الجمعة - 03 كانون الأول 2021
بيروت 15 °

إعلان

"مانشاللّاش"

المصدر: "النهار"
قصّة في فرن...
قصّة في فرن...
A+ A-
علي حمدان
 
الزبائن في باحة منزلها أمام القبو الصغير حيث أجلس خلفها، تغمس يداها في كاسة الزيت وتقوم بفرد المشطاح على "دف" الرخام أمامها قبل ادخاله الى الفرن، تطلب من إحدى نساء القرية التي انتهت من تناول منقوشتها للتّو مساعدتها "بالأملية" بفرم القليل من البندورة، "مش عم لحق شو بدي اعمل" ترمقني قائلة، فضحكتُ، وذكّرتها بطلبها الى أنطوني رحيل مناولتها وعاء الخضار من خلفه خلال تصويره إحدى حلقاته معها، "بنت سلفي بتقلي انت اذا اجا نبيه بري بتشغليه"، أجابتني ضاحكة وهي تقلب عجينة الجريش واليانسون وطحين القمح الكامل داخل بيت النار، والتي اشتهرت بها "سهجونة" في قريتها النميرية، في قضاء النبطية، منذ أكثر من عشرين عاماً، ولمّا تزل.
 
 
كل الأعمال الموسيقية التي نعرفها، الراقية منها والرديئة، مؤلفة من ثماني نوتات فقط لا غير. كلّ المقطوعات التي أصبحت عالمية في ما بعد، ألّفها أصحابها بنوتات ثمانٍ لا تاسع لها، "سهجونة" عزفت بالمتاح أيضاً؛ أعالت نفسها بعد وفاة زوجها باكراً بما يليها من خضار وقمح ويانسون، فابتكرت عجينة الجريش الشهية من لا شيء. لا تحتاج ريادة الأعمال الى مؤتمرات وبيئة حاضنة وخطابات تحفيزية ملهمة ربما، قلت في نفسي، وسحبت هاتفي كي ألتقط صورة للمخبوزات التي خرجت لتوها من الفرن حين سألها احد الزبائن عن حسابه لتجيبه "ستَّعشر الف"، ليمد يده بالمال ممازحاً بالقول "دولار ولا لبناني؟"، فخفتت البسمة على وجهها، اعطته اربعة آلالف ليرة وتمتمت فيما باشرت بتحضير طلبيتي "دولار يا دولار... ليش خلو دولار... الله يهدُّن" ثم ناظرتني سائلة: "2 بندورة وبصل قلتلي؟"، فأومأت برأسي ايجاباً، "ما بقا ينشرى شي، كيلو البندورة بسبعة صاير"، قالتها بصوت عالٍ، كأنها تبرر الارتفاع الطفيف في أسعارها، فبادرها خمسيني يجلس في الخارج بلهجته الجنوبية: "العالم مخروب بيتهي، بتروحي عالبنك بيشحدوكي القرش شحادة"، لترندح له من الداخل "شكور ربك عم يعطوك، اني بطلو يعطوني!". هل لديك مدخرات في البنك؟ سأتلها: "تحويجة العمر متل ما بيقولو... بعد يرجع شي منن قولتك؟" فكدت ابتلع لساني! ماذا اخبرها؟ أاقول لها ان ما تقشفت لآدخاره قد تبخر؟ وأن أموال الأرامل مثيلاتها قد بدّدته هوانم الزعماء على خواتمهنَّ البرّاقة؟ "منقول الحمد لله يا ابني... الحمدلله". تحمد الله سهجونة، والحمد في الرخاء ترف، لكنه في الضيق عجز وخذلان... وايمان ربما.
 
تغيّرت القرى، كما تغيرنا نحن وتغيّرت أحوالنا، لا للأفضل، ولا للأسوأ، إنما للأغرب. قرأت أنّ الخبز كان مصدر السعادة لمن يحظى به في روما القديمة، وهو أضحى كذلك بالنسبة إلينا هنا. تماثلنا مع الرومان أخيراً، بالفقر والأمجاد البائدة. سألت سهجونة عن معنى اسمها الغريب، فأخبرتني أنّها سميّة جدتها، وأن اسمها الحقيقي فارسي، وهو شاه زنان، لكنه تحوّل في القرية تدريجياً الى سهجنان، ثم سهجونة. سألت صديق يتقن الفارسية عن معنى اسمها، فأخبرني بأنّ شاه زنان يعني ملكة النساء، وهي كذلك. أما ملوك طوائفنا، فلو أُوكلت اليهم مهمة ادارة شؤون البغال، لامتعضت البغال.
 
لكننا صامتون، ومنافقون نشكو كثرة النفاق ليس إلا. "إن الله مع الصابرين" أصبحت بروباغندا. أخذت مناقيشي وخرجت من عند شاه زنان بحُزنين. "مانشالَّلاش"، مصطلح لبناني متعارف عليه في قرى الجبل وهو مرادف لـ "لا قدر الله"، أي عكس "انشالله" تماماً. يقولون أن لبنان انتهى. نقول "مانشاللّاش".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم