شهر واحد فقط، يفصل بين إعلان الامارات والبحرين عن اتفاق السلام مع اسرائيل. ففي الـ15 من شهر ايلول (سبتمبر)، تنضمّ المنامة إلى حفل التطبيع الذي سيُعقد في البيت الأبيض، ليُصبح ثلاثياً، بمشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزيري الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، والبحريني عبد اللطيف الزياني.
وبذلك تكون الامارات والبحرين من أوائل الدول الخليجية التي ستربطهما علاقة سلام مع اسرائيل، كما ستحتلان المرتبة الثالثة والرابعة على التوالي في لائحة الدول العربية التي وقّعت معاهدات سلام مع اسرائيل، بعد مصر والأردن، وإن كان هذا الاتفاق مختلفاً في الأسباب والموجبات عن المعاهدتين السابقتين. وهذا ما أكده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي غرّد عبر "تويتر" قائلاً: "الاتفاقية مع أبو ظبي تختلف عن سابقاتها؛ لكونها تستند إلى مبدأين مفادهما السلام في مقابل السلام، والسلام من منطلق القوة"، كما اعتبر أن اتفاقية السلام مع البحرين "عهد جديد للسلام".
وفي مقارنة لـ"موجبات" المعاهدات الأربع، فإن معاهدتي السلام الإسرائيليتين مع مصر والأردن، فرضتهما الحرب. فكلتا الدولتين، كانتا في حالة حرب مع إسرائيل. أما في حالة الإمارات والبحرين، فكان الهدف المعلن عنهما "وقف عملية ضمّ الأراضي الفلسطينية" في إطار "صفقة القرن" التي أقرّتها الإدارة الأميركية الحالية، و"ضرورة التوصّل إلى سلام عادل وشامل، كخيار استراتيجي، وفقاً لحل الدولتين، وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة".
لكن البارز في المعاهدتين الموقّعتين مع مصر والأردن، أنهما كانتا "باردتين"، حيث لم تحظيا بأي "رضى شعبي"، ولم تفلح محاولات النظامين المصري والأردني بتوسيع نطاق العلاقات مع إسرائيل على الصعيد الشعبي.
فبعد أربعة عقود من معاهدة السلام مع مصر، اقتصرت العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، أساساً، على بعض صفقات الغاز الطبيعي الرفيعة المستوى والسياحة الإسرائيلية إلى مصر.
وبعد مرور 25 سنة على معاهدة "وادي عربة" التي أنهت، رسمياً، عقوداً من حالة الحرب بين الطرفين، لا تزال العلاقة بين عمّان وتل أبيب تُواجه تحديات متواصلة، يتمثّل آخرها في إعلان إسرائيل نيّتها ضمّ أراض في الضفة الغربية المحتلة.
"عملية البوابة" واتفاقية "كامب ديفيد"

كانت مصر أول دولة عربية وقّعت السلام مع إسرائيل في 26 آذار (مارس) 1979، بعد مفاوضات سرية بين مسؤولين مصريين وإسرائيليين، فيما عُرف بـ"عملية البوابة" وبرعاية ملك المغرب.
ونشر الأرشيف الإسرائيلي مجموعة وثائق عن المفاوضات التي أدت إلى توقيع اتفاقية السلام مع مصر، التي بدأت من رومانيا، التي زارها مناحيم بيغن في نهاية آب (أغسطس) 1977، حيث أعرب عن اهتمام بلاده بالسلام مع مصر وسوريا. وبعد موافقة السادات على عقد لقاء مباشر بين مسؤولين مصريين وإسرائيليين، استثمرت إسرائيل "علاقتها الطيبة" مع ملك المغرب الحسن الثاني، الذى كان قد دعا العرب إلى الاعتراف بإسرائيل.
وبدأت سلسلة من اللقاءات بين رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلية يتسحاق حوفي ونائب رئيس الحكومة المصرية حسن التهامي في المغرب. تلاه لقاء بين وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك موشيه ديان والتهامي، فى دار الضيافة الملكي الملاصق لقصر الملك، وحضر اللقاء الملك الحسن الثاني ورئيس الحكومة المغربية ووزير البلاط الملكي، وسفير إسرائيل في المغرب، واستمر اللقاء أربع ساعات. وبعد ذلك، كان لقاء في بوخارست برعاية الرئيس الروماني حينها، نيكولاي تشاوشيسكو، ضمّ نائب الرئيس المصري آنذاك حسني مبارك ووزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان. وبعدها بدأت الاستعدادات لزيارة السادات لإسرائيل والتي تستمر لمدة يومين، في إطار "عملية البوابة".

ثمّ كانت "اتفاقيات كامب ديفيد"، وهي الإطار الذي يُحدّد المبادئ العامة و الرئيسية التي حكمت معاهدات السلام مع مصر بعد ذلك. ووقّعها السادات وبيغن في 17 ايلول (سبتمبر) 1978 بعد 12 يوماً من المفاوضات السرية في كامب ديفيد برعاية الرئيس الاميركي جيمي كارتر.
وفي 26 آذار (مارس) 1979، أُعلنت معاهدة السلام، وكانت المحاور الرئيسية للمعاهدة بين الجانبين إنهاء حالة الحرب، وإقامة علاقات ودية بين مصر وإسرائيل، وانسحاب الأخيرة من سيناء التي احتلتها عام 1967 بعد حرب الأيام الستة.
وتضمّنت الاتفاقية أيضاً ضمان عبور السفن الإسرائيلية قناة السويس، واعتبار مضيق تيران وخليج العقبة ممرين مائيين دوليين، والبدء بمفاوضات لإنشاء منطقة حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة، والتطبيق الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 242، والذي ينصّ على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في نكسة 1967.

وفتح الاتفاق مشاريع تطوير السياحة في سيناء، إضافة إلى تحسين العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية.
وكنتيجة للاتفاقية، استقال وزير الخارجية المصري آنذاك محمد إبراهيم لمعارضته لها، وسمّاها "مذبحة التنازلات"، كما عقدت الدول العربية مؤتمر قمة رفضت فيه كل ما صدر، كما اتخذت قراراً بنقل مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس، وعلّقت عضوية مصر في الجامعة بين عامي 1979 و1989، احتجاجاً على الخطوة المصرية.
سلام بارد
وصف الكاتب تيموثي كالداس، في مقالة في موقع "بلومبرغ"، العلاقات الإسرائيلية المصرية بأنها "سلام بارد" بدلاً من صداقة حقيقية، مؤكداً أن التعاون والمشاركة بينهما كانت محدودة، وعزا ذلك إلى المسارات التاريخية والدوافع التي أدت إلى معاهدة 1979.
تواجه البلدان في حروب أربع مرات في العقود الثلاثة السابقة، وفقدت العائلات المصرية والإسرائيلية أحباء لها في القتال، كما أنه في كل جانب، اعتادت الأجهزة العسكرية والأمنية على اعتبار الآخر تهديداً محتملاً.
ووفقاً لكالداس، طيلة المفاوضات وبعد توقيع المعاهدة، طوّرت الحكومتان المصرية والإسرائيلية تعاوناً أمنياً قوياً، ولم يكن هناك اهتمام كبير ببناء علاقات اقتصادية عميقة.
وحول الزيارات المتبادلة بين البلدين، أشار كالداس إلى أن مئات الآلاف من السياح الإسرائيليين يزورون مصر كل عام، ويتّجه معظمهم إلى الشواطئ ومواقع الغطس في شبه جزيرة سيناء، لكن عملياً "لا يعبر مصري واحد الاتجاه المعاكس. أما بالنسبة للقلّة من الذين يجرؤون على القيام بزيارة إسرائيل، فعليهم أن يتحمّلوا، عند عودتهم إلى ديارهم، استجوابات مُكثّفة من قبل مسؤولي الأمن، والاستثناء الرئيسي لهذا هو عدد قليل من الحجّاج المصريين المسيحيين الذين يزورون الأماكن المقدسة في إسرائيل وفلسطين، في تحد للكنيسة القبطية التي حظرت مثل هذه الزيارات".
اتفاقية وادي عربة

رسمياً، أنهت معاهدة "وادي عربة"، التي وقّعها رئيس وزراء الأردن آنذاك عبد السلام المجالي ونظيره الإسرائيلي اسحق رابين، في 26 تشرين الأول (أكتوبر) 1994، عقوداً من حالة الحرب بين الطرفين.
وشهد التوقيع، الذي جرى في وادي عربة على الحدود بين البلدين، مصافحة تاريخية بين العاهل الأردني الملك حسين والرئيس الإسرائيلي عيزر وايزمان، بحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون ووزير خارجيته وارن كريستوفر.

وطبعت الاتفاقية العلاقات بين البلدين، وتناولت النزاعات الحدودية بينهما، كما ارتبطت مُباشرة بالجهود المبذولة في عملية السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
لكن فعلياً، في نظر الشريحة الأكبر من الأردنيين، الذين يتحدّر أكثر من نصفهم من أصل فلسطيني، لا تزال إسرائيل "عدواً". كما أنه خلال السنوات الأخيرة، ساهمت حوادث عدة بتوتير علاقات تل أبيب بعمان، بدءاً من محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي السابق لحركة "حماس" خالد مشعل في عمان عام 1997، ثمّ اقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون المسجد الأقصى عام 2000 واندلاع الانتفاضة الثانية.
وأدت محاولة اغتيال مشعل في عمان في عهد حكومة نتنياهو الأولى، إلى أسوأ أزمة بين البلدين. حينها خيّر الملك حسين إسرائيل بين حياة مشعل ومعاهدة السلام. فأُنقذ مشعل، حيث سلّم الإسرائيليون الأردن "المصل المضاد" للسمّ الذي كانوا قد سمّموه به.
وفي 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، وفي آخر التحديات، قرّر الملك عبد الله استعادة أراضي الباقورة الواقعة شرق نقطة التقاء نهري الأردن واليرموك في محافظة إربد (شمال)، والغمر في منطقة وادي عربة في محافظة العقبة (جنوب البحر الميت) من الوصاية الإسرائيلية.
وبحسب ملاحق اتفاقية "وادي عربة"، أعطيت إسرائيل حقّ التصرّف بهذه الأراضي لمدة 25 عاماً، على أن يتجدّد ذلك تلقائياً إذا لم تُبلّغ الحكومة الأردنية برغبتها استعادتها قبل عام من انتهاء المدة.

وكان ملك الأردن قد وصف في أكثر من مرة منذ عام 2009 السلام مع إسرائيل بأنه "سلام بارد ويزداد برودة"، مع قيام إسرائيل بعمليات "استفزازية" و"انتهاكات" للمقدسات الإسلامية في القدس، والتي تعترف إسرائيل، بموجب معاهدة السلام مع الأردن، بوضع خاصّ للمملكة في الإشراف عليها.

وكانت القدس الشرقية تخضع للسيادة الأردنية كسائر مدن الضفة الغربية، قبل أن تحتلّها إسرائيل عام 1967، وتضمّها في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي. والوصاية على المقدسات الإسلامية في القدس "أمر حساس" بالنسبة للهاشميين ويمسّ "شرعيتهم الدينية"، وفقاً للكاتب والمحلل السياسي الأردني الدكتور لبيب قمحاوي.
وخلال السنوات الـ25 الأخيرة، اقتصر التعاون بين الطرفين في المسائل الأمنية والاستخباراتية، وبقي حجم التجارة بين البلدين متواضعاً. وبينما يزور الأردن أكثر من 100 ألف إسرائيلي سنوياً، تبقى السياحة في الاتجاه المعاكس ضعيفة، حيث زار 12 ألف أردني، فقط، إسرائيل عام 2018.
وبقيت مشاريع دعم اتفاقية السلام بين الطرفين "مجرد حبر على ورق"، وفقاً لمدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي. ومن بين هذه المشاريع، بناء مطار مشترك، وخطط لمدّ قناة تربط بين البحر الأحمر والبحر الميت لإنقاذ الأخير من الجفاف، ومشروع بوابة الأردن التي يفترض أن تخدم كمنطقة صناعية مشتركة مقررة منذ عام 1994.
في المقابل، أوضح السفير الإسرائيلي في عمان عمير فيسبرود أن البلدين يسعيان إلى إيجاد طرق لتحسين العلاقات، وأنه يُمكن للبلدين أن "يبذلا المزيد"، مضيفاً "الأردن شريك يمكن الوثوق به، والبلدان يتمتعان بالمصداقية".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الولايات المتحدة
5/23/2026 3:55:00 AM
تعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث المجاري المائية أو المحيط الواقع على مسافة كيلومترات.
منبر
5/23/2026 10:14:00 AM
هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .
ايران
5/24/2026 6:24:00 AM
هل ستتخلّى إيران عن تخصيب اليورانيوم بحسب الاتفاق؟
لبنان
5/24/2026 12:59:00 PM
صحيفة "نيويورك تايمز": الاتفاق المرتقب سيشمل "إنهاء المواجهات على جميع الجبهات"
نبض