الثلاثاء - 13 نيسان 2021
بيروت 17 °

إعلان

قراءة في لوحة "نارليب" للرسّام شوقي دلال... العالم المتوحّش

المصدر: "النهار"
لوحة "نارليب" للرسَّام شوقي دلال.
لوحة "نارليب" للرسَّام شوقي دلال.
A+ A-
عاطف الدرابسة - الأردن - كاتب وناقد وباحث
 
حين أُبحرُ في عملٍ فنِّي إبداعي، تتداعى إليَّ مجموعة من الرموز أو الإشارات التي تتحوَّلُ إلى رموزٍ صادمةٍ، منبثقةٍ من الواقعِ النَّفسي والاجتماعي، والسِّياسي، والذَّاتي، لا من الواقعِ الخيالي النَّمطي الحالمِ، فتصيرُ الألوانُ والوجوهُ والدِّلالات الرمزِّية تحملُ معانيَ يعيشُها المجتمعُ، تُعبِّر عن واقعه، وصراعاته حيناً، وحيناً آخرَ تُظهرُ العوالم رموزاً، متعدِّدَة الدِّلالاتِ، حين تخرجُ من الصُّورةِ المألوفةِ لتُصبحَ مرايا للتَّعبيرِ عن مشاكلِ هذا العالمِ، وصراعاتِ الذَّاتِ فيه، وقيودِ المجتمعِ، وسلطةِ القوى، والتي لا تنفصلُ بحالٍ من الأحوالِ عن قضايانا، بل تأخذُ على عاتِقها تعريةَ المجتمعِ، والتدقيق في صورةِ الأضدادِ كقطبينِ لكلِّ ما هو وجوديٌّ، واستحضار ذلك الصِّراعِ بين الظَّاهرِ والمُحتجبِ، والذي يتماهى مع التَّعقيداتِ في الأحاسيسِ، والأفكارِ، والانفعالاتِ، التي تتجادلُ وتظهرُ من خلال تحويرِ الأشكالِ، وتشويهِ القوالبِ، وتمازجِ الألوانِ المُحمَّلِ بالدِّلالاتِ، في تشكيلاتٍ تتسمُ بالحركةِ والاضطرابِ، مُحمَّلةٍ بالإيحاءاتِ والدِّلالاتِ، التي تظهرُ على شكلِ انحناءاتٍ وإسقاطاتٍ، وخطوطٍ، وزوايا، ونقاطٍ، والتي ربما تعكسُ أحياناً كثيرةً تمرُّداً وتصادُماً مع كلِّ ما هو سائدٌ وسارٍ وقارٍّ، ممَّا يُتيحُ لنا إعادةَ النَّظرِ بالعلاقاتِ بين الأشياءِ مع كلِّ ما هو حولها، ضمن شروطِه المُحتجِبةِ الجديدةِ، في محاولةٍ لقياسِ الاضطراباتِ، والإشكالاتِ، والاختلافاتِ.

والواقعُ أنَّ المتلقي هو الذي يضيف على العملِ الإبداعي سواءٌ أكان لوحةً أم قصيدةً أم روايةً، بمقدار ما تمرُّ بمشاعره، وأحاسيسه، ووعيه، وذائقته، فإحساسنا بالأشياء ليس ردَّ فعلٍ، وإنَّما هو فعلٌ، على أن يكون هذا الفعلُ مرتبطاً بما يختزنه الوعي من ثقافةٍ وفكرٍ، وفهمٍ في الجواهرِ والماهيَّاتِ، فما كانت هذه القراءةُ للوحتكم اللافتةِ إلا استجابةً لها، بمقدار ما مرَّت بمشاعري وأحاسيسي، ولم تكن قراءة منهجيَّة، وإنما هي قراءةُ لوحةٍ تواشجت مع رؤيتي للعالمِ والأشياءِ، إذ لفتتني جملةُ المجازاتِ، والانزياحات، والانحرافات التي تحفل بها هذه اللوحة، على مستوى الرُّؤيةِ والبناءِ؛ أي التشكيل وطريقة التشكُّل، فبدت لي عبثيَّةً، تعكس عبثَ الواقع، وبدَت لي رامزةً من خلال التَّجريد، وبدت لي غامضةً كغموضِ اللوحات السِّيرياليَّة، وهو غموض شفَّاف يجعلكَ تُحلِّق بين غيومه، فتستقرئ أفكاراً رامزة للتِّيه، والتَّخلف، والتَّطرف، وعقم التفكير، كأنَّكَ في عالمٍ مهووسٍ بالتخلف والانحدار.

هذه اللوحةُ جاءتني كقصيدةٍ شديدةِ الغموضِ والتعقيدِ، كمسرح الهذيان والجنون، كفلسفةِ العبثِ واللامعقول، قرأتها على غير وجهٍ، ومارستُ عليها طقوس اليوغا والتأمُّل، استدعيتُ فيها الثَّور المُجنِّح، وربَّات الأساطير.
 

وقفتُ أمام حبرٍ ولونٍ وماءٍ وقماشٍ، لا أعرفُ حجمَ اللوحةِ أو مقاسها، فتداعى إلى مُخيِّلتي أنَّني أمام لوحةٍ شديدةِ التركيب، تُجسِّدُ طوراً من التجريب، رأيتُ فيها التصويريَّة تتماهى مع السيرياليَّة، ورأيتُ السيرياليَّة تتعالقُ مع التجريد، ورأيتُ ذاك الشكل، فقادني هذا إلى اللامعقول ليكونَ معقولاً، فإذا بي أمامَ شكلٍ بلا هوية، قابلٍ للتحوُّل، مقدّمته امرأة، جسده يتماهى مع الحصان، وإذا اختلفت الزاوية رأيته حشرة تتسلَّقُ جداراً، وإذا ما نظرتَ إليه من علٍ وجدتَ الجدارَ يؤول إلى تمساح، والرأس يأخذنا إلى الوراء، وتلك الأسهم تجعلنا نعيش في عالم فقد البوصلة، بلا اتجاه.

رأيتُ في هذا العالمِ ذاتي، واكتشفتُ فيه عالماً مشوَّهاً، أو لنقل شرقاً مشوَّهاً، بلا هوية، وبلا هدفٍ؛ وإذا ما تأمَّلتُ اللون الأخضر، الذي جاء على غير درجة ظهرت أمامي تلك الكائنات الصغيرة المتطفلة؛ وإذا ما أبحرتُ أكثر في هذه اللوحة، تكشَّفت لي عبثيَّة الأطراف، لا أعرف إن كانت أيدٍ مبتورة، أو كانت مخالب مُحتجِبة، المهم أنَّ الحركة كأنَّها لا حركة.

تلك اللوحةُ تأخذني إلى عالمٍ متوحِّشٍ، مقنَّع، فإذا بدا لك الوجه وجهَ حيوانٍ أليفٍ، تجده يحجب خلفه تمساحاً، وإذا نظرنا إلى انتقالِ الرأسِ من الأمامِ إلى الذيلِ، أدركنا زيف الحضارةِ وتخلُّفِها؛ فكلما حسبنا أنفسنا نسيرُ إلى الأمام، إذا بنا نتحرَّكُ بخطواتٍ مضطربةٍ تجرُّنا إلى الخلف.

إنَّ هذا الكائن الأسطوري مثقَلٌ بالرَّمز والإيحاء، لا يعرفُ أين تأخذه تلك الأسهم، فهي تجعله في حالة دوارٍ وغثيان، كأنَّنا أمام حضارة الغثيان.

ولكن لا أعرف إلى أيِّ مدى تمكَّنتُ من قراءةِ هذه اللوحةِ التي تحتاجُ إلى تقصٍّ حقيقي للجانبِ التجريبي فيها، فتوظيف الفنان شوقي دلال لغيرِ مدرسةٍ في الفنِّ، يُوحي بثقافته الفنيَّةِ العاليةِ، وقدرتِه على توظيفِ تلك المدارسِ توظيفاً يُسهمُ في عمليةِ التجريبِ لديه، وهو بذلك يُقدِّمُ للمتلقي هويَّته الفنيَّة وقدرته الفذَّة على التجريبِ؛ فقد رأيتُ حضوراً لجاكسون بولوك، وبعضاً من ملامح هانز هوفمان، وعبث سيلفادور دالي، وروح شاغال، وهذا الأمر يفرضُ عليَّ أن أُقدِّم دراسةً موضوعيَّة، تليقُ بمثل هذا العمل المميز، فإذا ما حاولتُ أن أبحثَ عن النَّص الغائبِ في هذه اللوحةِ، يمكنني أن أقولَ بثقةٍ إنَّ تلك اللوحةَ حافلةٌ بالمجاز الحركيِّ، ومجازِ اللون، مُثقلَةٌ بالإيحاء والإيماء والرَّمز، وكأنَّ المُبدِع هنا يُنتجُ أسطورته؛ لتتماهى مع عبَثينِ: عبث الحضارةِ، وعبثِ الإنسان، وكأنِّي به هنا يُحيلني إلى شرقٍ مأزومٍ، يعيشُ في فوضى مدمِّرة لا فوضى خلَّاقة.

إنَّ الرَّسام هنا وهو يبني شبكةً من المجازاتِ، وهي مجازاتٌ يعي الرسَّام مصادرها، ويعي تماماً أنَّه يخرقُ قانونَ المذاهبِ والتيَّارات الفنيَّة، فإنَّه يعمَدُ إلى أسلوبِ التشويه، وهذا التَّشويه المُتعمَّد للشكل، ما هو إلا إشارةٌ دالَّةٌ على توحُّش هذا العالمِ وتخلُّفه.

اللوحات مرايا، وهكذا حاولتُ أن أقرأ تلك اللوحة، وربما هي قراءة أولى، وكم كنتُ سعيداً بهذه اللوحةُ التي تحجبُ خلفَها هذا القلقَ الوجوديَّ على مستوى الحضارةِ والإنسان، وتُنطقُ المسكوتَ عنه.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم