الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 27 °

لماذا يدق أردوغان طبول الحرب ضد اليونان؟

المصدر: النهار
Bookmark
رجب طيب اردوغان
رجب طيب اردوغان
A+ A-
سليم نصار
 
بعد تأليف "حزب العدالة والتنمية" في تركيا، حرص رجب طيب اردوغان في خطاباته السياسية على التذكير بفتوحات الامبراطورية العثمانية.
وبما أنه كان مسكوناً بهواجس إحياء ذكرى السلطان محمد الثاني الذي استولى على القسطنطينية، فإن عدداً كبيراً من الشعب التركي كان يرى فيه الأمل المرتجى لبعث تلك الحقبة التاريخية.
ولما وصل الى سدة الرئاسة، استغل حقبة مصطفى كمال أتاتورك ليزعم أنه النسخة الجديدة المؤهلة لإعادة إنتاج تلك المرحلة الصعبة. كذلك إدعى محازبوه بأنه سيعيد أمجاد الامبراطورية العثمانية التي بسطت نفوذها على أوروبا الشرقية وآسيا الصغرى طوال أربعة قرون (١٥١٦ - ١٩١٨م). 
الإنتكاسة الأمنية والسياسية التي واجهها اردوغان تمثلت في العصيان السلمي الذي شنه فتيان درعا في ٨ آذار (مارس) ٢٠١١. وبدلاً من توظيف الاضطرابات السورية المحلية لصالح أنقرة، فقد تعاظم خلافهما، خصوصاً بعدما لجأ مليونا نسمة الى داخل الحدود التركية. وفي الوقت ذاته لجأ ثلاثة ملايين سوري الى لبنان والأردن.
وبما أن ثورة "الربيع العربي" وصلت متأخرة الى سوريا، أي بعد ثورات تونس وليبيا ومصر، إلا أن اردوغان اعتبرها من إنتاج الدعوة الإسلامية التي يتزعمها.
عندما اندلعت حركات "الربيع العربي" رأى اردوغان نفسه السلطان الأوحد لمعظم الدول التي انهارت أمام موجة التغيير. وقد حاول الرئيس التركي احتواء النظام المصري، خصوصاً خلال المرحلة الأولى من حكم "الإخوان المسلمين". ولكن الإنقلاب الذي قام به عبدالفتاح السيسي خيّب آماله. لذلك تحول بعد وقت طويل الى راعي حكومة الوفاق في ليبيا. وقد وقع السنة الماضية سلسلة اتفاقيات مع فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني. وعندما أصدر مكتب الاتصال في حكومتي البلدين حصيلة التعاون الأمني والعسكري، أعلنت على الفور حكومة شرق ليبيا، المناهضة لحكومة الوفاق في طرابلس، اعتراضها على شرعية الاتفاقات. واعتبر الجنرال الانقلابي خليفة حفتر أن اردوغان يحاول الإلتفاف على إيطاليا واليونان وسائر الدول الأوروبية عبر الاتفاقيات التي عقدها مع الحكومة الليبية في طرابلس.
وردّ عليه اردوغان، عبر التلفزيون الرسمي، إن دعوة من الحكومة الليبية المعترف بها دولياً تخوّل تركيا الحق في إرسال قوات.
وقد تعرض تصريحه الاستفزازي لإثارة غضب اليونان ومصر وقبرص اليونانية. كل هذا لأن الرئيس التركي يصعد النزاع على الحدود البحرية والموارد الطبيعية شرقي البحر الأبيض المتوسط. خصوصاً بعدما فشلت محاولات التنقيب عن النفط والغاز ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص. وقد أثار هذا التحدي حفيظة الدول المعنية مثل مصر واليونان وقبرص اليونانية.
وعلى الرغم من علاقة الصداقة التي تجمع بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب اردوغان، إلا أن خلافهما على انتقاء عناصر الحكم الصالحة لليبيا قد دق إسفين النزاع بينهما. وقد كشفت تقارير الأمم المتحدة أن روسيا عززت دعمها اللوجستي لمجموعة حفتر في ليبيا بحوالي ٣٣٨ رحلة شحن عسكرية انطلقت من المطارات السورية.
