في غياب الزواج المدني... الزواج المختلط في سوريا إسلامي فقط
"سوريا تعمل بقانون متقدم على كثير من دول العالم في الأحوال الشخصية، ليعلم الجميع أن قانوننا محكوم بالشريعة الإسلامية وقوانين الكنيسة والمذاهب الأخرى، ولن يكون هناك زواج مدني في بلادنا"، هذا الاقتباس ورد في حديث لوزير الأوقاف السوري محمد عبد الستار السيد.
"سوريا تعمل بقانون متقدم على كثير من دول العالم في الأحوال الشخصية، ليعلم الجميع أن قانوننا محكوم بالشريعة الإسلامية وقوانين الكنيسة والمذاهب الأخرى، ولن يكون هناك زواج مدني في بلادنا"، هذا الاقتباس ورد في حديث لوزير الأوقاف السوري محمد عبدالستار السيد، خلال ندوة أقامتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في آذار (مارس) الفائت. الوزير الإشكالي لم يشرح جزئية تقدم بلده على كثير من دول العالم في الأحوال الشخصية، وأكثر من ذلك لم يقل من هي هذه الدول، فإن كان يقصد انغولا بعد أن ضربها الوباء قبل أعوام، أو يقصد الصومال المشرذمة في غياب قانونها، أو سواهما، قد يبدو الطرح منطقياً، أما إذا ما كان يقصد التلميح لدول متقدمة، فإن أغلب دول العالم متقدمة على سوريا بعد حربها، فتبدو مقاربته غير منطقية، المقاربة التي خرجت من عاصمة صُنِفت أخيراً بأنها أسوأ مدن العيش في الكوكب.
لا يملك الباحث عن زواج مدني ترف الاختيارات في ما يتعلق بالأحوال الشخصية في سوريا، بل إنّ الدائرة تضيق حوله مشكلةً حبل مشنقة تحكمه الأعراف - التقاليد - القوانين الوضعية والسماوية، وعلاوةً على ذلك المشيخات، القديم منها والمستجد، ليجد نفسه أمام اختيارات ضيقة تحتم على أحد الطرفين في الزواج المختلط التنازل، والطرف المعني بالتنازل هنا هو المسيحي بلا شك، هذا في حال الإصرار على إتمام الزواج، أو تسجيل الواقعة، أو الأولاد داخل البلاد، أما الزواج في الخارج، فهذا بحث مستقل لا يقل خطورة عن تزاوج الأديان في الداخل، والزاوج الداخلي المغطى بعباءة تعايش الأديان - لا شك - اتضح أنه مجرد كليشيه يرعاه متنفذو الأديان والمجتمع في خطبهم الرسمية، إلا أنّه على أرض الواقع يجبر الزوجين على اعتناق دين واحد، ولو كان شكلياً، إلا أنّ مفهوم الأمر بحد ذاته يتخطى عمق الفكرة، فلماذا لا يبقى كل واحد على دينه؟، ببساطة هذا ممنوع.
الخيارات الضيقة
جاء في المرسوم التشريعي 26 لعام 2007، المادة 28 -1، "إذا كان زواج الوالدين غير مسجل وولد لهما مولود فعلى أمين السجل المدني عدم تسجيل واقعة الولادة هذه إلا بعد تسجيل زواج الوالدين أصولاً".

في الزواج المختلط يوضع الزوجان أمام خيارين، إما تخلي أحدهما عن دينه وتبعات ذلك التي قد تفضي لرفض الزواج من الأهل وتبرئتهم منه، وتالياً نبذه مجتمعياً وعائلياً، ما قد يصل أيضاً إلى الحرمان من الحقوق المنصوص عليها تشريعياً، وضمناً الميراث. أما الخيار الآخر فهو تمسك المسيحي بدينه، وعدم إشهار إسلامه، وفي هذه الحالة يمنع تسجيل واقعة الزواج في المحاكم الرسمية، لتترتب على الأمر مضاعفات معقدة تتعلق بمنع تسجيل الأطفال على القيود، ليظلوا مجهولي النسب (غير شرعيين)، وكذلك تحرم المرأة من حقوقها (زواج – ميراث – حضانة – نفقة – مهر ...).
والخيار الثاني هو عدم إشهار الإسلام وبالتالي بقاء الزواج من دون تسجيل في المحاكم الرسمية، ما يُبقي الأطفال مجهولي النسب، ويحرم المرأة حقوقها. الكنيسة نفسها كانت قد نبذت وتبرأت من كثيرين أشهروا إسلامهم في المحاكم لإتمام الزواج من مسلمة، وإن كان هذا الإشهار شكلياً لا جوهرياً.
رغم أنّ القانون السوري يكفل حرية المعتقد وينص على المساواة، إلّا أنّ القانون (59 لعام 1953)، ينظر الى زواج المسلمة بغير المسلم كزواج باطل، وفي التشريع فإنّ الزواج الباطل يساوي حكم الزنا، لانتفاء الصفة الشرعية الدينية عنه، وهو ما تم تعديله نسبياً في قوانين متلاحقة.
وفي العرف، يجبر المسيحي على إشهار إسلامه، في حين تمنع المسلمة من إشهار مسيحيتها، وهو ما يشكل نقطة خلافٍ ما زالت حية رغم تقادم السنين على الدستور وتعديلاته، في ما يراه ناشطون على الدوام على أنّه انتهاك واضح وصريح لحرية الأفراد الدينية.
الرضوخ للقانون
"حتى صار عمر ابنتي سبعة أعوام وهي لا تمتلك أوراقاً رسمية في الدولة، حاولنا السفر مراراً، أنا وزوجتي وابنتنا، ولكن كيف ذلك وهي غير مسجلة في الدولة؟، ولا تستطيع عبور الحدود!"، يقول رامي (اسم مستعار – 39 عاماً)، لـ "لنهار العربي"، ويشرح كيف بدأت قصته: "في عام 2010 اتفقنا أنا وميرنا (أنا مسيحي وهي مسلمة) أن نخوض غمار الزواج المدني خارج بلادنا، فالأمر هنا مستحيل، واتفاقنا واضح ألّا يغير أحد منا دينه، الأمر مرتبط بالكرامة لا بالتعنت"، رامي عاد إلى سوريا في العام ذاته، وحين تبين أنّ من المستحيل بصورة قطعية تسجيل الزواج بأي حال على ما هو عليه، بدأ يحضر أموره للسفر والاستقرار خارجاً، إلّا أنّ البلاد دخلت حربها، وصارت خيارات السفر ضيقة ومحدودة أمام السوريين، "لم نترك باباً إلا وطرقناه، لكن من دون جدوى، حاولنا التحايل مراراً على القانون وفشلنا، تعرضنا للنصب، تلقينا وعوداً كاذبة، وظللنا نناضل في قضيتنا إلى أن بلغت الصغيرة عام دخول المدرسة والتعليم الأساسي".

"استنزفنا كل الحلول، بعد أن رفضنا تسجيل الصغيرة على قيود عائلة أخرى، اضطررنا تحت قوة القانون أن نتزوج في المحكمة الشرعية، وأن أشهر إسلامي، ولا أقصد أنّ ثمة مشكلة في الدين، بقدر ما أقصد أن المشكلة في كرامة الحياة المدنية"، يقول رامي الذي تزوج شرعياً وسجل طفلته رسمياً، بعد أن اتفق مع زوجته (وهذا الحل القانوني)، أن ترفع قضية "إثبات زواج" ضده، ليتم تثبيت الزواج وتسجيل الصغيرة على اسميهما، وليصير في الأوراق والنفوس مسلماً، ما يحرمه الميراث من عائلته المسيحية، وكذلك الدفن في مقابرها، والحصول على أي حقوق دينية، رغم أنّ إسلامه كان ظاهرياً، أما في ما عدا ذلك، ظلّ - ولا يزال - رامي مسيحياً.
رغم القانون
تقول ريم المسلمة (اسم مستعار – 34 عاماً)، إنّها تزوجت مسيحياً بعد حب استمر 4 سنوات، ويبدو حالها مشابهاً لرامي وميرنا في البحث الحثيث عن ثغرات يمكن القفز من خلالها في القانون السوري، ولكن من دون نتيجة أيضاً، "تزوجنا كنسياً في دمشق، وحضر أهلنا الزواج ورفاقنا، كانوا متقبلين للفكرة، من دون اعتراضات تذكر، باستثناء المخاوف المتعلقة بتسجيل أطفالنا لاحقاً، لا يمكن لنا أن نسجل أطفالنا، ما لم يشهر زوجي إسلامه في المحكمة الشرعية، ولكنّ قرارنا واضح، لا أحد سيغير دينه ولو ظاهرياً، الآن، على الأقل".
لا تزال ريم وزوجها عازبين أمام الدولة وفي السجلات الرسمية والورقية والأحوال المدنية، وبالتالي ستعاني من حجب كل حقوقها المدنية، من مهر وسواه، وإذا ما وصل الأمر إلى الطلاق فستحرم من النفقة وغيرها، بل وأيضاً يستطيع أي منهما الزواج من آخر، طالما أنهما غير مسجلين في القيود.
"لا أدري ماذا سنفعل مستقبلاً، سنظل نناضل حتى يصل أطفالنا إلى عمر لا يكون أمامنا مفر من الرضوخ، أو أن نسافر قبل ذلك، وهو ما يبدو مستحيلاً، ولكن من يعرف ماذا تحمل الأيام القادمة، ومن دون ذلك، سنضطر رغماً عنا الى تغيير ديانة زوجي في المحكمة ليصير مسلماً، ثم نسجل الأولاد، أعتقد أن أول مطب حقيقي سيواجهنا، هو اختبار تسجيل الطفل للشهادة الإعدادية، طالما أننا تجاوزنا الأمر في المراحل الدراسية السابقة، بفعل التحايل قليلاً والتسجيل في مدارس خاصة، ولكننا لا شك سنواجه عقبة كبرى لاحقاً، وحتى ذلك الحين، نحن متمسكون بقناعاتنا"، تقول ريم.
بيد أنّ القانون السوري التشريعي بعينه هو قانون انتقائي، إذ ينص على أن الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع، إلّا أنّه يأخذ بعين الاعتبار وجود محاكم روحية للمسيحيين ومذهبية للدروز، وإضافةً إلى ذلك فإنه يعتبر رحيماً قياساً بدول تتخذ الفقه مصدراً للتشريع، ففي سوريا لا يرجم الزناة، ولا يجلد أحد على أسس دينية، ولا تقطع يد السارق.
إلّا أنّ كل ذلك لا يكفي، فالمطالب بإقرار الزواج المدني تتنامى يوماً بعد يوم، في مجتمع أرهقته الحرب وتبعاتها، وصار يبحث مستجدياً عن شكل الحياة المدنية، الحياة التي تبدأ بالزواج المدني ولا تقف عنده.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الولايات المتحدة
5/23/2026 3:55:00 AM
تعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث المجاري المائية أو المحيط الواقع على مسافة كيلومترات.
منبر
5/23/2026 10:14:00 AM
هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .
ايران
5/24/2026 6:24:00 AM
هل ستتخلّى إيران عن تخصيب اليورانيوم بحسب الاتفاق؟
لبنان
5/24/2026 12:59:00 PM
صحيفة "نيويورك تايمز": الاتفاق المرتقب سيشمل "إنهاء المواجهات على جميع الجبهات"
نبض