الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 26 °

اللامركزية الموسعة: بديل للفيدرالية الملتبسة

المصدر: النهار
Bookmark
اللامركزية الموسعة
اللامركزية الموسعة
A+ A-
ملحم شاوول 
 
مقدمة: في أصول مفهوم الفيدرالية وممارساتها 
يأتي مفهوم النظام الفيدرالي من طريقة لممارسة الديمقراطية تستند إلى عدد معين من العوامل والمؤشرات التي من المفيد تذكرها: 
¶ مجتمع غير متجانس (متعدد أو متنوع) ودولة تأخذ علما بهذا الشرط وتعترف بواقعه الفعلي.
¶ وجود إرادة عليا، داخلية و / أو خارجية، تفرض على الشرائح غير المتجانسة من المجتمع العيش معًا داخل كيان سياسي واحد ضمن حدود دولية معترف بها.
¶ وجود إرادة مشتركة لإدارة التنوع أو التعددية في إطار كيان سياسي موحد. يجب بناء هذه الإدارة على المستويات الثلاثة للبنية الاجتماعية السياسية: المركز والمكونات المجتمعية والأفراد.
من المهم أن نلاحظ أن النظام الفيدرالي ليس "الخيار الأول" للشركاء الاجتماعيين السياسيين في بناء الدولة الوطنية. يظهر كخيار ثالث أو رابع في أعقاب إخفاقات خيارات أولى "طبيعية". مع الإشارة إلى أن هياكل الدول المختلفة هي نتيجة صراعات عنيفة إلى حد ما بين التكوينات الاجتماعية والاقتصادية أو الاجتماعية والثقافية، فإن الخيار الأول هو بناء دولة مركزية وديمقراطية تقوم على أساس شرعية مجتمع متجانس يتشارك في هوية مشتركة. إذا تبين أن هذا الخيار غير ممكن التحقيق، فسيظهر الخيار الثاني القائم على فشل الأول في التحقق ديمقراطيًا. نتيجة لذلك، تقع هذه المجتمعات تحت نير الأنظمة الاستبدادية أو الديكتاتورية. 
إذا فشل الخياران السابق ذكرهما، واللذان يصعب تطبيقهما على المجتمعات غير المتجانسة، فإن البديل الفيدرالي يظهر كملاذ أخير قبل نزاع عنيف أو انقسام. 

. خصائص الأنظمة الفيدرالية I
قارن بعض علماء السياسة وعلماء الاجتماع النظام الفيدرالي بـ "زواج المصلحة"، بمعنى أنه علاقة بين شركاء لم يختاروا العيش معًا، ولكن ليس لديهم إمكانية الانفصال. فسوف يُجبرون إما على ترشيد علاقاتهم أو الدخول في صراع دائم مع خطر الانحدار إلى العنف المسلح. نلاحظ إذن أن أي نقاش حول تبني نظام فيدرالي يتطلب مستوى عالٍ من العقلانية السياسية والفطرة السليمة ومهارات في التواصل والاتصال. 
وبالتالي فإن عمل هذا النظام يفترض: 
¶ وضوح البيانات الكمية المتعلقة بالسكان وتوزعهم على المكونات المجتمعية المختلفة التي يجمعها الاتحاد. 
¶ تعيين الحدود الجغرافية للمكونات في حالة ملاءمتها مع مناطق جغرافية محددة. 
¶ الكثير من الشفافية في الحسابات العمومية الوطنية والمحلية، ليس فقط من حيث الإعلان عن الإيرادات العامة وطريقة إنفاقها في المركز و / أو على مستوى المكونات الاجتماعية المختلفة، ولكن أيضًا - والأكثر دقة والأصعب - النسب المئوية لمساهمة كل مكون أو كل منطقة في الدخل العام وحصته من الموازنات المحلية. 
¶ ثمة ثابت واحد أساسي: وجود مركز فيدرالي له صلاحيات محددة في مجالات محددة. وبغض النظر عن عدد المجالات التي يحق لهذا المركز التدخل فيها، فهناك أربع لا يمكن التغاضي عنها:
¶ دستور مشترك يتم تفسير أحكامه من قبل محكمة عليا: في جميع الأنظمة الفيدرالية هناك دستور مشترك، وهو أكثر من مجرد مرجع قانوني، بل هو نوع من الميثاق يجمع مكونات الدولة معًا - يدير ويحكم العلاقات بين المركز والمكونات والأفراد، وذلك من خلال تفسيرها من قبل سلطة قضائية أعلى، مثل المحكمة العليا في الولايات المتحدة. 
¶ السياسة الدفاعية والأمنية المتعلقة بالحدود الدولية والسيادة على المياه الإقليمية والمجال الجوي.
¶ السياسة الخارجية مع الأطراف الإقليمية والقوى الدولية
¶ السياسة النقدية بكافة مكوناتها. 
الاستنتاج الأول: عندما تقتصر الاختلافات والتوترات والصراعات بين مكونات المجتمع غير المتجانس على آليات المشاركة السياسية أو الانتماءات الثقافية واللغوية والتعليمية أو السياسات المالية والاجتماعية، يمكن للنظام الفيدرالي أن يشكل حلاً واقعياً. لم يعد هذا هو الحال عندما توجد اختلافات جوهرية تتعلق بالسياسة الدفاعية وبالسياسة الخارجية وبالمبادئ التوجيهية الاقتصادية والمالية العامة، وبعبارة أخرى الإشكالات المتعلقة بما هو "مشترك" وليس بما هو "مختلف". واضح في هذه الحالة أن النظام الفيدرالي لا يحل شيئاً!! 
الاستنتاج الثاني: مما تم الكشف عنه سابقا يتبين أن الحديث عن الفيدرالية مستحيل في الحالات التالية:
¶ رفض أحد المكونات الاعتراف بوجود مجتمع منقسمًا واعتباره وحدة المجتمع معطى غير قابل للنقاش. 
¶ هيمنة الثقافة والأيديولوجيا الاندماجية، الوحدوية والمتأصلة في الأفكار السياسية في القرنين الماضيين، مما يعزز مفهومًا يعتبر أن القوة مصدرها حصريًا الوحدة.
لا شك في أن تعزيز هذه القيم في ثقافة الطبقة السياسية يضع حداً للبحث في موضوع الفيدرالية قبل أن يبدأ و "يشيطن" المصطلح قبل أن يتم التعريف به علميًا. 

الحالة اللبنانية.II
هذا النموذج "الكلاسيكي" للديمقراطية الفيدرالية مستحيل عملياً في لبنان للأسباب التالية: 
1. من الواضح في الخطاب السياسي أن الفيدرالية وفق الأنموذج اللبناني تقوم على الطوائف الدينية كمكونات محلية رئيسية، وعلى المناطق كمكونات ثانوية. يضاف إلى هذا أنه على الرغم من انتقال السكان القسري في اتجاه التجانس بسبب الحرب، فإننا لا نزال بعيدين عن تطابق المجتمعات والمناطق التي من شأنها أن تسمح بإدارة محلية مستقرة. تحتوي المناطق اللبنانية على "أغلبيات" راجحة و"أقليات قوية"، ستطرح مسألة المشاركة في الشأن العام ضمن النظام الفيدرالي بنفس الطريقة المطروحة الآن. 
2. إن المشاكل الحالية على مستوى الحكومة، والعوامل الرئيسية لكبح المؤسسات، تتعلق تحديداً بالسياسة الخارجية ، والدفاع الوطني، والمشكلات الاقتصادية والمالية. ومن المفترض أن تكون جزءًا من مجال اختصاص الحكومة المركزية (المساحة المشتركة)، فلا يمكن بالتالي استخدام حق النقض لهذه القضايا من قبل المكونات المحلية في حالة اعتمادها من قبل الحكومة الفيدرالية. لذا فإن المشاكل الحالية سوف تستمر في الظهور، حيث أن تبني النظام الفيدرالي لا حول له ولا قوة. 
3. إن وجود " طوائف مسلحة"، لأي سبب كان ، ينسف مبدأ الفيدرالية. فحمل السلاح و"العلاقات الخارجية" التي ينبثق عنها، ويقود الحكومة المركزية كمجال مشترك.
تجبرنا استحالة إقامة ديمقراطية فيدرالية في لبنان على إعادة التفكير في النظام السياسي اللبناني من خلال معيارين:
¶ إعادة تشكيل النظام السياسي وفق مؤشرين: الدولة المدنية كهدف والتنوع المجتمعي كأمر واقع.
¶ إعادة صياغة طبيعة الحكم بالانتقال من ديمقراطية التوافقية إلى نظام اللامركزية الموسعة. 
لتطوير النقاش حول مستقبل النظام السياسي في لبنان، يجب أن يتم توجيهه في الاتجاهين المذكورين أعلاه، وهما إعادة تشكيل النظام السياسي ومقاربة الحوكمة على أساس اللامركزية الموسعة. 
ليس من شأن هذا النصّ نقاش موضوع إعادة تشكل النظام السياسي وهو يستأهل دراسة مخصصة له. 
بالمقابل، سنحاول التفكير في مفهوم اللامركزية الموسعة.
. مقاربة موضوع اللامركزية الموسعة في لبنان اليوم III

1. اللامركزية في إتفاق الطائف
تضمنت "وثيقة الميثاق الوطني" المصادق عليها في الطائف (والتي تتمتع مبدئياً بإجماع واسع) سلسلة من البنود المتعلقة بـ "التنمية المتوازنة" بين المناطق. وتصوغ على وجه الخصوص مبدأ "التنمية المناطقية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المتوازنة، التي تتوافق مع وحدة الدولة واستقرار النظام". وتنشئ أيضًا مجلس منتخب على مستوى القضاء برئاسة القائم مقام بهدف ضمان شكل من أشكال مشاركة القوى المحلية، وذلك "في إطار خطة موحدة للتنمية للبلد ككل". ولا يعترف الميثاق بأي دور للبلديات في عملية التنمية المحلية. 

2. مشروع الوزير بارود
مسودة وزير الداخلية الأسبق زياد بارود لمشروع قانون اللامركزية وثيقة رسمية، أقر عام 2014 وأعلن خلال احتفال رسمي في القصر الجمهوري، بحضور الرئيس ميشال سليمان. 
فيما يلي الأحكام الرئيسية للمشروع:
- الكيان الأساسي لإقامة الحكم اللامركزي هو القضاء بإدارة مجلس منتخب.
- يتمتع مجلس القضاء باستقلال اداري ومالي.
- يلغى موقعي المحافظ والقائم مقام.
- ينقسم مجلس القضاء إلى هيئتين: جمعية عمومية ولجنة تنفيذية تنتخب رئيسها بنفسها. 
- يتمتع مجلس القضاء بصلاحيات تنفيذية في المجالات التالية: تخطيط وتطوير القضاء، والبنى التحتية والموارد المائية والطاقة (الكهرباء)، وحماية الطبيعة والبيئة (الحدائق العامة) والتنمية السياحية، والمشاريع الثقافية، إلخ. 
- إنشاء صندوق مستقل لأموال الحكم المحلي بتمويل من موارد السلطة المحلية ومنح من المركز. يتم تحديد نصيب القضاء وفقًا لمعايير محددة علميًا، مثل مساحة القضاء وعدد سكانه ومستوى تطوره وموارده وقدرته على تحصيل الضرائب.
كما يتضمن مشروع قانون بارود بنودا للمراقبة والرقابة على قرارات ومشاريع مجلس القضاء من قبل السلطة المركزية. كما يقترح نهجًا محددًا لإدارة العاصمة بيروت، كونها عاصمة البلد ومجال للسلطة المركزية وتخضع أيضًا لأحكام الحكم المحلي. 

3. التفكير في توسيع مجالات مشروع بارود 
التعليم قبل الجامعي والعالي:
هناك قطاع غائب تماما عن مشروع بارود يستحق مع ذلك أن يحتل مكانة بارزة في أي مشروع لامركزية، أي التعليم ما قبل الجامعي والتعليم العالي. 
يتولى مجلس الحكم المحلي ملف التدريس في نطاق اختصاصه، وذلك على النحو التالي:
- قبول أو رفض إنشاء مؤسسات أكاديمية جديدة وإجراء دراسات جدوى في هذا المجال حسب احتياجات الكيان المحلي.
- التدخل في تعيين أعضاء هيئة التدريس وتقييم مهاراتهم
- تولي، في مجال التعليم العالي، إنشاء البنية التحتية الجيدة (الحرم الجامعية، الإسكان الطلابي، المقاصف، إلخ)
- تأمين الموارد، أي القدرة على جمع الأموال للتعليم دون الحاجة إلى الرجوع إلى سلطة خارج السلطة المحلية.
تطبيق لامركزية الجامعة اللبنانية:
إنه بالتأكيد المشروع الأكثر إلحاحًا والأكثر أهمية، نظرًا للعدد المتزايد من الاحتياجات الأكاديمية في الوقت الحاضر. يجب أن يتم ذلك من خلال إنشاء خمس جامعات عامة مستقلة تمامًا عن بعضها البعض على المستوى الإداري والأكاديمي والمالي.
المالية:
لمجلس الحكم المحلي الحق في استيفاء الضرائب المحلية أو إعفاء بعض دافعي الضرائب من أفراد أو شركات وفق خططه التنموية، مع إمكانية إبلاغ المركز لاحقًا.
يجب أيضًا التخلي عن فكرة إنشاء صندوق موارد مالية مركزي. وسيتم دفع حصّة المركز إليه ودفع حصة الحكومة المحلية في حسابات هذه الأخيرة. 
الأمن:
- ستكون الحكومة المحلية قادرة على تجنيد الشرطة وقوات الأمن مع الحق في التدخل فقط في النطاق المحلي.
- ستكون هذه الوحدات تابعة للحكومة المحلية ولن تخضع لأي سلطة خارجية أخرى إلا بعد موافقة الحكم المحلي.
الطاقة:
سيتعين على الحكومة المحلية ممارسة اختصاصها في مسائل الطاقة وإنتاج الطاقة من خلال تفويض فعاليات اقتصادية محلية إنتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية داخل نطاق الحكم المحلي. 
الملكية العقارية:
قد يكون للحكومة المحلية سلطة التشريع في المسائل المتعلقة بقوانين الملكية العقارية المطبقة على غير اللبنانيين في نطاقها. 
مدخل لترسيخ ممارسات جديدة في مجال المشاركة السياسية 
إذا تأكد مما سبق أن السلطات التي تدخل في اختصاص المركز لا تزال غير قابلة للمس، انما من المفيد أن تخضع لاحتكام الموافقة الشعبية في شكل استفتاءات أو اقتراعات أو استطلاعات رأي داخل كل كيان من كيانات الحكم المحلي. يفترض هذا إدخال التشاور عن طريق الاستفتاء في الممارسات السياسية اللبنانية حول القضايا الخلافية الرئيسية، تلك المتعلقة بالسياسة الخارجية والدفاع الوطني والقرارات الاقتصادية والنقدية الرئيسية. 

خاتمة 
إن المهمة الأهم والأكثر تحديدًا هي التربية والتعليم الهادف إلى تكوين الموارد البشرية والمهارات ذهنيًا وثقافيًا لممارسة "اللامركزية". لقد حان الوقت لوضع حد للثقافة السياسية "اليعقوبية" ولفلسفة التجانس الثقافي والسياسي، وهي من مخلفات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. لقد حان الوقت أيضًا للتخلي عن الأفكار المسبقة التي تفترض أن أي إدارة خارج مركزية معينة هي نتيجة للخيانة أو التقسيم أو الانعزالية. 
هذا الشكل من الحوكمة يجعل بشكل فعّال وعملي من الممكن تحقيق الشفافية والمساءلة ومساءلة المسؤولين ويمكن أن يشكل أيضًا معلمًا هامًا في مكافحة الفساد.