الأحد - 29 تشرين الثاني 2020
بيروت 17 °

إعلان

حب قديم واستقلال

المصدر: "النهار"
أرزة بألوان الحبّ (لوحة لزينة نادر).
أرزة بألوان الحبّ (لوحة لزينة نادر).
A+ A-
 
سالي حمود

اخذتني رؤية حبٍّ قديمٍ، بعد زمن، الى لحظة تأمل في الاستقلال ومعناه. 
غريب!
ليس غريبًا ان تختفي سطوة حب قديم، بعد زمن. الغريب ان تختلط تلك اللحظة الحميمية بسياق اجتماعي، وكأني اقارب بين التحرر من علاقة، والاستقلال في الوطن. 
غريب فعلا!
 
هل يغيّر الزمن سطوة الاشخاص علينا، ام نحن حين نتحرر، نتحكم بسطوة الاشخاص علينا؟ 
أإدراكنا هو الذي يتغير، فتتبدل معه اسقاطاتنا لتلك السطوة علينا، فنستقل عمن امامنا فكريا، وجسديا، وعاطفيا؟!
 
أنظر في عينَي من كان لي مضجعا من الامان، وعواصف من العشق، وزوابع من الرغبة، فلا أراني من كنتُ، ولا أراه من كان.
واعاين في ذلك، معنى الاستقلال في الوطن. 
تبًّا لتلك الافكار المتبعثرة بين الخاص والعام. اللعنة على الفلسفة!
 
الاستقلال مفهوم جماعي، اجتماعي، سياسي، قانوني، وربما ثوري. لكني اعاين الاستقلال اليوم في مفهومه الفردي الذي يولد استقلالًا جديًّا، فأتساءل: 
 
هل الماضي عبء ام حافز للبحث عن معنى الاستقلال؟ 
هل السلم بعد حربٍ، كافٍ للاستقلال؟ 
هل الانتفاض دون تحرر يعني الاستقلال؟ 
 
انظر الى ذلك الواقف امامي، فأرى شيئًا مختلفًا. ارى سياقًا مختلفًا. ارى علاقة مختلفة. واراني انا مختلفة. 
لكني لا اجده مختلفا. فلا يزال كما هو، يقصصه السخيفة، يمشيته المتعالية، يلغته الخشبية، يتحليلاته السطحية، ويمبادئه الثابتة التي بقيت قولًا بعيدا عن الفعل. 
لقد نضجتُ على تجميل قباحة افعاله. 
نحن اليوم في علاقة جديدة، تحاول تجاوز المرحلة السابقة، وتخطي المعارك والحروب، وتتلقف السلم بعد حين.
 
أتامل في ديناميكية هذه "العلاقة" الجديدة، فأراني اقفز في تأملاتي بين تأمل التحرر من العلاقة المهترئة، وتأمل الاستقلال في الوطن.
سلم ومصالحة في الاثنين، في التحرر وفي الاستقلال. اتفاقات علنية، وتنازلات ضمنية. مجاملات رمادية، ومسايرات سطحية. اقرار واضح بالاستقالة من العلاقة، ولكن من دون تحرر في الاثنين.
 
انا استطعت التحرر من العلاقة لأستعيد استقلالي من ذلك الذي احتلني سنوات. 
في التحرر من العلاقة تصبح اللهفة متفاوتة، واللغة متناقضة، والاهتمامات متنافرة، والرؤية مختلفة. لقد تحررت من نفسي، واورثتني التجربة نضجًا.
 
اما الوطن فلم يتحرر بعد ولم ينضج، لا من نفسه، ولا من الاحتلال السياسي والمالي والاجتماعي، ولم ينجح في ان يستعيد استقلاله. او انه لم يكن يوما مستقلا، ولا حتى متحررا، لذا اراه يدبّ خطواته البطيئة نحو الاستقلال.
في الاستقلال تتحول السياقات، وتتغير الاحوال، ويتغير مَن امامنا. 
اتساءل ما إذا كنت انا قد تغيرت في هذا الاستقلال الذي اعايشه، ام ان مَن امامي هو لبذي تغير، او ان احواله تغيرت، فتحولت بها كل السياقات؟ 
 
لا اعرف ماذا حصل باستقلال الوطن بعد سنوات من الصراعات والحروب.
فالسلم بعد حرب يتطلب اجتهادًا في معاينة المفاهيم التي ولدتها صراعات هذين العاشقين، كما ولدتها ثورات او اتفاقات سياسية، علنية وسرية.
وهو، السلم مرحلة اساسية في تكوين مبادئ جديدة، تنبثق من قرار الاستقلال عن مرحلة سابقة، برهنت انها باتت بالية.
 
ففي التحرر، القلب لا يعود يهوى، والجسد لا يعود يرغب، والعقل لا يعود يفقه.
في الاستقلال، المحتل لا يعود يحكم، والعلم لا يعود ازرق، والشعب لا يعود يصرخ.
التحرر يولد المبادئ، والمبادئ تؤطر الإستقلال. 
 
التحرر دوما يسبق الاستقلال. فلا استقلال دون التحرر من علاقة سابقة، سواء أكانت علاقة عاطفية، أم اجتماعية، أم سياسية.
التحرر من العلاقة يولّد عقدًا اجتماعيًا جديدًا، كما الاستقلال يولّد عقدًا سياسيًا مجددا. 
لقد تحررتُ من هذا العشق، بعدما وجدتُ ان مَن تركته او تركني- لا فرق- صار غريبا عني، لا يشبهني ولا اشبهه.
 
الا ان وطني لم يتحرر بعد من نفسه، ومن موروثاته البالية التي ورثها من علاقاته السابقة مع دول اجنبية وفارسية وعربية، ولم يتحرر من طائفية ترتهن لمصالح خارجية وداخلية.
الاستقلال المنشود اليوم هو الاستقلال عن الذات القديمة التي باتت مفاهيمها ومبادئها بالية.
في وقت يكثر فيه الحديث عن هذا "العيد" المسلوب بروتوكولاته وتشريفاته وربما شرعيته، اغدو كأني في الاثنين- في العلاقة وفي الاستقلال- لا اشبه مَن كان ومَن كنت.
 
فالاستقلال يسبقه التحرر، والتحرر تسبقه اعادة تكوين النفس وتهيئتها. نحن كما يبدو، نحتاج في هذا الوطن، كما فعلت، الى التحرر من الماضي والانطلاق به نحو مستقبل يعيد تشكيل مفاهيم العلاقات وديناميكياتها بين الذات والآخر والوطن.
 
فالاستقلال يصبح حقيقيا عندما نتحرر من علاقات بالية اعاقت تطورنا بسبب علائقية خارجية وداخلية وضمنية.
 
الاستقلال لم يتحقق بعد. لكنه سوف.


 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم