الجمعة - 16 نيسان 2021
بيروت 23 °

إعلان

إلى تمام جدّتي... سوف يبقى وجهكِ جميلاً

المصدر: "النهار"
الجدات حين يرحلن (تعبيرية- Allen Sapp).
الجدات حين يرحلن (تعبيرية- Allen Sapp).
A+ A-
جورج شلهوب
 

"تاتا تمام" هذه آخر مرّة أراسلكِ بالمباشر بين أحضان نهارٍ تحتشد فيه أوجاع غيابكِ، فكما يُسلخ نورٌ عن قمر العيون، وتُسرق ظلالٌ من شمس اللقاء، هكذا هي أحكام هذه الحياة المرّة التي لا تفي دَينها لجميلٍ يعاملها كما كنتِ أنتِ.

بالزمن الجميل، زمنكِ، جئتُ إليكِ برائحة عطركِ البسيطة التي لا حدود لسهلها، وهداياكِ الأنيقة كورود العطاء، وأغنيتكِ "تاتا يا ختيارة يا زينة كل الحارة "، وحنانك الذي يلتفّ علينا كما تلتفّ دمعةٌ على حزنٍ، وأغنية على عيد، ووداعتكِ العالية التي هي أكبر من سماء وأجمل من شوق، وقوتكِ الطرّية كربيع الأطفال وكل ما تستهويه من لينٍ يجمع ويبني ويبارك.

جدّتي، ليسَ لأنّكِ جدّتي أميّزكِ، لكنّها الأيام التي جمعتنا تشهد، واللحظات "الحقيقية" التي ليس فيها تصنيع وفبركة وتجميل. كلّ ما فيكِ بقي على حالهِ بهالة الشجرة الكبيرة المثقلة بتعب أغصانها حارسةً الحقل من غدر الظلام، وناطورة النور كي لا تغفى عينٌ منّا على ألمٍ أو على حزن.

"تمّومة" سأفتقد هذا الاسم، سأفتقد فيه طراوة ماء الحنان ونعومة الضحكة الجميلة الآتية من حكاياتٍ كنتِ تروينها لنا كي نذهب إلى نومنا على صوتِ دفئكِ الأنيس محمّلين بزاد وداعكِ المشعّ كنجمة البشرى، وطيب كرَمِكِ الواقف على هضاب التأهيل كلّما وطأنا غرفتكِ.

لم تعلّميني شيئاً لأنّ حضوركِ كان أكبر من تنظير وأوسع من كلمات، وبراءة كيانكِ أنظف من مزايدات الألفاظ. كان يكفي فقط أن تنظري كي تعرفي ما الذي يصيبني وما يضايقني، وبلمسة يديكِ تمسحين تعب الهمّ عن جسدي، وترمين بأغنيتكِ الثمينة كلّ ما نزل عليّ من غربة الأيام.

"بدّي موت" كنتِ تردّدين دائماً وكأنّك تواجهين مرارة العبور بهذه الجملة علّه يرعوي ويصحّح خطأه، فحرامٌ أن يُطوى ضوءٌ في جيب، وأن يُسدل محوٌ على رحيقِ لقاء، وغيابٌ على أعجوبة، لكنّها الحياة يا جدّتي لا تسمع ولا تفهم، فوصلتْ بظلام قسوتها إليكِ وخلعت منّا عمرَكِ الطافح بسكينة الأمان.

لن أطيل عليكِ فأنتِ من أخوات النوم، واليوم ستذهبين إلى نومكِ الطويل حيث العصافير ترعى فوق أنهار ظلّكِ، والأفق يمتدّ أكثر كي يستقبل طيفكِ الغزير، وأنا سأُنزل تعب شوقي إليكِ على وقتي، راجِعاً إلى عمري غريباً ناقصاً مكسوراً.

تمام. لا أحد سيعوّض غيابكِ، ولا أحد سيعرف كيف يملأ غرفتكِ أو يرسل ضحكتك كبريدٍ من ألفة وعطف. البراءة لا تقلَّد يا ستّي، وحضوركِ كفاكهة لذيذة على شجرة لا يُقطف منها سوى مرّة واحدة.كنتِ جدّة بأمهات كثيرة وبستانكِ طافحاً بموسم الحب.

معكِ يُطوى ذهَبُ عمرٍ، ذهبُ الأيقونة الخالية من تزوير عصر اليوم، والهالة الطاهرة من عيوب الطب وتجميله وتزيينه، كما أتيتِ رحلتِ معافاة من أعباء الوجع وضريبة الأمراض الثقيلة وبؤس العمر حين يشيخ ويتعب. كطفلٍ كبير أطفأتِ دربكِ ورفعتِ أبيض الوداع.

نعم يا ستّي هكذا هي الحياة، حكاية لا تصلح لشيء غير عذاب النهايات.
ارحلي حيث ما شئتِ الآن. وجهكِ سيبقى جميلاً في رأسي كما أنتِ وأنا عارف أنّ الضوء مثلكِ يتبع حدسه إلى أماكن الجمال.
أحبّكِ كثيراً.
 

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم