15-09-2023 | 10:31

الليبيون يُنحّون انقساماتهم جانباً... درنة تبحث عن مفقوديها

تخطى ليبيون من كل أرجاء بلادهم المنقسمة خطوط مواجهة سابقة ونحَّوا الخصومة المريرة جانبا لإيصال المساعدات إلى مدينة درنة المنكوبة التي ضربتها السيول والفيضانات.
الليبيون يُنحّون انقساماتهم جانباً... درنة تبحث عن مفقوديها
Smaller Bigger
تخطّى ليبيون من كل أرجاء بلادهم المنقسمة خطوط مواجهة سابقة ونحَّوا الخصومة المريرة جانبا لإيصال المساعدات إلى مدينة درنة المنكوبة التي ضربتها السيول والفيضانات، إذ يواصل المسعفون والمتطوّعون الجمعة العمل بحثاً عن آلاف المفقودين.

وأطلق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة نداء لجمع أموال تزيد عن 71 مليون دولار لتأمين مساعدة فورية إلى حوالى 250 ألف شخص هم الأكثر تضرّراً جراء الفيضانات التي نتجت عن العاصفة "دانيال"، محذّراً من وضع "كارثي".
 
في جنيف، أعلن مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارتن غريفيث الجمعة أن حجم الكارثة في ليبيا لا زال مجهولاً.

وقال في مؤتمر صحافي: "أعتقد أن المشكلة بالنسبة إلينا هي في تنسيق جهودنا مع الحكومة ومع السلطات الأخرى في شرق البلاد، ثم تحديد حجم" الكارثة، مضيفا: "لم نتوصل الى ذلك بعد.  لا نعرف ذلك". كما أن "مستوى الحاجات وعدد القتلى لا يزال مجهولا".
 
وأضاف أن الفيضانات في ليبيا التي أودت بحياة آلاف الأشخاص في أسوأ كارثة طبيعية تحل بها في التاريخ الحديث، كانت بسبب تصادم "المناخ بالإمكانيات".

وأوضحت الهيئة أنه بعد تدمير الكثير من الطرقات "تحض بلدية (درنة) السلطات على إقامة ممر بحري للمساعدة العاجلة وعمليات الإجلاء"، مقدرة عدد المتضررين مباشرة من الكارثة بحوالى 884 ألف شخص.
 
وتخشى السلطات أن تكون الحصيلة البشرية فادحة وسط خسائر هائلة في المدينة التي كانت تعد مئة ألف نسمة قبل الكارثة.

وأفاد وزراء في حكومة شرق ليبيا عن أعداد متضاربة لكنها تتخطى جميعها 2600 قتيل فيما يعد المفقودون بالآلاف.
 
 
من جانبه، لفت المسؤول عن عمليات المساعدة لليبيا في الصليب الأحمر تامر رمضان إلى أنّه "لا يزال هناك أمل بالعثور على أحياء" بعد الفيضانات الكارثية.

وامتنع تامر من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال خلال مؤتمر صحافي عن إعطاء حصيلة بعدد القتلى مؤكّداً أنّها "لن تكون نهائية أو دقيقة".
 
وقال مدير الطب الشرعي لمنطقة أفريقيا باللجنة الدولية للصليب الأحمر بلال سبلوح في مؤتمر صحافي في جنيف "الجثث متناثرة في الشوارع، أو تعيدها الأمواج إلى الشاطئ، أو مدفونة تحت المباني المنهارة والأنقاض. في غضون ساعتين فقط أحصى أحد زملائي أكثر من 200 جثة على الشاطئ بالقرب من درنة‭‭"‬‬.

وأضاف أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أرسلت شحنة جوية إلى بنغازي اليوم الجمعة تضم خمسة آلاف كيس للجثث. 

وحذّر من أن الذخائر غير المنفجرة، المنتشرة في بعض أنحاء ليبيا، تشكّل خطراً على المشاركين في انتشال جثث الضحايا.
 
أمّا المنظّمة الدولية للهجرة في ليبيا، فكشفت عبر منصّة "إكس" عن أن أكثر من 38640 شخصاً نزحوا في المناطق الأكثر نكبة في شمال شرق ليبيا بسبب العاصفة "دانيال".

وقالت: "أكثر من 5000 شخص في عداد القتلى، وسُجّل إجمالي 3922 وفاة في المستشفيات، وفقاً لمصادر منظّمة الصحّة العالمية".
 
في السياق، دعت منظّمة الصحّة العالمية ومنظّمات إغاثة السلطات في ليبيا إلى التوقّف عن دفن ضحايا الفيضانات في مقابر جماعية بعد أن أظهر تقرير للأمم المتحدة أن أكثر من ألف شخص دفنوا بهذه الطريقة حتى الآن منذ وقوع الكارثة.

وقال المسؤول الطبي عن السلامة البيولوجية والأمن البيولوجي في برنامج الطوارئ الصحية التابع لمنظمة الصحّة كازونوبو كوغيما في بيان مشترك مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر "نحث السلطات في المناطق المنكوبة بالمأساة على عدم التسرّع في عمليات الدفن الجماعي أو حرق الجثث بشكل جماعي".

ودعا البيان إلى تحسين إدارة عمليات الدفن لتكون في مقابر فردية محدّدة وموثّقة بشكل جيّد، معتبراً أن عمليات الدفن المتسرّعة يمكن أن تؤدي إلى مشكلات نفسية طويلة الأمد لذوي الضحايا بالإضافة إلى مشاكل اجتماعية وقانونية.

وذكر تقرير للأمم المتحدة نشر أمس الخميس أن أكثر من ألف جثة في درنة وما يزيد عن 100 جثة في البيضاء دفنت في مقابر جماعية بعد الفيضانات التي وقعت في 11 أيلول (سبتمبر).
 
 
يوميات الكارثة..
روى مصوّر في وكالة "فرانس برس" في الموقع أن وسط مدينة درنة بات أشبه بأرض مسطّحة بعدما اقتلعت المياه الأشجار وجرفت المباني والجسور.
 
داخل درنة، حيث تدفقت كمية ضخمة من المياه جرفت في طريقها أحياء بأكملها مساء الأحد بعد انهيار سدين تحت وطأة منسوب مياه السيول الناجمة عن عاصفة، يوزع متطوعون من مصراته وطرابلس وبنغازي الملابس وعلب الطعام منذ أمس الأربعاء.

وقتلت الكارثة الآلاف ولا يزال آلاف آخرون في عداد المفقودين، لكن هناك تباينا كبيرا في تقديرات الأعداد، كما فقد عدد كبير من سكان المدينة منازلهم ومتعلقاتهم.

وقال إلياس الخبولي وهو متطوع من الزاوية في غرب البلاد عضو في جماعة بالتريس الناشطة: "قلنا لأنفسنا سيكون هناك بكل تأكيد نقص في الأيدي العاملة من أجل التحميل والتفريغ والقيادة أو أي أمور أخرى".

واستأجرت الجماعة حافلات وسيارات فان لنقل أكثر من مئة متطوع من مناطق في غرب ليبيا إلى مدينة درنة في الشرق في وقت مبكر من صباح يوم الاثنين في رحلة استغرقت 15 ساعة وبدأت حتى قبل اتضاح حجم المأساة بالكامل.
 

ومزق الصراع الدائر في البلاد منذ 2011 الكثير من المجتمعات في ليبيا ووضع مدنا في مواجهة بعضها البعض وقسم البلاد بعد 2014 لمناطق خاضعة لسيطرة حكومتين متناحرتين في الشرق والغرب.

ورغم أن التوصل لوقف لإطلاق النار في 2020 أنهى أغلب المعارك الكبرى وسمح بإعادة فتح الطرق واستئناف الرحلات بين المنطقتين المتناحرتين، لا تزال جماعات مسلحة متصارعة تسيطر على بعض المناطق ولا توجد سلطة موحدة تفرض سيطرتها على البلاد بأكملها.

لكن الإدارتين المتناحرتين نسقتا من قبل في بعض الملفات. كما زار وزراء من الحكومة التي تتخذ طرابلس مقرا لها في الغرب مدينة بنغازي في الشرق الخميس.

وقال تيم إيتون من "تشاتام هاوس": "هناك إلى حد ما استعداد أكبر للتعاون أكثر مما رأيت في أي وقت مضى خلال العقد المنصرم".

وجاءت بعض المساعدات من الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس، والتي لا تعترف بها فصائل الشرق وتتحالف مع جماعات مسلحة قاتلت ضد خليفة حفتر قائد قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي).
 
 
"جرفتهم المياه" 
ويشير السكّان إلى أن مئات الجثث لا تزال مطمورة تحت أطنان الوحول والأنقاض المتراكمة.

وروى عبد العزيز بوسمية (29 عاماً) المقيم في حي شيحا الذي نجا من الفيضانات، متحدّثاً لوكالة "فرانس برس": "كانت المياه تحمل وحولاً وأشجاراً وحطاماً من الحديد، وعبرت كيلومترات قبل أن تجتاح وسط المدينة وتجرف أو تطمر كل ما كان على طريقها".

وأضاف بتأثّر "فقدت أصدقاء وأقرباء، منهم من طمروا تحت الوحل، ومنهم من جرفتهم المياه إلى البحر"، مقدّراً أعداد القتلى بـ10% من سكّان المدينة.

ورأى أن السلطات الليبية لم تتخذ التدابير الضرورية لتدارك الكارثة بل اكتفت بإصدار تعليمات إلى السكّان بلزوم منازلهم تحسّباً للعاصفة "دانيال" التي ضربت تركيا وبلغاريا واليونان قبل أن تصل الأحد إلى ليبيا.

وتكشف أعداد أكياس الجثث التي وزعت في المدينة عن حجم المأساة، وأفادت اللجنة الدولية للصليب الأحمر وحدها عن تأمين ستة آلاف منها.
 
 
"بلا طعام ولا مأوى" 
وأعلن منسّق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارتن غريفيث الأربعاء تخصيص عشرة ملايين دولار من صندوق طوارئ لضحايا الفيضانات، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة نشرت على الأرض "فريقاً كبيراً لدعم الاستجابة الدولية وتمويلها".

من جانبه، أعلن برنامج الأغذية العالمي أنه باشر تقديم مساعدة غذائية لأكثر من خمسة آلاف عائلة نزحت بسبب الفيضانات، موضحاً أن آلاف العائلات في درنة "بلا طعام ولا مأوى".

ووعدت الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والكثير من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بإرسال مساعدات وباشرت فرق إسعاف أجنبية العمل بحثاً عن أي ناجين محتملين.

ورأى الأمين العام للمنظمة الدولية للأرصاد الجوية بيتيري تالاس الخميس أنه لو تمّ التنسيق بشكل أفضل "لكان بالإمكان إصدار إنذارات ولكانت هيئات إدارة الحالات الطارئة تمكّنت من إجلاء السكّان، ولكنّا تفادينا معظم الخسائر البشرية".

وأضاف للصحافيين في جنيف أنّ سنوات من النزاع في ليبيا "دمّرت إلى حدّ كبير شبكة الأرصاد الجوية ... والأنظمة المعلوماتية".

شقاق قائم
لكن الشكوك ما زالت قائمة. وليس هناك أي مؤشرات على أن سحابات الحزن التي تخيم على أرجاء البلاد والشعور المشترك بفداحة المأساة سيترتب عليه تخفيف حدة الأزمة السياسية الخانقة القائمة في ليبيا منذ أكثر من عام، والتي جعلت إجراء انتخابات عامة مهمة مستحيلة.
 
 
وقال مصدر في مجال الإغاثة إن السلطات في الشرق منعت تدفق مساعدات أجنبية لدرنة عبر الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس التي ترفض إدارة الشرق مشروعيتها.

ونفى مصدر في إدارة شرق البلاد ذلك وقال إنها لم ترفض توجيه المساعدات عبر طرابلس.

ويحذر محللون من أن الزعامات السياسية ربما تسعى لاستغلال الشعور العام بالوحدة في البلاد بسبب الكارثة وتتخذ مواقع تمكنها من الاستفادة من أي أموال للتنمية على المدى الطويل. وتركز الصراع في ليبيا عادة على السيطرة والوصول للموارد المالية للدولة.

وقال إيتون: "عندما يبدأ الحديث عن كل الأمور المتعلقة بإعادة الإعمار والدعم المالي فهذا سيوسع كل الصدوع القائمة في ليبيا".

لكن الصفوف الطويلة من الشاحنات التي تنتظر للدخول إلى درنة الخميس تظهر أن التبرعات تصل من كل أنحاء البلاد فيما وصفه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأنه "موجة من الدعم على مستوى البلاد... اجتاحت أنحاء ليبيا".

والجهة التي تدير عمليات الإغاثة في درنة هي قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي) التي تسيطر على شرق البلاد وتخوض صراعا مفتوحا مع السلطات والجماعات في غرب البلاد منذ سنوات.
 
وتظهر الصور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي التي لم تتمكن رويترز من التعرف عليها على الفور، مركبات في طرابلس فيما يبدو من اللواء 444 الذي كان قائده جزءا من التحالف الذي يقاتل حفتر وهي تصل بمساعدات إلى شرق ليبيا في وقت متأخر من مساء الأربعاء.
 


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 12/11/2025 6:15:00 AM
قذائف المزّة والعمليتان اللتان لم يفصل بينهما شهر تحمل رسائل تحذيرية إلى الشرع وحكومته، والرسالة الأبرز مفادها أن القصر الرئاسي تحت مرمى الصواريخ.
المشرق-العربي 12/11/2025 2:25:00 AM
إنّها المرة الأولى التي تتهم المنظمة "حماس" وفصائل أخرى بارتكاب جرائم ضد الانسانية.
المشرق-العربي 12/11/2025 2:10:00 PM
شدد على ضرورة منح المحافظة حكماً ذاتياً داخلياً أو نوعاً من الإدارة الذاتية ضمن سوريا كوسيلة لحماية الأقليات وحقوقها.
اقتصاد وأعمال 12/11/2025 10:44:00 AM
تكمن أهمية هذا المشروع في أنه يحاول الموازنة بين 3 عوامل متناقضة: حاجات المودعين لاستعادة ودائعهم بالدولار الحقيقي، قدرة الدولة والمصارف على التمويل، وضبط الفجوة المالية الهائلة التي تستنزف الاقتصاد