الأحد - 25 تشرين الأول 2020
بيروت 33 °

إعلان

مبروك سلفاً يا مدام!

المصدر: "النهار"
امرأة بالأحمر (تعبيرية- Jivan Hovhannisyan).
امرأة بالأحمر (تعبيرية- Jivan Hovhannisyan).
A+ A-
كتب: نبيل مملوك
 
للمرة الأولى أركض كي أكتب اليكِ... أحبو كحرف نحو كلّ سطر معطّر بأثر الحسرة على هجرك للغة. أركض كفكرة تتهافت ملامحها نحو الشجن. نحو الحزن. نحو المطر الذي لم نحدق بغيومه.
للمرة الأولى، تتحول السماء صفحة صخرية ترفض أنسجتها تعابيري. بدأت حقًا أتأقلم على الحياة من دونك. الأغاني التي نسجت طقسها الخاص في درج ذاكرتي الخاص بكِ بدأت توضب نوتاتها، منتظرة الدقائق الماهرة، البارعة، في إحياء معزوفة النسيان. عطرك الشفّاف الذي لم أشمّه مرة يموت مريضًا، مقهورًا في رئتي وسط حفلة تافهة لعطور نساء يعبرن كالسموم من جسر الجلد نحو مدينة النبض.
أما عن الكتب، وها انا أبتسم وأؤخر باقي خصالك من أجل ما جمعنا ذات صدفة كانونية في فندق الإعجاب. لم أكره محمود درويش الذي فرّقنا قوله، ولم أحضر قول كافكا الذي جرّني كالطفل نحو معبد ضحكتك لأغدو منذ ذلك اليوم مؤمناً فقيهاً ببراءتك. الدموع الآن تتراقص كالشتاءات المكبوتة في حقول الذكريات. الدموع الآن تنطق بصوتكِ، تقلّد مسار شفتك التي لطالما شجعتني على صياغة رواية، والشهقات تجلس في مقهى الصبر الموجود في أول عشرين سنة من سنوات تكوّن صدري الجبار. تنتظر حضوراً أقوى كي تدلق قهوة التحمّل على ورقتي هذه، فأنهار كطفل تبرأت أمه من خريفه... اطمئني! ما زلت أتفقّد مكتبتي، لكني لن أكتب أي رواية. لن أكتب سوى الشعر، كونه يسمح لي بتشييع نفسي يوميًا أمام دارة سعادتك أو "حياتك الأخرى". 
 
أتعلمين يا شيرين أنّني والندم متفاهمان... هو يهادنني في الليالي الصعبة وأنا أرجمه في نهاراتي الشاقة بحجار من سجّيل التناسي. أتعلمين أنّ السترة البنفسجية التي تحبين لا أرتديها لئلا تقبلها الشمس وتقتبس من نور أناملك التي أختارتها عقيدتها المعمّمة على حياة البؤساء الذين يراودونني في الشوارع من دون رد تحياتي الصباحية. أتعلمين أنّني أحبك جداً، لأنّني بعت كل العبارات الرائعة التي أهدرتها بعدائية على سواك، وابتعت مقابلها العدائية والان ابتاع الأسى. فقط الأسى. أتعلمين أن زوجك المستقبلي سيكون السيف الذي سيحل محل عامودي الفقري؟ سأجلس واضطر لتقبّل الطعنات. لكن لا بأس، فالمعنى أيضًا قد يتعثّر حين يركض بندم خلف لفظات طائشة في الطرق. ماذا عن شعرك؟ هل ما زال سلّمياً نحو الأمان؟ هل ما زال رأسك قمتي نحو المعرفة والاطلاع؟ هل ستكون في بيتك الزوجي مكتبة ويلتهم غيوم ميسو ورواياته حصة الأسد من تقاسيمها؟
 
لا أدري لما أطلت النظر اليكِ. صورتنا التي ارتجلها بحر صور ذات تموز سأضعها في الإطار بدلا من صورة أم كلثوم. صورتنا التي ضحكتِ فيها حتى ضاقت النجوم برضا ظهيرتها سأخلّدها في مكتبتي بشغف. سأضمّها كل ليلة وأجرب البكاء. على ظلال شبحي. على طفلة "كان عندها أمل فيني". عن امرأة قالت بنَفَس المحاربات: "بس انت لي عم بتخذلني دايما يا نبيل". ستبقى الصورة وستبقين برغم أنك "ما الك لزمة بحياتي". ستبقى التفاصيل، والماء والشمس والقمر والثورة والـ"باندا" والغزل والسعادة و"طبخاتك" وثياب التخرّج. غيوم صافية في سرابي الملبد بوجودك. ستبقى الانهيارات بالحروف تبهرني. أتمنى أن تصلك جريمتي كاملة. فها أنا أعلن بكامل ضعفي أن هذه الحياة بحبها ونسائها لزوم ما لا يلزم.
 
مبروك سلفاً يا مدام!
الكلمات الدالة