غبار ومنحدر

غبار ومنحدر
أبنية مدمرة في أعقاب القصف الإسرائيلي على غزة (أ ف ب).
Smaller Bigger
رياض بيدس

غبار
تشبثوا به بقوة، لكنه تفلّت أخيرا من قبضاتهم وانطلق كالسهم صوب بيته. خطوات قليلة ويصل اليه. لا بد أن يصل بلمح البصر، أن يحميه، أن يحافظ عليه، أن يضمه الى صدره، أن يحتويه بين ذراعيه الهزيلتين، أن يتذوّق كل الذكريات الجميلة وحتى المرّة التي عاشها فيه مع عائلته. أفراد العائلة بعيون مبحلقة وقلوب خائفة ينظرون الى الوالد والبيت معا، بنظرات حائرة مرعوبة يحاولون قياس مسافة البعد، أمتار قليلة، يسقط في أيديهم، البعض يطاردون الأب لإنقاذه من موت زؤام، لكن لا أحد يستطيع.
على بعد خطوة من البيت يُسمع صوت دوي مصمّ للآذان والروح: "بمّ"، انفجار. البيت يتحول الى كومة من الخراب والدمار والحب والذكريات والأطلال والحنين. الأهل يصرخون ويدبون الصوت، آخرون يفغرون الأفواه. لم يبق هناك بيت. أين الأب؟ بعد نوبة من الرعب والغبار والردم لا يجدون أثرا للأب. يصرخ أحدهم بصوت فجائعي: "أين الأب؟!". لا بد أنه طمر تحت الردم. يبحثون، لا أثر له. أكوام من الباطون الصلد والتراب والخشب والأسمنت مدمر، لا أثر. يتابعون البحث عن الوالد، بحثوا ما يزيد على الربع ساعة أو أكثر. وجدوه. كان جثة هامدة ، ما من نبض. مات الأب، البيت زال. تحول أثرا بعد عين، الى أطلال. العائلة والجيران يتبادلون نظرات حزينة ومصدومة ودموعا تحفر في غبار بعض الوجوه. غبار خفيف يتطاير فوق كوم الردم الكبير!

المنحدر
كان المنحدر حادا جدا. لطالما وقف أعلاه وتأمله مع كثير من التساؤلات. هل باستطاعته أن ينزل حتى أسفله؟
حرّك قدمه اليمنى فواجهت فراغا وعراء. مرعب. ما الذي يجعله يفكر في تحدي هذا المنحدر؟! ما الذي سيثنيه عن هذا النزول؟! وماذا سيحدث اذا زلّت قدمه وسقط سقطة قوية لا نجاة ولا شفاء منها؟! سيرد موارد التهلكة لا محالة. عليه أن يتروّى.
أطلق زفرة طويلة مع "أوف" ممدودة. لا بد أن يتراجع عن المحاولة. لا بد أن يعود لئلا يسقط. ثم ما الذي يحفزّه الآن على محاولة النزول؟! كثيرا ما مرّ أثناء مشيه على مقربة من أعلى المنحدر واستمر في رحلته دون أدنى رغبة في النظر الى الهوّة. لكن شيئا ما يشده اليوم لأن ينزل ويبحث عن شيء ما. أي شيء سيجده في الأسفل؟ رويدا رويدا وهو موتور كالقوس بدأ يجلس على طرف المنحدر ويمد رجليه الى الأسفل. فراغ مدو. ماذا لوسقطت مرة واحدة كاللغم؟! يجب أن أسحل على التراب والصخور الناتئة ببطء شديد!
تدلّى بحذر وتأنّ. كانت قدماه في شبه فراغ. أحكم الامساك بطرف المنحدر. كان هناك تراب ناشف جدا. وتدريجيا بدأت بعض الصخور بالبروز والنتوء. للحظة شعر بأسف وندم على خطوته الجنونية هذه. عليه الآن أن يستمر في النزول. كانت الصخور الحادة تساعده في النزول.
جاهده العرق. أحس أن مغامرته هذه ربما ستكون الأخيرة. نظر الى الأعلى. صار الأعلى بعيدا، والقاع قريبا. ماذا سيحدث لو سقط؟! حتما سيموت. تبلّد احساسه من الخوف وواصل الإمساك بالصخور الناتئة وبعض التراب أحيانا. بعد ثوان بدت أنها امتدت لأيام أو شهور، لم يعد ينظر الى الاسفل، بل تابع النزول. وعندما وصل الى قاع المنحدر تنفس الصعداء. لقد استطاع الوصول ربما بأعجوبة. نظر الى أعلى: كان مرتفعا جدا.
نظر حوله وحدث نفسه سأتابع طريقي من القاع، وبعدها حتما أعود أدراجي الى الشقة. فالشقة ليست بعيدة.
شعر بسعادة وهو يخطو بقوة وثبات، كما لو ربح حياة جديدة لا تشبه أية حياة سابقة!

الأكثر قراءة

العالم العربي 12/3/2025 12:22:00 PM
لا بد من تفكيك شبكات التمكين الإسلامية داخل الجيش السوداني، وعزل قادته الموالين للإخوان... فهذا شرط أساسي لأي دعم دولي لعملية السلام.
المشرق-العربي 12/3/2025 12:18:00 PM
ياكواف كاتس، وهو أحد مؤسسي منتدى السياسة MEAD، والباحث البارز في JPPI، ورئيس تحرير السابق لصحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية، يجيب عن هذه الأسئلة في مقال له، ويشير إلى الفوارق بين الماضي والحاضر.
المشرق-العربي 12/3/2025 2:17:00 AM
يطالب القرار إسرائيل بالانسحاب الكامل من الجولان
سياسة 12/4/2025 10:43:00 AM
أمرت الحكومة العراقية بتجميد جميع أموالهم وأصولهم...