الخميس - 05 آب 2021
بيروت 29 °

إعلان

ممتنّ لهذا الغياب

المصدر: "النهار"
الغياب (تعبيرية).
الغياب (تعبيرية).
A+ A-
ماجدولين الرفاعي
 
أخبرني يا سيد قلبي عن أيّ امرأة أسعد منّي، وأنا أقرأ ما يكتبه قلبك عني. يكتب سطراً يمحو سطراً ثم يقبّل خصر الورقة. وعلى هامشها يترك كلمة في أولها حرف الحاء وفي آخرها يضع النقطة، فيفتح للعالم باب الحيرة:

لا تتأخري قلتها لكِ بما يشبه الرجاء وأنت تدوسين ظلّي دون مبالاة وتعبرين رصيف الغياب...
غيابكِ يشقّ الروح ويدخلني في زوبعة الاحتمالات مثل غريب ضلّ طريق الرجوع... وأكثر ألماً من فجيعة امرأة فقدت حبيبها ذات حرب وضياع...
 
لكني ممتنّ لأصابعكِ التي تركتِها فوق كتفي تربّت تعبي وتحثّه على نوم طويل، ممتن لعطركِ الذي بقي تحت قبة قميصي الرمادي القديم، ممتن لقلبكِ الذي ما زال ينبض بقلبي، ممتن لحبق الغرّة، وكرز الشفة السفلى وتفاح الخدّ المعجون بالحمرة، ممتن لشامة سوداء على يسار جبينك المرمر...
 
قبلَك كنتُ يا قديسةَ قلبي عاشقاً فوضوياً، لم تهذب قلبي امرأة بسبعة أبواب مثل دمشق، مِشيتها عين الفيجة، لفتتها دفء الربوة، قامتُها صفصاف الغوطة، جفنها سفح قاسيون، جبينها نقاء بردى، أصابعها توت الشام، عطرها فوّاح مثل نانرج الإيمرية.
هل تعلمين أنك الشام؟
أنت الشام، الشامُ التي أعشقها وأموت في غياب أزقتها ودفء مصاطبها...
أنت الشام بياسمينها ودفلاها، وصخب حارتها...
أتدرين يا قديسةَ قلبي كم أنا ممتنٌ لغيابك الدرامي عني!؟
 
 
كم أنا ممتنّ لجزالة طيفك حين يعبر ذاكرتي هكذا بكامل أساوره وخلاخل مشيته.
غيابكِ غواية لا أفكر بالتوبة عنها، فكلما طال أكثر ازداد تبتّلي في محراب عطركِ، فأطلق لشوقي لحيته وأضفر لهفتي المسترسلة فوق أكتاف الترقب والانتظار..
دعيني أحدثكِ يا سيدتي عن الخطط التي رسمتها فوق مناديلك المعطّرة لكي استثمر فترة غياب ضحكتكِ عني...
 
دعيني أخبركِ كيف ربطتُ طرف كحلتكِ السوداء بقدم القصيدة النازلة درج الفتنة كصبية في مطلع ضحكتها، وكيف وقعت قافيتها دون إنذار في عشق أول حرف من اسمكِ، فاكتملت وصارت معلقةً فوق جدران غيابكِ المخملي...
 
دعيني أخبركِ كم أنا ممتن لقرطكِ المنسيّ فوق رفّ المغسلة، قرطكِ الذي رقص (التانغو) في عتمة ليلي فأيقظ عن عمد كلّ حرّاس حواسّي ورقص معها...
أعرف أنك تضحكين الآن على فيض مشاعري في الغياب، وتقولين بتعجّب "في حضوري يكون الصمت ثالثنا"، ولا تدركين أبداً أنني حين ألمح وجهك القمري خلف زجاج الصباح تعتريني الدهشة فأقف مذهولاً أمام طفولة وجهك، وبراءة غمّازتك التي لا تظهر في المرايا، وعنفوان نظراتك التي تستبيحني. وحين تمدّين يدك لالتقاط يدي أقف متسمراً كتمثال محارب قديم أمام كاتدرائية عظيمة لا يقدم خطوة إلى الأمام ولا يرجع خطوة إلى الخلف...
لماذا لا تغفري حماقة صمتي عندما أجلس خلف ستائر سكوني أتملّى هالة فمك الفضي، والضحكة القمرية التي يتناثر سكّرها مع كل زفير...
 
كم أنا ممتن لغيابكِ أيتها الطالعة من جنوب القلب، المزروعة في شماله، المعرّشة كدالية بين حجراته...
لا تتأخري في الغياب، فكلّ صباح لا يشرق من قهوة ضحكتك صباح حزين حزين مثل ناي بعيد...
لا تتأخري فمنذ آخر غياب وأنا أجوب المحطّات المكتظّة بالعشاق، ألوّح لكل القطارات العابرة، ألاحق كلّ الحقائب التي تقف في منتصف كلّ عناق...
اتركي يا سيدة قلبي صندوق غضبك بين أمتعة العناد، وتعالي الآن إلى عناق طويل... طويل...
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم