السبت - 15 أيار 2021
بيروت 23 °

إعلان

من الحمرا إلى الجمّيزة

المصدر: "النهار"
يوم كانت ليالي السهر والموسيقى في بيروت تضجّ بالحياة.
يوم كانت ليالي السهر والموسيقى في بيروت تضجّ بالحياة.
A+ A-
هشام الحلاق
 
من هناك بدأت التجربة، الرحلة القصيرة التي رسمت حياة الليل الموسيقية اللبنانية المحترمة، أي التي تليق بالحاضرين وتحترم عقل المستمع، وتستعيد معه الأغاني اللبنانية حصراً! وامتدّت هذه الموجة إلى السنوات المتتالية لترسم وجهاً موسيقياً جديداً لبيروت ولبنان.
ما بين الحمرا والجميزة، عابِر شوارع المدينة، ابن المدينة، ابن خالد الهبر، ريان.
 
قد لا يعجب أحداً هذا النص، وهذا أمر لا يعنيني مباشرة لأنّ ما أتحدث عنه هو واقع موجة موسيقية بدأت من هناك، مع هذا الإنسان وأصدقائه الموسيقيين، الذين ولّفوا لنا شيئاً لم نفهمه إلّا حين توقفت الحياة الليلية في لبنان.

هذا النصّ لا يلغي أحداً في ليل بيروت الحافل بالأنواع والهويّات الموسيقية المتعددة الأوجه، مرّت أسماء كثيرة من كذا خلفيةً ثقافية، تركت أثرها في جدران المقاهي وآذان الحاضرين! من زياد سحاب والنفَس المصري، إلى عبود السعدي وآرتور ساتيان والجاز، والعديد من الأسماء التي تركت بصمة في العديد من "الستايلز" في مجتمع الليل اللبناني.
لكن حديثي في هذا النصّ يخصّ الأغنية اللبنانية، لهجة وموسيقى.

من الـ 2004 كانت البداية كما أعتقد. من "بسيطة" انطلق ريان، بمشروعه الخاصّ الأول، الذي إن أحبّ الاعتراف أو لا، كان السبب الرئيسي في خلق ما سمّوه الشباب حينها "بند جزائي"، من هنا وإلى حالة موسيقية شملت كل المغنين الشباب اليوم، والفرق الموسيقية.
 
تجربة "بند جزائي" جمعت أهمّ موسيقيي البلد حينها، من ريان إلى أحمد الخطيب، رامي معلوف، غسان سحاب، سلمان بعلبكي، فرج حنا، بشار فران، جورج نعمة... وغيرهم من الأسماء التي أبعدت لبنان عن مفهوم الـ"one man show" وفناني الدرجة الأولى، وامتدّت هذه الموجة إلى فرق أخرى وفنّانين نتجوا عن هذه الموجة وأخذوا منها الفكرة والنمط، حتى إنّ هوية هذه الفرقة سُرقت، وهي التي تعدّ التجربة الأمّ لكل التجارب المتلاحقة من فرق لبنانية وفنانين منفردين!

كانت "بند جزائي"، لفترة قصيرة نسبياً، الملجأ لكلّ شابّ لبناني أحبّ التغيير والابتعاد عن ضجيج المدينة الملوّث! نوع موسيقي جديد ولّد حياة ليلية جديدة، تشبه شباب المدينة بثورتهم، وعطشهم للتغيير.. أعادت زياد الرحباني، فليمون وهبة، عمر الزعني، نصري شمس الدين، زكي ناصيف، آل بندلي... إلى حياة جديدة، تشبه شباب ذاك الوقت، وشباب اليوم، في نزوحهم من الأرياف إلى المدينة، وفي قلقهم على عاصمة ما انغرم فيها إنسان إلّا وابتلعته! هوية جديدة مستنبطة من لبنان الصورة المثالية/ النمطية، والحرب الدامغة في عقولنا إلى الشباب اللبناني الجديد إذا أمكن تسميته بذلك! أعادت الفولكلور بعد إزالة غبار تكرار الروتينية المشرقية عنه!

مع هذه الفرقة كانت البداية، فلا تنخدعوا بما قد يذكره التاريخ عن موسيقى الليل اللبناني الحديث. فهذه الفرقة اليوم أصبحت مقسومة إلى فِرَق، كما البلد! وسقطت بتفاهة المادّة، وسخافة المعيشة في هذه الأرض! وكلّ واحد من أعضائها بات في قطب!

من الحمرا إلى الجميزة عادت "قمرة يا قمرة"، مع هذه الفرقة ومع ما اشتقّ منها من فرق... "سنفرلو"، "عايشة وحدها بلاك"، "عودك رنان"، "طّلوا الصيّادي"... وغيرها من الأعمال التي ما اعتاد جمهور الليل سماعها ولا في أيّ مكان! من هنا، من بيروت من صداقة مجموعة من الموسيقيين اللبنانيين من مختلف الخلفيات الثقافية... نشأت صورة للبنان جديدة، جمعت جميع الناس على أسلوب جديد في تقديم الأغنية اللبنانية!
 
من هذه التجربة نشأت جميع التجارب اللاحقة دون ذكر فضل هذه التجربة! ولا حتى بتحيّة بسيطة محقّة إلى أصحاب الفكرة الرئيسة!
الفكرة يا أصدقائي، هي أمّ الأحداث الناجمة، أيّاً تكن هذه الأحداث والتجارب. تبقى الفكرة هي الأساس وكلّ تقليد يجب أن يُعرف أصله، وأصل كلّ التجارب الموسيقية في الليل اللبناني التي احترمت أذُنَ المستمع، كانت ولا تزال ناتجة عن تلك التجربة الأمّ!

الموسيقى اللبنانية اليوم ما بعد خيبة الإغلاق وخفّة العيش في الإجمال، تبكي هذه المرحلة من الموسيقى في بيروت. المرحلة التي أنجبت كلّ ما أتى بعدها من تجارب موسيقية في البلد، فمفهوم "الفرقة اللبنانية" في المقهى أتى من هناك! من تلك التجربة! ومن هنا تحسَّن نسبياً ما يسمعه المواطن اللبناني ما بين الحمرا والجميزة، وتحسّن نسبياً الذوق العامّ في حياة ليلنا الأسود!

كلنا تأثّرنا بتلك التجربة، وهي التي زرعت في عقولنا حرية الخيار في الموسيقى، "وإنو الجمهور مش عايز كده" الجمهور يستمع إلى كل ما تقدمه له. وهذه الفرقة هي التي شقّت هذا الطريق، وأثّرت بكل ما نتج بعدها من تجارب على الصعيد المحلّي في لبنان. وسواء كنّا مدركين لهذا الواقع أو لا، فهذه هي الحقيقة.

تحية إلى كلّ موسيقيي لبنان وفنانيه، من موسيقيّ بسيط لا بل من تلميذ موسيقى. لعلّنا نفهم أنه عندما نستغني عن طموحات مادّية ضيّقة، ونتّحد لننتج موسيقى وفناً... لسوف نغيّر وجه لبنان الثقافي، ولسوف نخلق هوية جديدة تعلّم كلّ الأجيال المتلاحقة صورة عن لبنان، قد تكون بداية مشروع ثورة على ما أصبح اليوم عادة، وعادياً.
أنتم نفَس هذه البلاد الأخير ومستقبل أولاده الثقافي بأيديكم، فبالله عليكم اتحدوا!

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم