من بقي مع قيس سعيد دولياً؟
خلال عام واحد من سيطرته على السلطة خسر الرئيس التونسي قيس سعيد كل حلفائه في الداخل: الأحزاب والنخب والإتحاد العام التونسي للشغل، إلى جانب قطاع واسع من قاعدته الشعبية. براعة الرئيس التونسي في خسران أنصاره وحلفائه يقابلها فشل مديد في بناء شيء خارج هذه التحالفات. الأزمة التونسية المتعددة الأوجه، تتعاظم يوماً فآخر ككرة الثلج، ولا أحد يدري إلى اين يمكن أن تنزل.
خلال عام واحد من سيطرته على السلطة خسر الرئيس التونسي قيس سعيد كل حلفائه في الداخل: الأحزاب والنخب والاتحاد العام التونسي للشغل، إلى جانب قطاع واسع من قاعدته الشعبية. براعة الرئيس التونسي في خسران أنصاره وحلفائه يقابلها فشل مديد في بناء شيء خارج هذه التحالفات. الأزمة التونسية المتعددة الأوجه، تتعاظم يوماً فآخر ككرة الثلج، ولا أحد يدري إلى أين يمكن أن تنزل.
على المستوى الدولي، لم تكن الحال بأحسن من الوضع المحلي. خسر قيس سعيد، أو هو في طريقه إلى خسارة حلفاء وقوى كانوا يمكن أن يكونوا سنداً له، سياسياً ومالياً. في أعقاب 25 تموز (يوليو) 2021 لم تقابل القوى الدولية الأساسية هذا الانقلاب في موازين القوى بإدانة أو شجب، كما هو الشأن في حالات أخرى، بل أعطت فرصة للزمن كي ترى ماذا يمكن أن يقدم سعيد. كان ذلك هديةً من السماء لنظام سعيد.
حينذاك حث الاتحاد الأوروبي، الداعم الأول والشريك الرئيسي لتونس، الأطراف السياسية الفاعلة في تونس على احترام الدستور وتجنب الانزلاق إلى العنف، وقالت متحدثة باسم المفوضية الأوروبية: "نتابع عن كثب أحدث التطورات في تونس، وندعو كل الأطراف في تونس إلى احترام الدستور ومؤسساته وسيادة القانون، كما ندعوهم إلى التزام الهدوء وتجنب اللجوء إلى العنف حفاظاً على استقرار البلاد". لكن اللافت أن الاتحاد الأوروبي لم يصدر أي تقييمات سياسية للإجراءات التي أقدم عليها الرئيس سعيّد. كما أظهرت الإدارة الأميركية مواقف غير محسومة تجاه تطورات تونس الأخيرة؛ فمن ناحية بادر البيت الأبيض إلى إعلان قلقه بشأن ما جرى، لكنه أشار إلى أن واشنطن "لم تحدد بعد ما إذا كان الوضع في تونس يعد انقلاباً". وفي الوقت نفسه، حثّ وزير الخارجية أنطوني بلينكن الرئيس التونسي قيس سعيّد في اتصال هاتفي بينهما، بحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية الأميركية، على "التزام مبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان التي تُعد الأسس التي يقوم عليها الحكم في تونس"، وشجّعه على "الاستمرار في الحوار المفتوح مع جميع الأطراف السياسية والشعب التونسي". أما فرنسا فقد عبرت عن دعم واضح لسياسات قيس سعيد، وكان ذلك واضحاً مما سيأتي بعد ذلك من لقاءات بين الرئيس سعيد ونظيره الفرنسي ثم القمة الفرنكوفونية التي عُقدت في تونس.
ثم عندما أعلن سعيد في نهاية عام 2021 عن خريطة طريق المرحلة الانتقالية في البلاد، وجدول زمني ينتهي بنهاية عام 2022 من خلال انتخابات تشريعية سابقة لأوانها، وإجراء تعديلات دستورية جوهرية، رحبت أغلب القوى بهذا الإجراء. فدعمت واشنطن هذا التوجه، كما اعتبر الاتحاد الأوروبي أن ما أعلنه الرئيس التونسي "خطوة مهمة". كما عبر الاتحاد عن "رغبته في دعم تونس، كشريك وثيق، ودعمه لها في الأزمة الاقتصادية، بما في ذلك في إطار المناقشات مع الشركاء الماليين الدوليين". هذا الدعم الدولي استفاد منه سعيد في تقوية موقف حكومته في التفاوض مع صندوق النقد الدولي للظفر بقرض جديد ينقذ الموازنة العامة. وقد دعمت واشنطن وبروكسل وطوكيو على نحو كبير موقف تونس حتى توصلت للتوقيع على اتفاق خبراء مع الصندوق في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.
لكن قبل الانتخابات التشريعية بأيام قليلة، أعلن صندوق النقد تأجيل اجتماع مجلس إدارته بشأن برنامج قروض لتونس كان من المقرر عقده في 19 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، لمنح السلطات مزيداً من الوقت للانتهاء من برنامج الإصلاحات. كان ذلك مؤشراً إلى فقدان القوى الداعمة لسعيد الثقة به وبسياسته التي ينتهجها منفرداً منذ عام ونصف. وقد بدا واضحاً أن سعيد لا يملك رؤية واضحة لتنظيم السياسة والاقتصاد في البلاد. ومما يؤشر أكثر إلى فقدان الثقة هذا، فشل زيارته لواشنطن، خلال القمة الأميركية - الأفريقية. ثم تعمق ذلك مع صدور نتائج الانتخابات التشريعية التي أظهرت أن الرئيس التونسي فقد جزءاً واسعاً من شرعيته الشعبية بنسبة مشاركة لم تصل إلى الـ12 في المئة.
جاءت مواقف القوى الغربية متحفظةً عن نسبة المشاركة الضعيفة في العملية الانتخابية. فنيد برايس، المتحدث الرسمي باسم الخارجية الأميركية، قال إن "الانتخابات البرلمانية التي جرت في تونس تمثل خطوة أولية أساسية نحو استعادة المسار الديموقراطي للبلاد. ومع ذلك، فإن الإقبال المنخفض للناخبين يعزز الحاجة إلى زيادة توسيع المشاركة السياسية خلال الأشهر المقبلة". وأشارت فرنسا، أحد أكبر داعمي الرئيس قيس سعيد ومساره السياسي، إلى انخفاض مستوى المشاركة خلال الجولة الأولى من الانتخابات التونسية، لكنها جددت دعمها الكامل لتونس في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد، ودعت إلى ضرورة إجراء الإصلاحات اللازمة لاستقرار البلاد وازدهارها في المستقبل من دون تأخير.
باستثناء الدعم الفرنسي، الذي بات يبدو عليه التردد، والدعم الجزائري المحدود، لم يعد الرئيس التونسي يحظى بموقف جيد على المستوى الدولي، مع أنه ما زال يعتمد على "ريع الموقع الجغرافي" للبلاد في التفاهمات مع الجانب الأوروبي بخصوص ملفي الهجرة غير النظامية والأمن ومكافحة الإرهاب. لكن هذا التعامل الريعي لم يعد كافياً لتأمين تدفقات مالية، سواء كقروض أم مساعدات، لردم الفجوات العميقة في الموازنة العامة، في ظل عجز إدارة قيس سعيد عن إعادة تشغيل البنية الصناعية المحلية وقوى الإنتاج.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الولايات المتحدة
5/23/2026 3:55:00 AM
تعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث المجاري المائية أو المحيط الواقع على مسافة كيلومترات.
منبر
5/23/2026 10:14:00 AM
هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .
ايران
5/24/2026 6:24:00 AM
هل ستتخلّى إيران عن تخصيب اليورانيوم بحسب الاتفاق؟
لبنان
5/24/2026 12:59:00 PM
صحيفة "نيويورك تايمز": الاتفاق المرتقب سيشمل "إنهاء المواجهات على جميع الجبهات"
نبض