الخميس - 02 كانون الأول 2021
بيروت 17 °

إعلان

لعنة السوط إيذاناً بانتهاء الألم

المصدر: "النهار"
الألم (تعبيرية- Paulina Dam).
الألم (تعبيرية- Paulina Dam).
A+ A-
 
عبد المجيد محمد خلف، روائي وناقد - سوريا

فتح الربيع الباب حين هبّت ريحه في شرقنا المفتوح على مصراعيه قبل أزمنة خلت، بأحداثه، لتدخل إلى السجن أرواح عارية قطعت صلتها بملاعب طفولتها، لتتعرّف إلى اللعنة أول مرة من كثب، إذ جاء الجلّاد وجاءت معه صنوف الموت لتضع أشواكه على جباههم مرة أخرى، وتضاف إلى التاريخ أبيات جديدة لقصيدة لم تكتمل بعد كلماتها، أصوات خطاهم تملأ باحة السجن، وعلى الطرف الآخر أصوات لخطىً حديدية تحمل في تقاطيع وجهها الغضب، وتزرع شهوة القتل في جدرانه العابقة برائحة دماء لما تجف بعد، لتضاف إلى تلك الدماء دماء أخرى، قربان الحبّ الذي ما زال قائماً في أرواحنا، في ذاكرتنا، في عيوننا، دماء عيون لم تشبع من الحياة بعد، عيون رأت بأم عينيها الأخاديد المحفورة في أجساد متروكة شهوة للعذاب والموت، حين سُجّت إلى مثواها الأخير، الموت الذي فتح دروبه في خزائن الغد المنهوبة...
 
بيد الجلاد تمّ كل شيء، وبك أيها السوط الذي ما زلت تشكّل حلقة الرحيل الدائرية لتمتد حول رقابنا، لتكون جسرنا نحو الموكب الآخر، الموكب الذي جاءنا بعد تلك الأزمنة، ليأتي أبناء تلك الأجساد التي قضت وحيدة بين جدران تكحّلت بأناشيد الفرح، ليكون الجنون في كل شيء، في السماء، في الأرض، لتلهب حتى الحجر... وتنتهي أيامك أنت أيها السوط العاري، سوط السجن أنت، مفتاح الألم أنت... ذيلٌ أنت.... تحاول أن تقتلع بقطع الحديد المتناثرة على طرفيك الأحمقين في ليال ملساء الجلود.. تستحثّ السواقي لتستيقظ من رقدة العدم، ومن سباتها الشتوي، لتمسي زائراً أبدياً، تستحيل ذاكرته فقداناً تحت وطأتك، وتعوي شفاهه في ظلام لا نهاية له... فاهبط ببردك ونارك، واصعد الأجساد المتلوّية من الألم... تقتات جدران السجن، وترسم سطوتك فوق حجارته الحمقاء...
 
العربدة... كل العربدة تحرث هنا بمحاريث الظلّ يقينها العابث، محاولةً أن تكتب الشتاء أبداً مريراً... عويلك يرتقي الهضاب والمروج، والأوامر تتلى عليك كل لحظة، لتركض في سباق مع الزمن خلف ظلّك السكران، وتندب مع تلك الأرواح التائهة شفقاً سيأتي لتخرج من سوادك المجنون، فامدح قصائدك قبل أن تموت حروفها. امدح الأمر... وامدح يداً تستبيح عذرية آدميين يسقطون تباعاً من آثار ذيلك المكابر لاكتشاف الحقيقة...
 
وحدك تغوي القلوب لتنطلق في مناجاة شقيّة مثلك. انزل من شرفتك الغبية، انزل من رمالك المنصهرة في أتون انتظارك المتعب حيث تقود كل النهايات إلى خندق واحد، حيث تتشبث الفراشات بأهداب النور... هكذا أنت أيضاً، بدروعك الصقيلة، وسيوفك المتقلّدة رهبة الفجر؛ تمضي نحو الحاضر، ترفع الراية عالياً ليرحل الغيب، ليرحل الرعب، ويبقى البنفسج عنواناً لقصائد تطلقها الطيور إيذاناً بخلاص أبدي من ذيلك المتعب...
 
هي ذي الأخاديد محفورة في تلك الظهور التي صارت مكشوفة للشمس؛ تداعبها نسمات الهواء المثقلة برائحة البارود؛ إيذاناً بولادة أول جسد، سيعلن النهار في ذاكرة الليل، ويردد تراتيل الفجر في أنهار الوجود، وتفتح الينابيع عيونها لتتدفق في ربيع أعمارنا المتأرجحة بين اليقين وعدمه، والبقية تأتي من قافلة الموت في السجون، حين كنت تهوي أيها السوط! أيتها اللعنة! لتحفر عميقاً بمحاريثك المسننة تلك الظهور العارية، مطلقاً صراخك، وعويلك الأحمق، لكن الجسد وحده كان يعرف ماذا تخبئ له الأقدار، وحده راهن على كل شيء، على دمه، على روحه، على التهكم، وعلى التنابز عليه بشتى الألقاب، الهرطقة، الكفر، الزندقة، وارتشف كأس الموت بيد طاهرة مرتفعة نحو السماء؛ تستجدي الإله وحده، الإله الذي كان يراقب كل ما يحدث، ويستهزئ بالسجّان، وبك، فلعنتك كانت درباً للخلاص، وغواياتك كانت مفتاحاً نحو حياة جديدة....
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم