها وربما إنهاء حقبة "الحروب الأبدية" بالانسحاب من الشرق الأوسط تماماً.
 
تقويض نفوذ واشنطن
 
وبعد عقدين من التدخّل الأميركي في الشرق الأوسط، قد تبدو مثل هذه الحجج "مُقنعة"، لكن مغادرة الشرق الأوسط ليست "سياسة سليمة"، إذ لا تزال لدى واشنطن مصالح مُهمّة تستحق الحماية، حتى وإن قلَّلت التغيرات السياسية والتكنولوجية والاجتماعية من أهميتها. وبدلاً من استخدام القوة الأميركية لإعادة تشكيل المنطقة، ينبغي على صانعي السياسة تبنّي هدف أكثر واقعية وقابل للتحقيق يتمثّل في إرساء الاستقرار والحفاظ عليه.
 
واعتبر كوك أن كل الكلام الفضفاض حول الانسحاب الأميركي في السنوات الأخيرة قوَّض نفوذ واشنطن. وبسبب التصوّر السائد بين قادة الشرق الأوسط بأن أميركا تنوي التخلي عن دورها القيادي، برزت الصين وروسيا كوسيطين بديلين للسلطة. الأمر الذي اعتبره كوك "تطوراً سلبياً ليس لواشنطن فحسب ولكن لشعوب المنطقة أيضاً". ولمنع السيناريو الأسوأ، الذي تتولّى فيه الجهات الإقليمية الفاعلة إشاعة المزيد من عدم الاستقرار والفوضى وإراقة الدماء، تحتاج واشنطن إلى تحديد مصالحها الحقيقية في الشرق الأوسط ووضع استراتيجية لتعزيزها.
 
وسأل كوك: "إذا لم يعد الحفاظ على تدفّق النفط، وحماية إسرائيل، ومكافحة الإرهاب، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، يجعل من الشرق الأوسط أولوية للسياسة الخارجية الأميركية أو يُبرّر الوجود العسكري الأميركي الكبير هناك، فما المبرر إذن؟"، ويُجيب: "عندما تُدار الأمور جيداً، يُوفّر الوجود الأميركي درجة كبيرة من الإستقرار في جزءٍ من العالم مزّقه العنف، وانهارت دوله، وتجدّدت الديكتاتورية في بعض بلدانه. ولكن الأكيد أن الشرق الأوسط ما بعد أميركا، سوف يكون أسوأ من ذلك".
 
وشرح أن السياسة الواقعية لأميركا في الشرق الأوسط يجب أن تقوم على احتواء إيران، والاستعداد مجدداً للحرب ضدّ الإرهاب، وإعادة تنظيم الانتشار العسكري للتأكيد على حماية الممرّات البحرية وتقليص حجم العلاقة الأميركية - الإسرائيلية لتعكس قوة إسرائيل النسبية. وينطوي هذا النهج على التخلّي عن الطموحات العظيمة للأميركيين: كنشر الديموقراطية والإطاحة بالحكم الديني الإيراني، وحلّ الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. لكنه سيؤدي إلى تجنّب الكوارث التي ستنجم عن تخلّي واشنطن عن دورها في الشرق الأوسط.

احتواء إيران
 
ورأى كوك أن الولايات المتحدة لم تتمكّن من إجبار ايران على التخلّي عن سعيها للحصول على الأسلحة النووية، أو وقف دعمها للجماعات الإرهابية، أو وضع حد لقمعها الوحشي لمواطنيها. وفي هذه المرحلة، ينبغي على واشنطن الاستغناء عن تلك الأهداف. وبدلاً من ذلك، ينبغي أن تتبع سياسة أكثر كفاءة وأقلّ خطورة: وهي سياسة الاحتواء.
 
ووفقاً لكوك، هذا يعني أن يُستبعد تغيير النظام من الطاولة، والحد من تدخلات السلطة الإيرانية في المنطقة من خلال وضع قواعد ضمنية حول السلوك الإيراني المقبول. بيد أن الاحتواء ليس مجرد تمرين على الديبلوماسية الصلبة، بل يتطلّب وجود قوات عسكرية والتهديد باستخدامها بشكل موثوق. كما أن الاحتواء لا يعني السماح للإيرانيين بتطوير أسلحة نووية. ولن تمنع هذه الاستراتيجية الحوار أو العقوبات أو استخدام القوة لمنع هذه النتيجة. ولن يكون الاحتواء أمراً رائعاً، لكنه يَعِد بشيء يُمكن تحقيقه على الأقل وهو الحد من التوتر في الخليج العربي.
 
 
 
الإرهاب
 
شرح كوك أن إيران ليست المصدر الوحيد للتوتر في المنطقة، فعلى الرغم من تراجع قوتها وتأثيرها، لا تزال الجماعات "الجهادية" مثل تنظيمي "القاعدة" و"داعش" تشكل تهديداً خطيراً. وما تحتاجه واشنطن ليس "حرباً على الإرهاب" مبنية على رؤى تغيير النظام وتعزيز الديموقراطية و"كسب القلوب والعقول"، بل هو نهج واقعي يُركّز على جمع المعلومات الاستخباراتية، والتعاون المُتعدّد الأطراف، والاستخدام الحكيم للعنف عند الحاجة. وتُقدّم الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب لعام 2018 خريطة طريق جيدة، حيث تستغني عن الأمل الزائف في أن تتمكّن واشنطن من إصلاح سياسات المنطقة، بينما تضع نهجاً لمكافحة الإرهاب يُقلِّص المشكلة إلى مستوى يُمكن التحكم فيه.
 
 
إسرائيل
 
وربما يكون التغيير الأكبر في نهج واشنطن تجاه المنطقة هو علاقاتها بإسرائيل. على أميركا التخلّي عن دورها كـ "راعية" لإسرائيل. وليس السبب في ذلك هو أن واشنطن يجب أن تعاقب "إسرائيل" على سلوكها في قطاع غزة والضفة الغربية، الأمر الذي جعل حل الدولتين مستحيلاً، بل هو انعكاس لنجاح السياسة الأميركية التي سعت إلى ضمان أمن وسيادة إسرائيل.
 
وقال كوك: "لا شك في أن القادة الأميركيين يرغبون في إقامة علاقات جيدة مع إسرائيل القوية والآمنة، لكن أميركا لم تعد بحاجة إلى تزويد إسرائيل بالمساعدة. ويجب على البلدين الاتفاق على إلغاء المساعدة العسكرية الأميركية على مدار العقد المقبل".
 
وبسبب التحوّلات الديموغرافية والسياسية في أميركا، من المُرجّح أن تتوقّف هذه المساعدات في المستقبل غير البعيد. وحتى من دون المساعدة العسكرية، ستبقى الشراكة الأميركية - الإسرائيلية قوية. وسيستفيد كلا البلدين من التعاون المُستمرّ في قطاعات الدفاع والأمن والتكنولوجيا.
 
نفط الشرق الأوسط 
 
حتى في عصر النفط الأحفوري، سيظلّ نفط الشرق الأوسط مهماً لأميركا. وتتطلّب حماية الممرات البحرية التي ينتقل عبرها النفط وجوداً عسكرياً أقلّ بكثير من الوجود الحالي، إذ تكفي مجموعة صغيرة من سفن البحرية الأميركية، ومجموعة طائرات مُقاتلة متمركزة في قواعد جوية في المنطقة أو على متن حاملة طائرات. إن إعادة تنظيم موارد الولايات المتحدة بهذه الطريقة يُقلّل المخاطر المتمثلة في إغراء صانعي السياسة الأميركيين في المستقبل لمتابعة مشاريع لا علاقة لها بحريّة الملاحة.
 
 
السعودية
 
انسحاب أميركا من العراق، وتمهيدها الطريق أمام إيران لتصبح القوة المهيمنة في السياسة العراقية، وسماحها لنظام الأسد في سوريا بسحق انتفاضة واسعة النطاق بمساعدة رعاته في طهران وموسكو والتفاوض على اتفاق نووي مع إيران. هذه العوامل غذّت مخاوف السعوديين من أن يُترَكوا تحت رحمة النظام الإيراني ومساعيه للهيمنة الإقليمية. وإذا شعرت الرياض بأن واشنطن قد تخلَّت عنها، فقد تتّخذ إجراءات لم تكن في الحسبان لحماية نفسها، بما في ذلك تطوير أسلحتها النووية.

شرق المتوسط
 
المنطقة الأخيرة التي قد تتحوّل فيها الأمور إلى الأسوأ ، في حال انسحاب أميركا من الشرق الأوسط، هي شرق البحر المتوسط، حيث  أدت التوترات حول وضع قبرص والحدود البحرية والوصول إلى الغاز الطبيعي إلى تفاقم العداء بين العديد من البلدان. وتُهدّد هذه النزاعات المُعقّدة والمُتداخلة بتفاقم الوضع الكئيب بالفعل في ليبيا المُجاورة، حيث لا تزال الحرب الأهلية مُستعرة واستقطَبت عدداً من البلدان، بما فيها مصر وتركيا، اللتان أوشكتا على الصدام مؤخراً. وابتعاد أميركا عن هذه الصراعات من شأنه أن يزيد من فرص خروج الأمور عن السيطرة.
 
إذا تمكّنت الولايات المتحدة ببساطة من إنهاء "حروبها الأبدية"، والإنسحاب من الشرق الأوسط، فإنها ستكون محظوظة للغاية. لكن القيام بذلك "لن يكون وسيلة لإدارة السياسة الخارجية وستكون تكاليفه باهظة على نحو أكبر من فوائده"، بحسب كوك.
 
وختم قائلاً إن واشنطن "تعثّرت في الشرق الأوسط لأنها فقدت الرؤية السديدة للأمور المهمة في المنطقة، مضيفاً أن كل شيء في أول عقدين من هذا القرن مبرَّراً تقريباً من أجل المصالح الأميركية، لكن الآن يجب أن تكون الأهداف واضحة ويجب تطويع الموارد الوطنية لحمايتها، لأن إعلان الهزيمة والعودة إلى الوطن لن يحل شيئاً".

الأكثر قراءة

تعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث المجاري المائية أو المحيط الواقع على مسافة كيلومترات.
منبر 5/23/2026 10:14:00 AM

هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .

لبنان 5/24/2026 12:59:00 PM
صحيفة "نيويورك تايمز": الاتفاق المرتقب سيشمل "إنهاء المواجهات على جميع الجبهات"