الأحد - 14 تموز 2024

إعلان

إنهم الكيزيلباش: التاريخ المبتور لشيعة لبنان

المصدر: "النهار"
جهاد الزين
جهاد الزين
غلاف الكتاب.
غلاف الكتاب.
A+ A-
يضع ستيفان وينتر في كتابه يده على مسائل أساسية في إعادة تقييم النمط الذي جرت فيه كتابة تاريخ لبنان من حيث أي دور للجماعة الشيعية الإثني عشرية لعبته في هذا التأريخ، والذي يبدو مغيَّباً أو مهمَّشاً في التاريخ الرسمي اللبناني (دولة لبنان الكبير) للقرون التي تلت الفتح العثماني لبلاد الشام ومصر عام 1516 حتى نهاية القرن الثامن عشر.
 
الكتاب الصادرة طبعته الأولى عن منشورات كامبردج عام 2010 للباحث ستيفان وينتر الأستاذ في جامعة كيبك في مونتريال ويحمل عنوان: "شيعة لبنان تحت الحكم العثماني 1516 - 1788" ( 204 صفحات من ستة فصول) يتبنى تسمية "الكيزيلباش" على شيعة لبنان بالاستناد إلى الوثائق والمراسلات العثمانية التي تُطلق هذه التسمية على كل المقيمين الشيعة في المناطق التابعة للعثمانيين في الأناضول والمناطق السورية ومن ضمنها لبنان وذلك ضمن الصراع العثماني الصفوي المحتدم في القرنين السادس والسابع عشر. التسمية "الكيزيلباش" تعني "الرؤوس الحمراء" والتي كان المقصود منها تحديد الجماعات الشيعية داخل أراضي الدولة العثمانية، الجماعات الواقعة تحت تأثير الحكم الصفوي في إيران كما يراها السلطان العثماني.
 
يحدد الكتاب ثلاث مناطق أساسية للحكم الشيعي في لبنان كملتزم ضرائب لصالح الدولة العثمانية وهي بعلبك ومحيطها البقاعي بما فيه الكرك جنوبا تحت سيطرة أمراء آل حرفوش، وجبل لبنان من جبة بشري حتى كسروان تحت سيطرة آل حمادة، وجبل عامل تحت سيطرة آل علي الصغير.
 
وجهة النظر في الكتاب هي أن الاختلاف المذهبي الحاد لم يمنع السلطنة العثمانية من القبول بل الاعتماد على عائلات الإقطاع الشيعي وأمرائه في تحصيل الضرائب لصالح الدولة. وهذه نقطة هامة جدا في فهم طبيعة النظام العثماني الذي لم يكن متشددا مذهبيا دائماً رغم الفتاوى التكفيرية ضد الشيعة لصالح ما نسميه اليوم براغماتية تُوْجِبُها ضرورات إدارة هذه المناطق وفق مصالح السلطة العليا في اسطنبول.بل يذهب الباحث مستندا على الوثائق إلى اعتبار حكم آل حمادة في جبل لبنان ومحيط مدينة طرابلس هو الأعنف أو الأقوى قياسا بأمراء آل حرفوش وأُسَر جبل عامل التي توالت على السلطة حتى استقرارها في يد أسرة علي الصغير إلى الضربة التي أضعفت شوكة هذه الأسرة مع مقتل زعيمها ناصيف النصار على يد أحمد باشا والي عكا في نهاية القرن الثامن عشر والمترافق مع تنامي قوة الأسرة الشهابية.
لكن جزءا مهما من الكتاب يبحث في جذور علاقة رجال الدين في جبل عامل وهجراتهم على مراحل إلى إيران. ويبدو لي أن الكتاب حتى وهو يحصر عدد رجال الدين الشيعة الذين هاجروا إلى إيران ، التحاقا بِ أو استدعاءً من الصفويين (مئة عمامة) لم يخفِّف من مسار مساهمة أُسر جبل عامل في تشييع إيران وجعلها جزءا من الجاذبية السياسية الصفوية العامة لرجال دين من كل مناطق وجود الشيعة في العالم المسلم. لكنه طبعا لا يلغي السمعة الكبرى التي اكتسبها جبل عامل كموئل للحضور الثقافي (الفقهي) الشيعي وحالة الافتخار المتناقَلَة بهذا الدور التشييعي لإيران في إرث جبل عامل.
في عودة الكتاب إلى الإطار العام للصراع العثماني الإيراني يشير إلى أن نادر شاه، الحاكم المهم لإيران حاول عام 1736 ودون نجاح أن يجعل اعتراف العثمانيين بالمذهب الجعفري أساسا للسلام بين الدولتين العثمانية والصفوية. ونادر شاه هو مؤسس السلالة "الأفشارية" التي سبقت سيطرة الأسرة القاجارية على السلطة في إيران.
يسجّل الباحث مسار خروج العدد الأكبر من الشيعة من جبل لبنان في ظل التراجع المتواصل لحكم آل حمادة في مواجهة صعود الكنيسة المارونية وآل الخازن المستندين على التحالف مع أمراء الدروز في جبال صيدا لمواجهة نفوذ آل حمادة. تراجعٌ، ولو شهد تقلبات عديدة، سيستمر في القرن الثامن عشر.
 
وسيزداد اعتماد ستيفان وينتر على مراجع فرنسية (إلى جانب العثمانية والمارونية) كلما اقتربنا من القرنين السابع عشر و الثامن عشر أو كلما أوغلنا فيهما. بعض الجديد النوعي الذي يقدمه الكتاب هو أن نهاية الوجود السكاني الشيعي في جبل لبنان أو شبه النهاية لم تحصل في العهد المملوكي أي في القرون الوسطى الميلادية كما هو شائع بل حصلت في القرن الثامن عشر أي مع تراجع حكم آل حمادة.
 
في استناده إلى عدد من المؤرخين من كل طائفة لا يفوت الباحث توجيه النقد بل الاتهام إلى بعض المؤرخين المعاصرين (لن أسمّيهم منعا للحساسية) من حيث حتى التلاعب بوثائق ديبلوماسية أو مخطوطات لكي يزكّوا اتجاها على اتجاه في التأريخ للبنان. ليست مهمتي أن أدخل في التفاصيل لأنني مجرد قارئ للكتاب ولست باحثا في مصادره. لكني أهتم به لما يبدو لي من جدية في العمل ناهيك عن الإشكالات الهامة التي يثيرها و هي إشكالات تتطلب انفتاحاً بحثيا فيما لا تظهر الاحتقانات السياسية الراهنة في لبنان الحالي المأزوم مهيَّأة لتشجيعه. لكن الرهان يبقى دائما على نخب من مؤرخين لبنانيين جادين لاشك بوجودهم وأهمية نتاجاتهم. فليس علينا دائما انتظار مساهمات مؤرخين غربيين لكي تتوفر كتابات موضوعية، هذا مع العلم أن أي مساهمة بما فيها كتاب ستيفان وينتر يجب أن توضع دائما على بساط البحث والمراجعة.
 
أسأل نفسي دائما أين يكمن "سر" تحول جنوب العراق إلى أكثرية شيعية رغم السيطرة العثمانية لقرون وأحيانا التحريم العثماني.بعض الاستطرادات في الكتاب عن اهتمام العثمانيين بترميم بعض مراقد الأئمة في كربلاء والنجف وغيرهما أو السماح للدولة الإيرانية في بعض مراحل السلام العثماني الصفوي، ربما تتيح تفسير ظاهرة تشيّع الجنوب العراقي، بينما في مناطق أصغر مساحةً بكثير مثل كسروان في جبل لبنان كاد الوجود الشيعي السكاني ينقرض. لكني هنا لا أسائل الباحث لأن العراق ليس موضوع بحثه إلا هامشياً وفقط في الفصول الأولى التي حاولت شرح معنى العلاقة مع الشيعة في الإطار العثماني.
 
لو كان الصراع السياسي اللبناني الراهن بلا عقد مَرَضية في قراءة الماضي لأمكن اقتراح تحويل هذا الكتاب إلى مادة مناقشة على الأقل في جامعات لبنان الكبرى. فالتاريخ الموحّٓد المنشود لدى البعض، وهي مهمة متداولة تسطيحية للتأريخ، يستلزم أن يظل التأريخ (الهمزة على الألف) مجموعة كتب لا كتابا واحداً بمعنى مجموعة وجهات نظر في قراءة تاريخنا تحرِّض على المراجعة المتواصلة دون كلل.

إنه ليس كتابا عن لبنان فقط بل هو كتاب عن التكوين المعقد والغني للدولة العثمانية، الذي جعلها تقبل أن تكون الطريقة الصوفية البكتاشية الشيعية الطريقة المعتمدة لدى أحد أهم التنظيمات العسكرية العثمانية وهم الإنكشارية وهو التنظيم الذي سيُقضى على نفوذه ووجوده في الثلث الأول من القرن التاسع عشر بقرار من السلطان العثماني نفسه. وعليّ أن أضيف هنا بحكم بعض الخبرة التي ولّدتها عندي سنوات من متابعة الشؤون السياسية في الجمهورية التركية أن البكتاشيين في تركيا وألبانيا وفي بعض دول الهجرة التركية إلى أوروبا، كألمانيا هم اليوم الفرع الآخر لما أصبح يُعرف بالعلويين ولاسيما تقليديا في المدن التركية، بينما الامتداد العلوي الأوسع هو في الأرياف التركية ومن أصول فلاحية. لكني هنا لن أدخل في المزيد لأنه خارج النطاق الأساسي لبحث هذا الكتاب القيّم، إلا جزئيا كما أشرت أعلاه.



Twitter: @ j_elzein
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم