الخميس - 29 تشرين الأول 2020
بيروت 28 °

إعلان

أكره أن أراكِ مطراً لا يحتويه فصلٌ شاعري

المصدر: "النهار"
امرأة المطر (تعبيرية- Ruchi Baghel).
امرأة المطر (تعبيرية- Ruchi Baghel).
A+ A-
 

كتب: نبيل مملوك


وبعد...

ظننتكِ يا شيرين جثة على قيد الحياة... ظننت الحلم في داخلك مجرد ضجيج يشيّع اندفاع الشباب والسعادة والأمل المتراقصة كالثمار على أغصان أضعلك. اليوم أراكِ تعودين الى الأمام، الى الواجهة، بثقة تقفين أمام الكاميرا، بثقة يمنحني وجهك وآلاف المشاهدين اطلالة تحتاجها أرقى المتاحف كي تعالج رئاتها من جروح تركتها غبار الأقفال والتناسي. عيناكِ الغيمتان التي خبأتِ في باطنهما شتاءاتي الموحلة والكثير من الرعد والنهر والنحر والخذلان... نعم كنت أنانيًا بحق الربيع المتألّق في سرابهما، أما شفتيكِ فالجسر الذي عبرت منه كلماتكِ القاسية بحق طفل نكر الحنان في لحظة انفضام... الدرب الطويل الذي لمسني بألفاظ رمّمت مدن الضياع والتشرّد في كانون 2019.

اليوم يا شيرين أنظر إليك أبحث في إلقائك الاذاعي عن نفسي، عن بحة إلهية تدعوني للجوء الى قلبك هربًا من غارات الوحدة وحرب اللوم ووهن المنكسرين المتخبطين بين الأزمنة... أسمع "كيف بتغيب" لكلودا الشمالي، أسمعها كي أنتشل الحزن من ركونه، وأحتضن اللحن كما احتضن الحظَ يوسف ببرودة. الأغنيات التي واستني بها فيروز، أم كلثوم، شيرين عبد الوهاب باتت باهتة على السمع، كنسمة تعبر أحياء الجرح من دون اثارته أو استفزاز ما يخفيه من خرائط مؤلمة... اليوم أتأمل شعرك، الذي يلمسه- ذاك الذي سيصبح زوجك - دون أي شاعرية، بأنامل مهندسة على طاولة واقعية عملية حياتيّة، نعم لن يقرب من عطفي ولن يبلغه. إنّني على يقين أنّ المشاهدين لن يبكوا الا على النزيف الذي تخرجينه في تقاريره، لن يبدعوا في التباكي على أيام بدّدها رمل النسيان، وبعثرها هواء التخلي. سيتفرجون على طريقة القائك الحروف بتهذيب، لن يراقبوا مثل حضرتي أخطاءك اللغوية. لن "يعتلوا هَم" مواجهة كائن رقيق مثلك بها... لن يقمعوا اللغة كرامة لوجودك. سيعبرون المادة ويقولون "برافو" لكائنة كالفراشة لا ترفرف سوى في العالم الأخضر الواقعي البعيد من وسائل التواصل المخربة الكاذبة التي هجرتها وتحررت أخيراً من ادماني عليها.

أتعلمين يا شيرين، شعري يزداد به الشيب ويبدو أنني سأدخل في مرحلة الصلع مبكرا... اليوم وانا انقب عن ملامحي في مرآة مدخل بيت جارنا الاستاذ المتقاعد، لاحظت أنّ شعري بدأ يغادر رأسي نحو عالم السقوط، عاكسًا فراغ القلب من حياتك 
والشيب بدأ يتمركز أكثر عند الغرة. على ما يبدو سأكون كصلاح قابيل الممثل المصري الراحل والقدير بهيبته السينمائية... لكن الحياة ستستمر يا شيرين... نعم رحيلك وهجرك لي ترك دروسًا عدة تنضوي تحت هذا العنوان" الحياة ستستمر"، وتحديدا حياتي... حياة الـ" أنا" الصامدة في كل الحروب على تخوم شراييني... ستستمر في عملي الإذاعة ضمن عائلة ترعرت في بيت تحمل جدرانه منذ ثلاثين عامًا صوت الفرح... تستمر في انتظار حرفي جريدة لتوزع "النهار" عليه... مستمرة وانا المقدم نحو الماجستير في الأدب العربي... ادعِ لي بالنجاح والتوفيق، علها تكون صلاتك المُجتهدة نقطة رحمة بعدما غزتني محيطات قسوتك المحقة. لم اعدك بشيء ووفيت به. المرأة الوحيدة التي لم أفِ بوعد تجاهها هي أنتِ، بخاصة بوعدي حول أذيتكِ واستمريت بملاعبتك على حبل مزاجيتي وتقلباتي. لكني ارسلت من صور المدينة الصامدة المتخمة من الحروب والنضالات العميدة بحضارتها الى الخيام البندقية الناعمة الأبية بوجه العدوانيين الصهاينة وغيرهم- مكتوبًا مجازيا فيه الكثير من اللغات الكثير من الدموع. فيه بكاءات باسم كل بشري حي في داخلي، فيه اندفاعاتي وحماقاتي، ونصوصي القديمة الجديدة.

فيه صورتي الحالية بدونكِ، ومشهد واحد، مشهد تفقدي مكتبتي، الصرح الذي جمعنا، الصرح الذي دفن علاقتنا بلا عنوان على شاهد القبر المرتجل من أناملك الهوجاء، اطالع عناوينها، اطالع ما احببته، اطالع صوتك في كل صفحة كتاب قرأته، في كل شرح وانطباعك عن كل رواية، اتفقد مجموعة نزار قباني الشعرية، نزار الذي تحبينه اكثر من محمود درويش. أتجنبه واحتضن المرأة التي في داخلها. أحتار هل "أبروز" صورتنا، هل اضحي بأم كلثوم، كما ضحيت بصورة رفيق الحريري ذات حماقة؟ هل... هل... هل؟ 

أتمنى أن تقرئي ما أنزفه. 
أتمنى أن تجدي اصرارك القديم على هذه المحاولة 
أتمنى حين أطبع أي مادة شعرية كانت أم نثرية أم قصصية، أن تكون سماءك... أتمنى أن تكون الصفحة الأولى هي شتاؤك 
كم أكره أن أراك مطراً لا يحتويه فصلٌ شاعري...


 
الكلمات الدالة