والملفت أن بوتين أنكر دعمه العسكري، متهماً جهات أخرى بتأمين فلول المرتزقة. وكان بهذا التلميح يشير مداورة الى اردوغان الذي زوّد حلفاءه بأكثر من ٦،٧٠٠ مرتزق نقلتهم طائراته من منطقة إدلب. وتقدر الاستخبارات الليبية عدد المسلحين المرتزقة الذين يمثلون دولاً مختلفة بعشرين ألف عنصر.
ومن الطبيعي أن يثير هذا التهافت على ليبيا أسئلة عديدة تتعلق بأهمية هذا الموقع المرغوب. والأسباب كما يعزوها الليبيون عديدة:
أولاً - الأهمية الاستراتيجية التي يعبر عنها بأطول شاطئ يطل على إيطاليا وسواها من الدول الأوروبية.
ثانياً - اكتشاف النفط وسهولة نقله الى الدول المستوردة، بعكس الكلفة التي تحتاجها ناقلات النفط العملاقة القادمة من الدول الخليجية.
ويؤكد خبراء الطاقة أن نفط ليبيا تضاعف إنتاجه بعد سبع سنوات من اكتشافه، بحيث بلغت كمية الإنتاج ستة ونصف بالمئة من كمية الإنتاج العالمي. ووعد في حينه معمر القذافي بمحاولة الاقتراب من إنتاج السعودية وايران.
ثالثاً - بسبب قلة الكبريت في النفط الليبي، فقد ازداد الإقبال على استعماله. وفي سنة ١٩٦٩ بلغ إنتاج النفط الليبي ثلث ما تستورده أوروبا الغربية. وفي سنة ١٩٧٠ وصل الإنتاج الى ٣،٥ مليون برميل.
وبسبب الثراء الوفير الذي يمتلكه أي حاكم ليبي، فإن الدول التي تتاجر مع هذه الدولة القليلة السكان لا بد أن تكون محظوظة. وهذا ما كان يشعر به حكام موسكو الذين اختارهم القذافي لملء ترسانته. وكانت الصفقة الأولى مؤلفة من ألفي دبابة، وأكثر من ألف صاروخ سكود. والمؤسف أن هذه الترسانة الضخمة لم تستطع حماية معمر القذافي من غضب الشعب يوم الخميس ٢٠ تشرين الأول (أكتوبر) سنة ٢٠١١.
عقب استقالة الوزير اللبناني السابق الدكتور غسّان سلامة من مهام رئاسة البعثة الدولية في ليبيا، كتب عبدالرحمن شلقم مقالة في "الشرق الأوسط" عدّد من خلالها المتاعب التي واجهها غسّان طوال سنتين تقريباً.
ويعزو الوزير الليبي السابق شلقم أسباب تعثر المبعوث الدولي إلى قانون العزل السياسي الذي صدر بعد مقتل معمر القذافي. 
ويقارن في مقالته بين ما فعله "الربيع العربي" في تونس ومصر حيث انهارت السلطة الحاكمة وبقيت الدولة… بينما قضى قانون العزل السياسي في ليبيا على النظام وعلى الدولة معاً. لهذا السبب وجد رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج في تركيا الدولة البديلة لليبيا المغيبة. كذلك اعتبر الجنرال الانقلابي خليفة حفتر في الدول التي تسانده، مثل الامارات ومصر وروسيا، سنداً لا يقل عن أهمية السند العسكري الذي تؤمنه له المليشيات المسلحة.
بقي السؤال المتعلق بالهدف البعيد الذي يتوخى اردوغان من وراء تحقيقه سحب بوارجه الحربية من البحار، وحصر نشاطه في مكان آخر غير ليبيا أو قبرص.
مصادر الأمم المتحدة تشير الى مضمون مقالة نشرها الرئيس التركي اردوغان في مجلة "فورين بوليسي". وهي تطرح عرضاً شاملاً لأهمية إعلان تركيا دولة صالحة للإنضمام الى الدول الخمس التي يتألف منها مجلس الأمن. والغاية الكامنة من وراء هذا الطلب هو موافقة مجلس الأمن على إعادة ترسيم الحدود البحرية بين بلاده واليونان. وحجته أن مصطفى كمال اتاتورك كان مشغولاً في العشرينات من القرن الماضي بأمور تتعلق بمستقبل تركيا بعد سقوط الامبراطورية. لهذا استغلت اليونان تلك الفرصة لضم عدة جزر تركية الى مجالها السيادي. وكل ما يطلبه اردوغان - عبر وسائل التهديد - هو قبول اليونان بإعادة ترسيم حدودها
البحرية من جديد.
صحافي لبناني