الجمعة - 30 أيلول 2022
بيروت 26 °

إعلان

الانتخابات الرئاسية "الأسدية" تكريس لواقع التقسيم

المصدر: النهار
الرئيس السوري بشار الاسد
الرئيس السوري بشار الاسد
A+ A-
جوان ديبو
 
الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في 26 من الشهر الجاري من قبل النظام الأسدي في المناطق الواقعة تحت سيطرته، بمعية روسيا وإيران، تعتبر بمثابة تكريس لحالة التشظي التي تعيشها سوريا والإقرار الضمني من قبل نظام الأسد بواقع التقسيم الذي بدأ وكأنه مزحة حتى تحول تدريجياً الى حقيقة مشيدة بالدم ومعززة بالإرادات الدولية والإقليمية والوكلاء المحليين. 
 
النظام السوري يدرك قبل غيره بأن هذه الانتخابات، أو بالأحرى هذه المسرحية الهزلية التي تندرج في عداد الكوميديا السوداء، ستقام فقط على جزء من الجغرافية السورية الممزقة قد يتجاوز بقليل نصف مساحة البلاد او بالكاد قد يبلغ الثلثين. بالإضافة الى دراية النظام بأن أقل من نصف الناخبين، وأغلبهم مغلوبين على أمرهم، القاطنين في المناطق المحكومة من قبل اجهزة وجيش النظام سيصوتون فقط في هذه الانتخابات العبثية. 
 
حوالي 6 ملايين سوري يعيشون كلاجئين في تركيا ولبنان والاردن والعراق لن يشاركوا في هذه الانتخابات. أيضاً هناك ستة ملايين نسمة تقريباً يعيشون في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية المدعومة من أنقرة مثل إدلب وفي بقية المناطق المحتلة مباشرة من قبل تركيا، جميعها لن تشارك في هذه الانتخابات. الملايين من الناخبين الذين يعيشون في مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وخاصة الأكراد، أيضاً، لن يشاركوا في هذه الانتخابات. هذا ما عدا المغتربين في بلاد الشتات الذين لن يصوت أغلبهم في هذه المهزلة. 
 
نظراً لجملة هذه الحقائق مجتمعة فإن إصرار النظام السوري على تقديم هذا العرض المسرحي الهزلي هو إقرار ضمني بواقع التشطير الذي تعيشه سوريا واعترافٌ به وإضفاء الطابع الشرعي عليه خلافاً لما تُظهره ماكينة النظام الإعلامية. وهذا بدوره يوحي الى أن النظام يمهد ويستعد للتعامل الرسمي مع واقع التقسيم على كافة الأصعدة الإعلامية والسياسية والإدارية والاقتصادية والتجارية، هذا الواقع الذي كان للنظام ذاته اليد الطولى في الإتيان به. 
 
ما يعزز هذا الاستنتاج هو تضافر مجموعة من المؤشرات والعوامل التي ساهمت مجتمعة في تبلوره في صيغته الأولية. اولاً: النظام لا يجرؤ على الإقدام على هذه الخطوة لو لا الحصول على الضوء الأخضر من روسيا، هذا إذا لم تكن التمثيلية برمتها من تأليف وإخراج روسيا وبطولة الكومبارس بشار الأسد. وهذا يشير الى اقتناع روسيا الضمني بصعوبة إن لم يكن باستحالة إعادة بسط هيمنة النظام الأسدي على كامل الأراضي السورية، لا في المستقبل المنظور ولا حتى في المستقبل البعيد وذلك لوجود لاعبين دوليين وإقليميين آخرين منخرطين في المأساة السورية ولهم أجندات مغايرة كلياً عن الأجندات الروسية. 
 
ثانياً: تتزامن هذه الانتخابات مع نشر تقارير "مسربة" مفادها ان موسكو قد قدمت عرضاً للجانبين التركي والأميركي يتضمن الالتزام بهدنة طويلة الأمد بين قوات النظام السوري من ناحية وقوات المعارضة السورية المدعومة من أنقرة في شمال غرب البلاد من ناحية ثانية. كما يشمل العرض الروسي، وفقاً لتلك التقارير، مقترحاً بإنشاء معابر نظامية دائمة بين مناطق النظام والمعارضة لتخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية والمعيشية الخانقة التي تعصف بالسوريين منذ اندلاع الحرب الأهلية في 2011. في هذا السياق، سبق لروسيا وتركيا ان قاموا بإعادة فتح بعض المعابر في إدلب وحلب في شهر آذار المنصرم بعد تعثر الإيفاء بكل التعهدات التي انبثقت عن عديد تفاهماتها الهشة في سوشي وآستانا. 
 
 المقترح الروسي لا يعتبر فقط اعترافاً ضمنياً بواقع التقسيم وإنما آلية للتعامل والتأقلم مع متطلباته. وربما يعكس هذا المقترح النوايا الروسية المبطنة تجاه شرعنة التقسيم الراهن لاحقاً لاقتناع روسيا باستحالة تطبيق الحل السياسي في سوريا وفق القرار الأممي 2254 المنتهي الصلاحية. بتعبير أدق، الاقتراح الروسي والانتخابات الرئاسية في مناطق النظام هي بمثابة ارهاصات تشي بدنو النهاية الرسمية للحل السياسي في سوريا استناداً الى القرار الدولي 2254 وضرورة إيجاد البديل الأنسب والأكثر مواءمة مع خصوصية الصراع والنفوذ في سوريا. عندما صوتت روسيا لصالح القرار 2254 في ديسمبر 2015، كان ذلك بعد تدخلها العسكري المباشر في سوريا بثلاثة أشهر فقط. جاءت الموافقة الروسية على القرار آنذاك كتكتيك ريثما يتم إنقاذ نظام الأسد الذي كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط الوشيك، وبعدها بفترة وجيزة عندما مالت الكفة تدريجيا لصالح النظام بعد استبسال روسيا تنصلت الأخيرة من التزاماتها حيال ذلك القرار الأممي. 
 
استناداً الى سير الأحداث والتطورات فإنه من المتوقع أن تعمد روسيا رسمياً في قادم الوقت الى اقتراح البديل عن القرار الأممي 2254 الذي عفى عليه الزمن ولم يعد صالحاً للتطبيق بعد أن تبدلت جذرياً موازين القوى في الميدان لصالح الحلف الروسي الأسدي الإيراني على حساب انحسار نفوذ المعارضة الموالية لتركيا الأردوغانية التي تاجرت بدورها مرارا وتكرارا بالمعارضة والقضية السورية. 
 
البوابة الاقتصادية والإنسانية في سوريا ستكون المدخل الذي ستسلكه روسيا من الآن فصاعدا بهدف إشاعة السكون في ساحات المواجهات بين النظام وروسيا من جهة والمعارضة وتركيا من جهة ثانية وصولاً الى الاستقرار المنشود الذي من الممكن ان يترتب عليه لاحقاً إما صيغة جديدة للحل السياسي مختلفة جذرياً عن سابقتها أو التعايش مع واقع التقسيم الى أجل غير مسمى. ببساطة لم تعد روسيا قادرة على دفع المزيد من الفاتورة الباهظة للحرب العبثية في سوريا، خاصة وانها لم تبدأ بعد في جني وتعويض بعض مما خسرتها خلال هذه الحرب. 
 
يبدو أن التقسيم الميداني في سوريا بين النظام وروسيا وإيران من ناحية أولى والمعارضة السورية المسلحة المدعومة من تركيا من ناحية ثانية وقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والمدعومة أمريكياً من ناحية ثالثة وأخيرة على وشك الولوج لحقبة جديدة ومسار جديد يضفي على التقسيم حالة من الشرعية الضمنية غير المباشرة وغير المعترفة علنياً ورسمياً. قد يستتبع ذلك لاحقاً استحقاقات سياسية ودستورية، وما الانتخابات الرئاسية "الأسدية" والمقترحات الروسية ذات المضامين "الاقتصادية والإنسانية" سوى إيذان بدنو هذه المرحلة. 
 
ترمي روسيا من وراء هذه البادرة الى تعويم وتطبيع فكرة الفيدرالية وترويض المتصارعين المحليين على قبولها تدريجياً والتعاطي معها بواقعية وبراغماتية على أمل أن يؤدي ذلك في المستقبل الى إقناع الفرقاء المتحاربين وخاصة نظام الأسد أو من سيخلفه على قبول فكرة النظام الفيدرالي او اللامركزية في سوريا. خاصةً، ان روسيا سبق لها وان اقترحت مثل هذا الحل في الماضي القريب، مع أن بوادر نجاح ذلك لا يلوح في الأفق السوري المسدود جداً بأنهار الدماء التي سالت ومئات الآلاف من الارواح التي أُزهقت قرباناً على مذبح الأسد المدعوم روسياً وإيرانياً والمعارضة السورية المتشددة المدعومة تركياً وقطرياً. 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم