السبت - 26 أيلول 2020
بيروت 30 °

زفرات من دمشق

المصدر: "النهار"
مشهد عام من دمشق.
مشهد عام من دمشق.
A+ A-
 
عفاف البشو
 
 
أحدهم رأيتُهُ يعبر مع غائبه الذي تأبّط بلمًا (قارب مطاطي صغير) في شارع البرامكة الذي يموج بالمارة. يبتسم قليلًا قبل أن تنهمر روحه بالبكاء. تحضره وجه صغيره فيبتسم، ثم يغيب بين أمواج الهروب عنه فيغصّ دمعا.
خلفه كان عجوز ينظر إلى القارب المطّاطي الصغير ويقول في نفسه الكسيرة: "لو أنّي كنتُ معه حين التقمته الأمواج". يلحق به حقًا ويغرق في حزن عميق.
رأيتُ آخر يلتفت كملهوف إلى رجل يلوّح بيده. في هذه المدينة، كل حاضر غائب يخال أطراف الأصابع سرابًا، وعند الحنين تغدو الوجوه؛ كل الوجوه شبهًا.
على بسطة قريبة أمٌ تقطّع قلبها وتبيعه أجزاء، تبيع وتبيع، فإذا عنّ ذكرُ غائبها تهافتت جميعها، لتحزن بعشرين قلبا.
كل يوم يضاف إلى جوقة حزنها قلب جديد.
 
على الرصيف تظنُّ أنّه يبيع مناديل بيضاء، وهو في الحقيقة منهمك في تثبيت وشاح حزنه الأسود على أنقاض أحلامه، حتى كأنَّ أركان روحه هي التي تداعت وليست جدران بيته. هو الآن يعيش ليحزن أكثر فقط.
في السرفيس كان وجه الفتى ينضح تعبًا، يُخرج من جيب بنطاله المتسخ بعض نقود يعدّها، ثم يُعمل فكره حسابًا. الأعباء أكبر من كل هذا الشقاء الذي نحياه، تقول كفه التي تضرب صاحبها.
 
أغص بالاسئلة فأعاتب دمشق، يا زهو الدنيا وبهجتها كيف غزاك الحزن هكذا؟
 
بغرور، تفلّ ضفائرها أمام المرآة وهي تدندن: "آمَنْـتُ بالله واسْـتَثْنَيْـتُ جنَّتَـهُ دِمَـشْـقُ رُوحٌ وَجَنَّـاتٌ وَرَيْحَانُ". كأنها تقول لي: أنت ابن متى؟
أنا ابن جراحك وحزنك، أنا لوعة كل المفارقين والمفترشين الطرق والصامتين على الوجع، أنا كل الجياع والعطشى ومهدوري الكرامة وفاقدي الإحساس بالانتماء، أنا ابن عهدك البائس الحديث، أنا شاهد عيان خذلانك وتقاعسك وتعاستك، أنا الذي يشمّ نتانة واقعك رغم حمّامات عطرك الزائفة، أنا ابن هذا الزمان يا دمشق.
أما أنت فالآن؛ الآن أنت ابنة متى؟
 
قصّي جدائلك يا دمشق، لم يعد ثمة ما نخسره.
 
 
 
الكلمات الدالة