الإثنين - 03 تشرين الأول 2022
بيروت 29 °

إعلان

هذا العمر لؤلؤ حبيس المحار في قاع بحر

المصدر: "النهار"
الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا (تعبيرية).
الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا (تعبيرية).
A+ A-
 
علي حمدان
 
أناظر في ثلاثيني أمام المرآة وشماً كنت قد نقشته على كتفي مراهقاً، وأقف نادماً عليه الآن كما على أشياء كثيرة أصبح محال تبديلها. أرتدي قميصي وأمضي على عجل، لا مكان محدداً أقصده، أود فقط إسكات المرايا. خرجت، كما كل يوم، أبحث عن سطري جائلاً بين الأزقة، مباغتاً هذا الهراء الكبير بالصمت، وتصفح طراز الأبنية. أعدت مقطع الأغنية التي أحب، ابتسمت للطفل في السيارة المحاذية في زحمة الأشرفية، يمد لسانه لي، أمد لساني، نضحك. هذا العمر لؤلؤ حبيس المحار في قاع بحر. أدركت هذا يوم رسم دكتور مادة التسويق هرم "أبراهام ماسلو" للحاجات البشرية على اللوح وأيقنت أنني ممَّن يمرحون ببلاهة في كعب الهرم، لكنني لم أتوقع البتَّة أن أُلازم قعر العم ماسلو كل هذه الأعوام، أُعتِّق اللامعنى وحسب. هذه الذكرى جارحة، وهذه الطريق كذلك! ما الذي ساقني الى طلعة "أوتيل ديو" الآن والجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا حيث نلت جائزة جبران تويني عام 2008، فآستدنت ثمن شراء لباس رسمي للمناسبة بما أنني لم أمتلك بدلة، واستعرت ربطة العنق من خالي، والحذاء من أحد أقاربي، والذي حدَث أن انسلخت قطعة من كعبه يومها فور دخولي صالة التكريم، فتسلمت فرحتي من كريمة الشهيد بضحكة رقيعة وخُطىً منقوصة، ولمّا أزل.
 
دفعني الحنين و"الفضاوة" الى دخول حديقة الجامعة، جلست على مقعد يتوسط سعيد عقل، جبران خليل جبران وغسان تويني في الحديقة وسرحت في أيام الدراسة والحب الثاني وفي مقتطف لسعيد عقل ذيل تمثاله: "ومن الموطن الصغير نرود الأرض، نذري في كل شط قرانا، نتحدى الدنيا... شعوباً وأمصاراً... ونبني، أنَا نشأ، لبنانا..."، فآستذكرت انبهاره في مقابلة له مع الأعلامي نيشان دير هاروتيونيان بصيدا، وابن صيدا، موخوس الصيدوني، أول عالم ذرة في التاريخ والملقب بـ"أبو الذرة"، وكلامه عن فضل مدينة صور على العالم لأنه، وتبعاً لما قاله المؤرخ الأميركي ويل ديورانت، أن اعظم ما اهداه الإنسان لأخيه الانسان هو الابجدية، وأن عظمة صور تكمن في انها اهدت للكون أعظم هدية. ثم أشحت بنظري نحو تمثال جبران خليل جبران فآستحضرتني صعوبة الدخول الى بيته في بشرّي لصغر بابه، والقصة التي أخبرتنا اياها الموظفة المسؤولة عن تنظيم الرحلات من والى بيروت في مكتب الباصات في ساحة بشّري عن محاولة والد جبران الاستدانة من وجهاء المنطقة لابتعاث ابنه للدراسة في الخارج وحزن جبران حين بائت محاولات والده بالفشل، فوعده الأب بأنه سينال مراده، وأن من استصغروه يوماً سيشهدون الجموع تتهافت من كل حدب وصوب وتنحني لدخول منزله الصغير لاحقاً. منزل جبران اصبح مزاراً الآن، نبوءة الأب تحققت، لكن بين ما سردته عن عقل وعن جبران يصح فيه مقولة "أعذب الشعر أكذبه". فلدى زيارتي لبشرّي، سألت خمسينياً في ساحة البلدة عن منزل جبران، فحملقَ بي سائلاً: "جبران طوق؟". جبران طوق من سياسيي المنطقة الأبرز. كنّا لبنان جبران خليل جبران وسعيد عقل، بتنا لبنان جبران طوق وباقي الأوركسترا، ولست أقولها ذماً في السيد توق البتة، ولكن في انحدارنا الهرمجيدوني.
 
نحن الآن في لبنان أشبه بطفل صغير أهملته أمه ففاض البراز من جانبي حفاضته وبطنه حتى بلغ إبطيه وهو ما زال يناظر السقف باسماً. ومن لم تخدره الأحزاب المؤدلجة، يخدره الألم والحزن. 
 
"بلادي أنا حلمتك ع تِم الكون ضحكة"، يقول سعيد عقل. هذا الحزن لا تبدده لاس فيغاس. "أتركوا شعبي يعيش"، قرأتها أسفل تمثال غسان تويني قبل أن يرن هاتفي وأختم جلستي في حديقة الجامعة، "اتركوا شعبي يعيش"، بها أختم هذا النص.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم