الخميس - 29 تشرين الأول 2020
بيروت 28 °

إعلان

كوفيد 19 وسواه

المصدر: "النهار"
خوفنا الذي لا مفر منه (تعبيرية- أ ف ب).
خوفنا الذي لا مفر منه (تعبيرية- أ ف ب).
A+ A-
 
 
كتبت: تراز دحدح الدويهي
 
صنعتُ خروفا من الصوف وصادقتُه. أخذ مكانه في قاعة الجلوس على كرسيّ يشغله عادةً، ضيفٌ، أو أخٌ، أو أختٌ، أو ولد. أرتّب جلسته إذا مال يمينا أو شمالا، وأحيانا أتكلم معه إذا كنت وحدي في الغرفة. تعوّدتُ مصادقة أشياء جامدة، كفتاتَين من البورسلين اشتريتهما من سوق الجمعة ووضعتُهما عند حرف المجلى، تشاركانني أعمال المطبخ اليومية. لكن الخروف هو أوّل صديق من صنع يديّ. حكتُ جسمه وقدميه ورأسه وأذنيه قطعا صغيرة، أنقّص القطب هنا وأزيدها هناك، أنتقل من لون إلى آخر، بالعودة دائما الى تفسير مجلّة الصوف التي نقلت عنها "قراقير" سارة وسيريل. أخذ تنفيذه وقتا ومشقّة طلبتهما لتمرير الوقت في أيام كوفيد19 والحجر المفروض علينا. صديق، مثل كل الأصدقاء، يلزمه وقت وصبر وتعب، وفي كثير من الأحيان نخسر الأصدقاء. لكن خروفي لن أخسره، لن يؤذيني ولن أؤذيه. علاقتنا بسيطة: ينظر إليَّ ويبتسم لي بفم طرّزتُه إلى الأعلى. لا يضمر أحدنا للآخر خبثا ولا حسدا. أحبّه وتعوّدتُ على وجوده. يمكنني أن أقول إنه صديقي إلى الأبد.
 
قبل الحجر، وعندما بدأ العمر يشقع السنين فوق الستّين، بدأتُ مرحلة الإقامة الجبرية. إذ لم يعد عندي قوّة كافية لأخرج من بيتي وأتنقّل بين أصدقاء ومشاريع ولقاءات. خفّت الهمّة والأوهام. اقتصرت ملابسي على عدد محدود جدا من الفساتين التي لا يلزمها سحاب ولا أزرار وخصوصا لا خصر ولا زنار. فساتين تشبه فساتين أمي، كانت تعلّقها على الباب، وإذا لبستها تقول: "شلحت فستاني عليّي". أما البناطيل فأختارها بخصر مطّاط. لم أعد أطيق القيود على جسدي، فقد رقّت جلدته وكثرت نزواته، وأنا صرت تحت أمره. العمر يهرب من بين يديّ، لكنّ الوقت صار ملكي. أقوم بأعمالي ببطء، أنتقل بانتباه شديد إلى الحديقة حيث الدجاجات وبعض المزروعات، وإذا شلحتُ فستاني عليّ وذهبتُ أزور أقرباء أو أشتري من السوق، أقود السيارة على مهل. هذه هي ربما "الختيرة"، لكنني مرتاحة إليها وراضية عن جوّها اللطيف، فهي على الأقل تعطيني مجالا للتنبّه، وتنجّيني من الوقوع في مهالك وقعتُ فيها في عمر الشباب والحيويّة. كدت أنعم بالروتين اليوميّ يؤرجحني بإيقاعه التردّدي والمتكرّر، وأتنعّم بالنزهات اليومية بين المطبخ وغرف البيت والبلكون والأحواض المزروعة بالزهور، وبالقليل من القراءة والكتابة. لكن العمر إذا ما سار إلى الأمام، شدّك بقوة إلى الوراء. تعود إليَّ أحداث الماضي الأليمة كأنها تحدث اليوم. أستعرض خيبات الأمل كلّها وهي كثيرة، وأدرك أنّني أهدرت ثقتي هنا وهناك، وتأكّدت من أنني كنت جاهلة بموضوع النفس البشرية. يوما بعد يوم، صرت كومة من الندم والحسرة وانتبهتُ أنّ كتفيَّ بدأتا تنحنيان وينبغي لي أن أشدّهما إلى الوراء لتستقيما. لا أحبّ الظهر المنحني البتة. أتيتُ بالحمار الذي اشتغلتُه سابقا، وضعتُه على سريري، وابتسمتُ له. لا! لم اصادقه لأنني اعتبرتُه أنا. 
 
اندلعت ثورة 17 تشرين "المباركة"، بحسب تعبير السيّد علي الأمين "المتّهم" اليوم بالتعامل مع اسرائيل. أخذتني من يدي ودفعتني للخروج متأنقة بعض الشيء، ألتقي في الساحات حول النار بالثائرات والثوار وهم في الغالب أصغر منّي سنّا. أهتف معهم ضدّ فساد الدولة وناهبيها، آمل ولو متردّدةً بالعودة إلى دولة القانون، وأمشي في مسيرة استقلال لبنان كأنّني، للأسف، أمشي في جنازته. كلّما رفعنا علم لبنان عاليا، التقينا بمن يتّهموننا بقصر النظر السياسي، عالكين ومجترّين فكرةً مفادها أن لبنان كيان مصطنع في بحر الأمة العربية والإسلامية، ويضحكون من قلة نضجنا السياسي. أو نلتقي بمن يتّهموننا بالخيانة والتعامل مع "امريكا"، وإسرائيل. مددتُ علم لبنان في سيارتي عند الزجاج الخلفي وعدت إلى بيتي، فالثورة تطلب الكثير وأنا خفّت همّتي وأوهامي. أتحمّس في بيتي إذا شاهدتُ على شاشة التلفزيون الشباب مثابرين ومؤمنين بدولة لبنان، أبكي وأشتم وألعن من يمسكنا بكمّاشة، أقلّ ما يقال فيها إنها ظالمة. هذا ما أقدر عليه. 
لم تطل الأيام. دخلت الكورونا إلى الأراضي اللبنانية، وعند مساء إعلان "تلفزيون الثورة" حالة الطوارئ، قرّرنا أنا وزوجي عدم مغادرة البيت، وكذلك الأولاد. اشتدّت شروط الإقامة الجبرية وانتقلت من همّ العودة إلى الماضي إلى الخوف من المجهول الذي ينتظر البشرية، وينتظرنا نحن كبار السن ونعاني من أمراض مزمنة. ننظر إلى مشاهد المرضى المعالجين بالتنفس الاصطناعي على أسرّة تملؤها الأنابيب والأغطية الزرقاء على أنواعها. تظهر يد تمسكها يد مسعف لكفكفة الآلام، فيسألني زوجي: "هل هم واعون؟"، فأطمئنه بأن الأطباء يلجأون إلى تخدريهم. ومن باب النكتة السوداء أختم بأنهم هيهات يستفيقون أو يرحلون. 
 
كنا نقوم معا بنزهتين في اليوم نستعدّ لهما جيدا، ثم نقف قليلا عند المدخل فيسأل زوجي بعدها: "مشينا؟". نضحك كيف أن الأقدار قيّدت خروجه من البيت بعدما أمضى العمر خارجه. نزهة صباحية نتكبّد فيها أخطار الإلتقاء بأصحاب الدكاكين وشراء حاجيّات يفترض أنها بؤرة للفيروس، ثم نعود بعدها بسرعة إلى البيت لننفّذ بروتوكول التعقيم بحذافيره ونعيش بعدها مطمئنّين حتى موعد خروجنا الصباحي المقبل. النزهة المسائية تقلّ فيها الأخطار إذ نبقى في السيارة. يحيّي زوجي من بعيد من نلتقي بهم من أصدقاء المقاهي بصوت أقرب إلى "التينور". نذهب إلى منازل أولادنا بعض الأحيان، نكلمهم من بعيد، ونضع على بابهم طبخة وما تعوّدنا أن نقدمه إليهم، ثمّ ندخل في شوارع زغرتا القديمة ليطول المشوار. يتذكّر زوجي، وهو يقود السيارة ببطء، طفولته والبيوت التي سكنها مع أهله هناك، منها البيت الذي دخلت فيه دجاجة الجيران على أخته الصغيرة وهي في السرير وكيف ألتقطتها أمه وقتلتها. ويسرد أخبارا سبق وسمعتها مرّات، وقرأتها في كتبه، مدعّمةً هذه المرّة بشواهد حسيّة، تبقى مشوّقة بأسلوبه الجميل. هنا مدخل مدرسة راهبات المحبّة حيث وقف بعناد يرفض الدخول، وعندما اقتربت منه الراهبة شتمها بحدّة، فتلقّى الكفّ من والده سريعا. أمام هذه المدرسة، أيام "ثورة شمعون"، شاهد جارهم مصابا تملأ وجهه الدماء، محمّلا شبه ميّت على حمار ينقلونه إلى مستوصف للمعالجة. نسأل باستغراب شديد ما الذي حدا برئيسة الدير الفرنسية لتؤسّس مدرسة في قريتنا من أموالها الخاصة منذ مئة وعشرين سنة تقريبا؟ يتذكّر ماريا باخص، صاحبة المحل المشهور بتنوّع أغراضه المشقّع بعضها فوق بعض، أو ممدودة على حبال، تتحضّر للذهاب إلى طرابلس، وزوجها يحاول اللحاق بها ويقول بلهجته "الغريبة": "موريو ما بتوخديني معك عطروبليس؟". مشوار المساء يذكّرنا بأننا نسكن في قرية تلزمها ثلاثون دقيقة تقريبا لزيارتها كلّها. نؤكد تعلّقنا بها ونشكر الله أن "امريكا" اخترعت الأنترنيت، ونشكره أيضا لأننا نملك قرية ثانية في الجبل تزيد مجالنا السكني وتنوّعه بين الزيتون والتين والكرمة والأنهر في الساحل والليمون حديثا، وبين الأرز والشربين والصنوبر واللزّاب والينابيع الدافقة في الجرد والتفاح حديثا. لا بأس.
 
في المساء نتناول العشاء أمام أخبار تنبئنا بقلّة الموارد وانقطاع الضروري منها، وأخبارعدّاد الإصابات بالكورونا في لبنان والعالم، مع مشاهد الدفن الجماعي للمتوفّين، دون وداع. أسأل زوجي: لماذا أحضّر الأكل وأعطيه وقته ليكون طيبا؟ أليعلق في الحلق وينزل كالحصى؟ يبتسم ويصرخ: "ما تخافي". 
 
أهدت إليَّ أمّي تمثالا جميلا لمريم العذراء، تنظر إليه عندما تصلّي، وهي قضت آخر أيامها في الصلاة. في الأوقات الصعبة أضيء لها شمعة وأخبر أمي أنني اشتقت إليها لعلّها تساعدني كما كانت تفعل دائما. اليوم أضأت شمعة وطلبت من العذراء أن تنجّي البشريّة وتنجّينا من الكورونا، وتجرأت وطلبت منها أيضا أن تنصر الثورة، بالرغم من أنني متأكدة من أنها لا تنحاز إلى أحد. يكفي أن تبعد عنّا "ولاد الحرام"، فهي تعرفهم جيدا. 
 
*أمينة مكتبة سابقا، حائزة إجازة في العلوم الاجتماعية، صدر لها كتاب "بين الصلاة والنوم" عن "دار شرق الكتاب"، 2016
 
 
 
 
 
الكلمات الدالة