في 31 تشرين الأول (اكتوبر) 2019، بويع أبو إبراهيم الهاشمي القرشي، خليفة لتنظيم "داعش" بعد مقتل الزعيم الأول للتنظيم أبي بكر البغدادي في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2019. إلا أن هذا الاسم لم يعن شيئاً لكثيرين من الخبراء بشؤون الجماعات الإرهابية، حتى أن بعضهم شكّك بإمكانية أن يكون الخليفة الجديد "شخصية وهمية"، كما وصفه مسؤول أميركي رفيع المستوى بأنه "مجهول تماماً".
ووفقاً للمعلومات التي بدأت تتكشّف حول هوية الخليفة الجديد، يظهر من سيرته الذاتية، التي كانت واردة في وثيقة من 100 صفحة صدرت عن جماعة معارضة داخل التنظيم عام 2018، أن "هذا الجهادي العراقي" طمح للتحوّل من شاب يربّي الحمام إلى أحد أكثر قادة داعش تأثيراً. وكانت هذه المعلومات تهدف الى "إثبات مؤهلاته الدينية والقبلية" في حال وفاة البغدادي.
ويبدو من المعلومات التي بدأت بالخروج إلى العلن، أن القرشي لم يكن "سوى واشٍ" عندما كان قاضياً في تنظيم "القاعدة". فعندما اعتقلته القوات الأميركية عام 2008، وتم ّالتحقيق معه في سجن بوكا في مدينة أم قصر في محافظة البصرة، قدّم القرشي معلومات عن هيكلية "داعش" في الموصل، بالإضافة إلى 19 صورة فوتوغرافية لقيادات التنظيم البارزة التي تقف وراء عمليات الاغتيال والخطف وإنتاج العبوات الناسفة التي استهدفت قوات "التحالف الدولي" في العراق. كما قدّم تفاصيل عن "جميع المناصب الأميرية الرئيسية" في تنظيم "داعش" الحديث النشأة، وفقاً لوثائق استخباراتية نشرها "مركز مواجهة الإرهاب"، التابع للأكاديمية العسكرية الأميركية "ويست بوينت".
ونقلت صحيفة "التلغراف" البريطانية عن كريغ وايتسايد، أستاذ الشؤون الأمنية في كلية الحرب البحرية الأميركية، قوله إن المولى "لم يتمتع بالكثير من النزاهة ووشى بكل زملائه".
وقالت المحللة النفسية في شؤون المنظمات جينا ليجون إن الوثائق تُظهر "الكثير من اللغة الانتقامية"، وإن المولى كان حقوداً، وربما "نظر للناس على أنهم مستخدمون يمكن التخلّي عنهم، وليسوا إلا براغيَ في عجلة عظيمة".

فمن هو القرشي؟ وما هو أصل نسبه؟
في الوثيقة التي صدرت عن المعارضين ضمن "داعش"، فإن زعيم التنظيم الحالي اسمه الحقيقي محمد سعيد عبد الرحمن المولى، وهو مكنّى بـ"أبي إبراهيم القرشي" و"حجي عبدالله". وعلى عكس ما نقلته صحيفة "الغارديان" البريطانية عن مسؤولين في جهازين استخباريين - لم تسمهما - أن "المولى ينحدر من الأقلية التركمانية في العراق، ما يجعله واحداً من القادة غير العرب القلائل في التنظيم"، فإن وثيقة "داعش" المسرّبة تؤكد أن المولى "لا يتحدّر من أسرة ذات أصول تركية، بل إنه نشأ في أسرة متدينة، وأن والده تنبأ له بأنه سيُصبح زعيماً للمجتمع المسلم يوماً ما، مثل البغدادي. واستند والد القرشي في تنبّوئه إلى أنه أثناء قراءته (الوالد) في نسخة من القرآن تابعة للأنباري (زعيم "داعش" السابق) سقطت ورقة من إحدى الأشجار كُتب عليها كلمة الله، فأخبره ابنه (القرشي) أن مستقبله سيكون مشرقاً".
ورأى الباحث حسن حسن، في مقالة له في "مركز السياسيات العالمية"، أن وثيقة "داعش" تنطوي على "أهمية متجددة، إذ إنها تحمل تساؤلاً مركزياً حول الأصول العرقية لعائلة القرشي. فإذا كان القرشي من أصول تركية، فإنه بذلك يدّعي باطلاً أنه ينتمي إلى قبيلة قريش، وبالتالي فإن ادعاءاته بأنه خليفة غير شرعية". لكن "داعش" يُصرّ على أن القرشي ينتمي إلى قبيلة "النبي محمد"، وأنه واحد من الذين يحقّ لهم أن يدّعوا أنه الزعيم الشرعي للمجتمع الإسلامي، وفقاً للتفسيرات المتشدّدة التي تطال التقاليد الإسلامية.
التساؤل حول الأصول الحقيقية للقرشي، دفع الأمم المتحدة إلى الاستنتاج في تقرير أن "حاجي عبد الله" كان مجرد نائب للخليفة، إلى أن يجد "داعش" شخصاً عربياً يتمتع بالمؤهلات القبلية والدينية الملائمة لتولّي منصب الخليفة. من ناحية أخرى، يُصرّ كل من "داعش" و"القيبلة" التي ينتمي إليها القرشي، على أن القبيلة "عربية"، حتى لو تمّ توصيفها على أنها "تركية" بعدما اختلط أفرادها مع التركمان في شمال العراق لقرون واندمجوا معهم من حيث اللغة والتقاليد.
وبعد اعتقال القرشي، في 20 أيار (مايو) 2020، كشفت مصادر في العراق عن تفاصيل السيرة الذاتية للقرشي كانت "مجهولة" حتى الآن، والتي ينبغي أن تضع حداً للتكهنات في الأوساط الإعلامية والسياسية حول أصوله القبلية، ولكنها تسلط الضوء أيضاً على جوهر قيادة هذا التنظيم الغامض ووجهات نظره العالمية.
ونقل حسن عن مصادر مطلعة على النقاشات حول أصول القرشي قولهم إن "أبا إبراهيم القرشي هو أمير محمد سعيد عبد الرحمن المولى، ولد عام 1976 في قرية بالقرب من الموصل، تُهيمن عليها الأقلية العرقية التركمانية في العراق، والمعروفة باسم المهلبية. ولهذا السبب اقتنعت السلطات العراقية والأميركية بأن "داعش" كذب بشأن الأصول العرقية لزعيمه. وكان العراقيون والأميركيون يأملون باستغلال هذا الأمر، عندما تتفاقم الخلافات داخل التنظيم".
ووفقاً للمعلومات، فإن القرشي هو الزعيم الثاني بعد البغدادي الذي يتلقّى تدريباً دينياً رسمياً، فهو حاصل على درجة البكالوريوس في الدراسات الإسلامية من كلية الشريعة في جامعة الموصل. كان والده أيضاً إماماً في أحد مساجد الموصل. وبسبب اطلاعه الديني، أطلق القرشي على نفسه لقب "المعلم" أو "القائد". وفي السابق، انتمى إلى تنظيم "القاعدة" في العراق حيث عمل قاضياً قبل أن تعتقله القوات الأميركية عام 2008، ويُسجن في سجن بوكا جنوب العراق.
والمولى كانت له اليد الطولى في "حملة الاضطهاد" التي شنّها "داعش" ضد الأقلية الإيزيدية في العراق عام 2014.
من جهتها، رصدت الولايات المتحدة، في آب (أغسطس) 2019، مكافأة مالية تصل قيمتها إلى خمسة ملايين دولار في مقابل أي معلومة تقودها إلى المولى، الذي كان لا يزال حينها قيادياً في التنظيم الجهادي، لكنه مع ذلك كان "خليفة محتملاً لزعيم داعش (تنظيم الدولة) أبي بكر البغدادي".
وحسب موقع "المكافآت من أجل العدالة" التابع للحكومة الأميركية، فإن المولى كان "باحثاً دينياً في تنظيم القاعدة في العراق، وارتفع بثبات في الصفوف ليتولى دوراً قيادياً كبيراً في التنظيم".

تشكيك في اعترافاته
وتقول مصادر عراقية إنه عام 2009، أُطلق سراحه، بعدما نفى مبايعته لـ"القاعدة"، وبعد وشايته بزملائه في التنظيم، كما ورد في وثائق استجوابه من قبل القوات الأميركية أثناء وجوده في السجن. لكن مصادر عراقية، رفيعة المستوى، تُشكّك في ما وصفته بـ"المزاعم الضعيفة" حول القيادة الحالية للتنظيم، الأمر الذي من شأنه أن يُساعد المجموعة على المدى الطويل.
ويرى حسن أن هذا التشكيك في هذه "التفاصيل المضلّلة أمر مهم، إذ إن المصادر العراقية تُجادل بأن فضح المعلومات الكاذبة، والتي تهدف إلى السخرية من التنظيم، تُساعد التنظيم، وتُضيف الغموض على فهم أجهزة الاستخبارات لهيكلية التنظيم ونشاطه".
ونقل حسن عن المصادر العراقية تأكيدها أن "القرشي كان مساعداً موثوقاً للبغدادي، وأنه لم يكن من الممكن قتل البغدادي لو أن المولى قد أبلغ بالفعل عن زملائه في التنظيم". وتشرح المصادر أن تنظيمين كـ"القاعدة" و"داعش" طوّرا نظاماً لإحاطة قادتهما بأشخاص موثوق بهم مدربين على حجب المعلومات الهامّة عن التنظيم.
وتستشهد المصادر بما حصل مع عبد الناصر قرداش، وهو زعيم آخر لـ"داعش"، وأحد أقارب القرشي، وتشرح أن السلطات العراقية تأكدت من المعلومات حول قرداش بشكل مستقلّ من قبل مصدر جهادي في سوريا، والذي أكد أنه يعرف قرداش عندما كانا جزءاً من التحرّك ضد الولايات المتحدة منذ عام 2005. كما أبلغ المصدر الجهادي السلطات العراقية أن قرداش أبلغ واشنطن بكل تفاصيل قواعد "القاعدة" في العراق. ونتيجة لذلك، أمر زعيم "القاعدة" في العراق آنذاك الأردني أبو مصعب الزرقاوي، بعدم منح قرداش أي منصب قيادي أبداً عند خروجه من السجن لأنه كان واشياً.
ووفقاً لحسن، تقدّم المصادر الرسمية تصوّراً آخر للقائد الجديد لـ"داعش"، فـ"حاجي عبد الله" هو جزء من مجموعة محكمة داخل التنظيم من أتباع الأنباري، زعيم "داعش" السابق الذي حتى وفاته، كان رجل الدين الأطول خدمة والأعلى مرتبة داخل التنظيم، وارتبط بالثورة ضد صدام حسين في التسعينات وأوائل القرن الحادي والعشرين.
وأضافت المصادر أن هذا الفصيل، المعروف باسم "القرادش"، لعب دوراً رئيسياً وفائق الأهمية منذ نشأة "داعش". وقبل القرشي، كان الأنباري قريباً جداً من سيطرة هذا الفصيل على "داعش"، وكانت سيرته الذاتية محاولة استباقية لتبرير أوراق اعتماده. لكن الأنباري قُتل قبل البغدادي، إلا أن تلميذه القرشي "نجح".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الولايات المتحدة
5/23/2026 3:55:00 AM
تعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث المجاري المائية أو المحيط الواقع على مسافة كيلومترات.
منبر
5/23/2026 10:14:00 AM
هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .
ايران
5/24/2026 6:24:00 AM
هل ستتخلّى إيران عن تخصيب اليورانيوم بحسب الاتفاق؟
لبنان
5/24/2026 12:59:00 PM
صحيفة "نيويورك تايمز": الاتفاق المرتقب سيشمل "إنهاء المواجهات على جميع الجبهات"
نبض