أمراض مزمنة تضرب التعليم العالي في مصر... والعلاج معروف سلفاً!
في عام 1827، وداخل إحدى قاعات أول مدرسة للطب في مصر، شهد الطلاب والمعلمون تدريس أول محاضرة تشريح لجثة حقيقية. هذا المشهد الأكاديمي الصادم للمجتمع وتقاليده وقتذاك جسد صورة حية لجهود بناء نظام تعليم حديث بمصر، والتي بدأت مطلع القرن التاسع عشر، على يد محمد علي باشا.
في هذه الحقبة، عرف المصريون للمرة الأولى نظامَ تعليمٍ حديثاً؛ قاعدته التعليم الأساسي، وفي الوسط التعليم التجهيزي أو الثانوي، وفي القمة تربع التعليم العالي، ما جعل مصر أول البلاد التي تشهد طفرة في مجال التعليم العالي بمنطقة الشرق الأوسط. لكن على رغم عراقتها ورسوخها، باتت هذه المنظومة عليلة، وفي حاجة لإصلاح عاجل، وتحديث ضروري.
ويعاني التعليم الجامعي في مصر أمراضاً مزمنة؛ مثل الاكتظاظ، وغياب التخطيط المستدام، وانفصال منتوج العملية التعليمية عن سوق العمل، إضافة إلى شُح الدعم المالي، لا سيما في قطاع البحث العلمي، الذي يعاني أيضاً من قيود تكبح الحرية الأكاديمية، في ظل محاذير اجتماعية وأمنية ودينية، وفق ما يرى خبراء.
لوحة ستريكالوسكي تجسد أول درس للتشريح في مصر - متحف كلية القصر العيني
سياسات مرنة ومستدامة
"ثمّة معضلة أساسية تتصدر النقاش بشأن ملف التعليم العالي في مصر، تتلخص في وحدة السياسات التعليمية؛ إذ إن كل وزير جديد يفرض رؤيته الخاصة على إدارة الملف، وبالتالي لا يوجد استقرار أو استدامة في السياسات المتعلقة بملف التعليم العالي"، بحسب ما يقول محمد الهواري، رئيس تحرير مؤسسة الفنار للإعلام بالمملكة المتحدة، المتخصصة في التعليم العالي بالعالم العربي.
ويضيف الهواري لـ"النهار" متسائلاً: "لماذا لا يوجد لدينا سياسة تعليمية لمدة عشر سنوات، تنبثق منها خطط تنفيذية واضحة الملامح وتتمتع بقدر من المرونة؟! يمكن تطبيق سياسات مخططة ومرنة شأن النهج العالمي المتعارف عليه في القدرة على التكيف مع المتطلبات الجديدة لسوق العمل، فعلى سبيل المثال عند ظهور تخصص جديد عليه إقبال في التوظيف، تصمم المؤسسات التعليمية برامج تعليمية لمواكبة هذا التغير الطارئ".
ويشير الصحافي المصري إلى أن "ثمة نهجاً عالمياً متعارفاً عليه في تصميم البرامج التعليمية، وهو ما يعرف بالتخصصات المتداخلة، ما يعني أن طالب كلية الهندسة لا يدرس مناهج هندسية فقط، لكنه يتلقى برامج تتعلق بتنمية المهارات الشخصية، وتعزيز قدرات الطالب على التواصل والإبداع، والقدرة على حل المشكلات".
ويضيف: "الطفرات العالمية في مجال التعليم ليست معنية بعدد الجامعات أو عدد التخصصات إلخ، لكنها تهتم بجودة مخرجات العملية التعليمية، التي تتطلب سياسات مرنة ومستدامة، ومواكبة دائمة لاحتياجات سوق العمل".
مشكلة أخرى تتعلق بمركزية التوظيف؛ إذ يتساءل الهواري: "هل الطالب الجامعي المصري الذي يدرس في محافظة ساحلية يجد فرصة عمل في هذه المحافظة؟ أم أنه يبحث عن فرصة عمل في القاهرة، أو حتى في السوق الخليجي أو الأوروبي؟ عدم الاستفادة بمخرجات التعليم على المستوى المحلي، يشير إلى وجود خلل في المنظومة ككل".
لكن ثمّة تطور إيجابي في هذا المنحى يلفت إليه رئيس تحرير مؤسسة الفنار للإعلام، فيقول: "في الآونة الأخيرة ثمّة تقدم ملحوظ يستحق الإشادة، يكمن في مشروع المراكز الجامعية للتطوير المهني، وهو مشروع أطلقته الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بالتعاون مع الجامعة الأميركية بالقاهرة في حوالي 30 جامعة حكومية مصرية، ومن المستهدف أن تصل إلى 46 مركزاً بحلول 2026، يتلخص دور هذه المراكز في رصد احتياجات السوق المحلية، وتقديم استشارات لإدارة الجامعة بهدف توفير برامج تعليمية تتماشى مع احتياجات سوق العمل، إلى جانب أن هذه المراكز توفر برامج متقدمة للطلاب والخريجين تستهدف صقل مهاراتهم".


من مركز التطوير المهني بجامعة السويس
مشكلات البحث العلمي
من المشكلات الهيكلية المتعلقة بسياسات التعليم الجامعي، نتطرق إلى العقبات التي تجابه منظومة البحث العلمي، ويتحدث عنها باستفاضة لـ"النهار" الرئيس الأسبق لجامعة الإسكندرية، والجامعة الفرنسية بالقاهرة، الدكتور حسن ندير، إذ يقول: "إذا ما نظرنا بصورة عامة إلى عدد الأبحاث العلمية المنشورة، نلاحظ أن مصر تنتج منها عدداً لا بأس به، لكنها لا تلبي احتياجات المجتمع المصري".
يعتقد ندير أن منظومة البحث العلمي في مصر تهتم بنشر الأبحاث التي تنشر في كبريات الدوريات لمجرد مواكبة التصنيفات الدولية وإحصاءات النشر، ويقول إن "احتياجات الصناعة في مصر على سبيل المثال تختلف عن متطلبات القطاع الصناعي في دولة مثل اليابان، لذا يجب أن يهدف البحث العلمي إلى الموازنة بين تطوير الواقع المصري بالأساس، إلى جانب مواكبة التصنيفات الدولية أيضاً".
ويضيف: "ثمّة حاجة إلى تعزيز حرية الفكر، فكلما وضعت قيود اجتماعية أو دينية أو أمنية، تراجع التعليم الجامعي، وفي ما يتعلق بالواقع المصري ثمة تفاوت في مقدار القيود التي يتعرض لها كل تخصص؛ فالمجال الهندسي مثلاً قد يواجه قيوداً أقل من تلك التي تواجهها تخصصات مثل العلوم الاجتماعية والتعاون الدولي".
ولفت الأكاديمي المصري إلى "جانب مهم يتعلق بحظر بند تبادل المعلومات في بروتوكولات التعاون الموقعة بين الجامعات المصرية ونظيرتها الأجنبية، ويعود الأمر للهاجس الأمني. لكن الأساتذة في الجامعات يتفهمون تلك الهواجس بالنظر إلى الضغوط الخارجية التي تتعرض لها مصر".
من جهته، يشير الصحافي محمد الهواري إلى مشكلات أخرى تواجه البحث العلمي، وهي "غياب التكامل بين الجامعات والكليات"، ويمكن حل هذه المعضلة برأيه "ببناء شبكة موحدة ينضوي تحتها جميع الباحثين والمؤسسات البحثية لتوحيد الجهود، مع الحاجة إلى بناء مظلة واحدة لكل تخصص بحثي. فمن المشكلات الشائعة أن تجد قضية مثل التغير المناخي موزعة بين أكثر من جهة وكيان بحثي حكومي، من دون وجود تكامل أو تنسيق بينها، فتصبح مؤسسات البحث العلمي عبارة عن جزر منعزلة".
ويرى الهواري أن "ثمة حاجة إلى صياغة رؤية واضحة لأهداف البحث العلمي"، متسائلاً: "هل أصبح الهدف من البحث العلمي هو مجرد الحصول على الترقيات الأكاديمية؟!".
اكتظاظ التعليم
بحسب آخر إحصاء لليونسكو، وصلت نسبة الطلاب الملتحقين بالتعليم العالي في مصر عام 2022 إلى 37.8 بالمئة من دارسي الثانوية العامة خلال خمس سنوات، فيما أوضحت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن إجمالي الطلاب المقيدين بالتعليم العالي في مصر بلغ 3.7 مليون طالب خلال العام الدراسي (2023) مقابل 3.5 مليون طالب خلال عام (2022)، بزيادة 7.5 بالمئة.
وعلى رغم أن نسبة الطلاب الملتحقين بالتعليم العالي في مصر لا تلبي المعايير العالمية، لكن الجامعات المصرية تعاني من تكدس الطلاب، مما يؤثر بالضرورة على جودة الخريجين، وقد اتجهت الحكومة منذ أعوام إلى افتتاح جامعات أهلية مثل: الجلالة، والعلمين، والملك سلمان الدولية، بهدف تطوير التعليم والحد من التكدس في الجامعات الحكومية والخاص.
ندير يرى أن "الجامعات الأهلية توفر بالفعل مساحات أوسع لاستيعاب الطلاب، إلى جانب تقليل الضغط على الجامعات الكبرى، وفي الوقت ذاته فإن إصلاح التعليم الجامعي والبحث العلمي يبدأ بالأساس من الجامعات الحكومية. مهما شيد من جامعات جديدة، فلن ترقى في النهاية إلى مستوى جامعات القاهرة، والإسكندرية، وعين شمس، والمنصورة، وأسيوط، لا سيما أن مستوى طلاب الجامعات الحكومية أفضل بكثير من طلاب الجماعات الأخرى".
ويختتم ندير حديثه بالتأكيد أن "رغم المشكلات التي تواجه منظومة التعليم في مصر، فإن هناك إقبالاً دولياً على الخريجين المصريين، يكفي أن تنظر الآن إلى الأطباء الذين يهاجرون إلى أوروبا ويُحتفى بهم، هذا دليل على كفاءة الطلاب المصريين بصورة عامة، وعلى أن التعليم الجامعي ليس منهاراً".
ترتيب الجامعات المصرية وفقاً لتصنيف (QS) العالمي للعام 2024
وفقاً لتصنيف (QS) العالمي للعام 2024، حافظت جامعة القاهرة على مكانتها الرائدة في مصر، محققة المركز الأول محلياً والمرتبة 371 عالماً، تليها الجامعة الأميركية بالقاهرة في المركز الثاني محلياً و415 عالمياً. وفي المركز الثالث محلياً، تأتي جامعة عين شمس، محتلة مرتبة بين 721 و730 عالمياً. وأخيراً، جامعة الإسكندرية في المركز الرابع محلياً، لتقع ضمن نطاق 901 إلى 950 عالمياً.وشهدت أحدث نتائج التصنيف أيضاً ظهور جامعات مصرية أخرى بارزة، بما فيها جامعة المستقبل في مصر، والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، وجامعة أسيوط، وجامعة المنصورة، وجامعة الأزهر، والجامعة الألمانية بالقاهرة، وجامعة حلوان، وجامعة قناة السويس، وجامعة طنطا، وجامعة الزقازيق، والجامعة البريطانية في مصر.
وتصنيف(QS) للجامعات العالمية هو تصنيف سنوي لأفضل 1500 جامعة في العالم تنشره شركة "كواكواريلي سيموندس" المتخصصة بالتعليم، ويعتمد على أربعة مؤشرات هي: السمعة الأكاديمية للتخصص الذي يقدمه البرنامج، وسمعة الخريجين، وحجم الاستشهادات من الأبحاث، وشبكة الأبحاث المنشورة بين باحثين ينتمون إلى أكثر من دولة.
نبض