الإثنين - 30 كانون الثاني 2023
بيروت 16 °

إعلان

الكَيْخوطي*: فارس طواحين الهواء يترجّل في الزمن الكوروني...

المصدر: "النهار"
صورة تعبيرية.
صورة تعبيرية.
A+ A-
مارلين سعاده
 
تقول العبارة الوحيدة الباقية على شاهدة قبر دون كيشوت من جملة ما تقوله: "أيّها العابر، ها هنا يرقد بطلٌ أبيٌّ ووديع... لو لم يكن ألطف المجانين لكان أعقل البشر"؛ وقد أنهى سرفانتس روايته بخطاب وجّهه الأستاذ حامد (المؤرّخ الخاصّ بدون كيشوت) إلى قلمه، محذّرًا من خلاله كلَّ من تسوّل له نفسه إخراج هذا البطل من قبره، "ودفعه إلى حملات جديدة"، ذلك أنّ دون كيشوت خُلق لهذا القلم فقط – قلم سرفنتس أو قلم المؤرّخ سيدي حامد بن الجيلي! واصفًا ما قد يكتبه سواه من بعده بـ"الحماقات".
 
هذه الرواية التي يعود تاريخها إلى أوائل القرن السابع عشر (1605-1615) شكّلت منعطفًا في تاريخ الرواية، إذ لم تقتصر على نوع أدبيّ تتفرّد به، وإنّما شملت مختلف الأنواع الأدبيّة، معلنة بذلك ولادة الرواية الحديثة، لذا حظيت بالكثير من الاهتمام، واعتُبرت من أعظم الأعمال في الأدب العالمي، فتُرجمت إلى العديد من اللغات، ومنها طبعًا اللغة العربيّة، في مراوحة بين من اعتمد اسم دون كيشوت وبين من اعتمد دون كيخوت أو كيخوتة، وأحياناً في كلمة واحدة على غرار دونكيشوت.
 
أمّا حكمت الحاج، في عمله المسرحي الجديد، فقد اختار اسم "الكيخوطي" للشخصيّة الرئيسيّة، كما وأطلق الاسم نفسه ليصبح عنوانًا للمسرحيّة ككل. وقد كان استخدم في قصيدة سابقة له تناول فيها هذا البطل، اسم "الكيخوطي" أيضاً، في مجموعته الشعريّة التي صدرت عام 2018 بعنوان "عشرون قصيدة نثر مختارة".
 
إذًا، ابتكر حكمت الحاج نصّه المسرحيّ مستندًا إلى الرواية الأساسيّة لسرفانتس "دون كيشوت"، عندما تجرّأ وعاند مؤرّخ الرواية حامد، وقام بإخراج الفارس النبيل من قبره. ألم يقل في مسرحيّته على لسان الأستاذ، الذي يلعب شخصيّة دون كيشوت في المسرحيّة: "باختصار قال لنا الرجل الملوّح بيده إنّ الدون-كي-خو-طي هذا كتابٌ غير منتهٍ" (ص 21)؟ فهل قصد إكمال هذا الكتاب على طريقته لينقذ عالمه إذ يحوّله إلى عالم جديد؟ وهو القائل: "أنا الخمسيني النبيل المفلس دائمًا، أقيم في قرية صغيرة اسمها العالم" (ص 23)، "أنا فارس الظلّ الحزين، بخيالي الفيّاض أحوّل كلّ العالم الحقيقي المحيط بي إلى عالم جديد" (ص 24)!
 
فَعَلها حقًّا حكمت الحاج وأعاد إحياء دون كيشوت ليقوم ببطولات جديدة، رغم اعتراف هذا الأخير، قبيل موته، بجنونه، واستغفاره ربّه. وكأنّ روح دون كيشوت التي غادرت عالمنا لم تكن راضية تمامًا عن حياتها الأولى فعادت إلى الأرض لتقوم بدورها بشكل أكثر وعيًا، سعيًا لأهدافٍ أكثر سموًّا، فتجسَّدَ هذه المرّة، مع حكمت الحاج، في شعب برمّته، مختصرًا في شخصه واقعه المزري، مؤكّدًا بعودته أهمّيّة تصويب مسار الرواية، لتتماشى مع الواقع القائم، بحيث تعكس صورة القرن العشرين، وما حمله من تبعات القرن الذي سبقه، ولا يزال يحمّله للقرن الذي تلاه؛ مؤكّدًا من خلال هذا الواقع أنّ عمالقة الطواحين حقيقة، والشياطين والسحر والظلم والطغيان... وحتّى الخراف المنقادة خاضعة لكلّ من وما سبق، حقيقة، والحبيبة التي تمثّل في حقيقتها الوطن، يكاد الواقع يحوّلها إلى وهم، ويصبح السعي للوصول إليها ذنباً لا يُغتفر ومعصية تستحقّ التعذيب والإلغاء والموت... معترفًا "أن الدافع هنا وطنيّ في العمق"، موضحًا أنّه "رغم اعتناق الدين المسيحي، نجد سيرفانتس يضعنا أمام إشكاليّة الدين والهويّة الوطنيّة" (ص 30). ثمّ نجده يتساءل على لسان دولسينا: "ترى لماذا؟ وكيف أتت لهذا المعذّب المتعب فكرة إعادة العدل إلى الأرض"؟ (ص 32) كما لو أنّه هاجس الكاتب نفسه، بل هاجس كلّ نفس ترنو إلى السلام المعدوم على الأرض لانعدام العدل، وطغيان السلطات: "السلطة كلّ السلطة هي... في تمزيق العقول البشريّة إلى أشلاء، ثمّ جمعها ثانية، وصياغتها في قوالب جديدة من اختيار أهل السلطة" (ص 37) التي أنهكت الناس، "لقد تعبنا من المآتم أيّها الفارس. تعبنا من عظام موتانا تتعرّى تحت عين الشمس، فأعرني سيفك أيها الفارس" (ص 38).
 
تجرّأ حكمت الحاج، وأقام الكيخوطي من قبره، واختزله في عرض منفرد يؤدّي خلاله رجلٌ واحد كلَّ الشخصيّات، رغم أنّ المَشاهد تؤكّد أنّ البطل نفسه يختصر شعبًا بكامله، يعيش الحلم نفسه، والعنفوان نفسه، والذلّ نفسه! "ما أنا إلّا قصيدة هجاء موجّهة إلى قومي وقوميّتي" (ص 28). وقد التزم في ذلك نهج الرواية الأولى في التنويع بين الدراما والكوميديا مع الغنائيّة، مولّدًا من هذا المزيج صورة كاريكاتوريّة لواقع يتناغم فيه الضحك مع البكاء، والسخرية مع المأساة، كما عند مزجه قساوة التعذيب مع هذيان الضحيّة المضحك وهزلها؛ وقد حملتنا موسيقى كلماته في عدد من المواضع، فتهادينا متراقصين مع سحر انسياب كلماتها:
"مَن أنت؟
قل لي ما حكمتك؟
قل لي وماذا أنت؟
ما كيمياؤك؟
من الذي نقد عناصرك؟
حتى أصبحَتْ تحاك منك الأهواء والفتن؟..." (ص 17)
أو قوله:
"لكنّي أراك أيّها الفارس طائرًا
وأراك أيّها الطائر شجرة
وأراكِ أيّتها الشجرة وطنًا..." (ص 19)
 
 
في ختام العرض المسرحي يقدّم لنا الكاتب لائحة تتضمّن المصادر والمراجع التي اعتمدها، ما يجعلنا نلمس الحقيقة الساطعة، حقيقة هذا النسيج الذي ولّده بحبكته المتقنة التي استلّ خيوطها من النصّ الأساسي ومن نصوص شعريّة مستوحاة منه ("رسائل دون كيشوت" ليوسف الخال، "أحلام الفارس القديم" لصلاح عبد الصبور، "الكيخوطي" للكاتب حكمت الحاج نفسه، "الذي يأتي ولا يأتي" لـ عبد الوهاب البيات)، كما من رواية جورج أورويل، 1984، التي تتماهى مع روايته.
 
يبقى أن نشير إلى هذا التفصيل الذي يُبرز من خلاله الحاج الشكّ القائم حول اسم الكاتب الحقيقي للرواية الأصليّة، فيخرجه هو أيضًا من قبره الأندلسيّ ليميته، بعد أن أحياه، في عصرنا "الكورونيّ":
"... متن الحكاية ونصّ العرض الذي ترونه الآن هو ما أمكنني العثور عليه وتقديمه إليكم بكلّ أمانة دون حذف أو تغيير في نصّ نُسب إلى كاتب عربي مسلم يدعى سيدي حامد بن الجيلي، الذي كان جاء من بغداد على جناح نغمة، ومات في تونس الخضراء بداء الكورونا الذي كان قد تفشّى عام عشرين وعشرين" (ص 28).
--------------
* مسرحيّة "الكيخوطي" مونودراما شعريّة من تأليف حكمت الحاج، ستصدر قريباً في كتاب من منشورات "مومنت" بالمملكة المتحدة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم