الخميس - 29 تشرين الأول 2020
بيروت 28 °

إعلان

"أعطوهم أنتم ما يأكلون"

المصدر: "النهار"
الموارنة (تعبيرية).
الموارنة (تعبيرية).
A+ A-
كتب باسم عون
 
"أعطوهم أنتم ما يأكلون" (متّى 14-16).
 
عندما ترك الموارنة الأوَّلون سهول العاصي الخصبة في شمالي سوريا، يقودهم بطريركهم مار يوحنا مارون فيمّموا منابع العاصي في لبنان، لم يحملوا معهم آنذاك لا فضةً ولا ذهباً ولا مالًا. إنَّما حملوا معهم إيماناً عظيماً برسالة الفادي الإله.
 
وسرعان ما أزهر إيمانهم فأثمر أمَّة مارونيَّة عريقة قوامها العمل والمحبة والقداسة، ففاح عطرها من جبّة بشرّي إلى جبّة المنيطرة إلى المتن وصولاً إلى أقصى الجبل اللبناني جنوباً.
 
وقد استطاع الفلاح الماروني بما تسربَلَ بِه من إيمان ومحبة وصدقيّة، أن يكسب ثقة أبناء الجبل من أبناء الأديان الأخرى المنثورة على كافة التراب اللبناني.
 
هذا الفلاح الذي كانت تربطه بالسيدة العذراء علاقة بنوّةٍ و علاقة روحيَّةٍ منقطعتا النظير مكّنتاه من الصُّمود خلال عصور الإضطهاد المظلمة، الى أن انبلج ذات أيلول "لبنان الكبير" فكفل الحريّات لجميع أبنائه على اختلاف طوائفهم.
 
نسوقُ هذا الكلام لنشير إلى أن تاريخ الموارنة في هذا الجبل لم يكن مجرد نزهة، إنما نضالاً شاقاً في سبيل اللقمة والحريّة... نعني هنا حريّة الإيمان بالدرجة الأولى...
وإذا نظرنا اليوم فإننا نرى هذا الماروني نفسه – وقد انقلبت به الأمور شرّ مُنْقَلَب – لا ينفك يحلم بالهجرة ليلاً ونهاراً، هرباً من واقعه المزري.
 
وهنا يتبادر السؤال الملحّ إلى الأذهان: الآن وقد زال الاضطهاد الديني، ها إن الموارنة يتطلعون إلى الهجرة... لماذا؟
فالجواب البديهيّ الجاهز تحت إبط أساطين الإيمان وذوي الرئاسات الروحيَّة: إنَّها الأسباب الاقتصادية، مما يجعلك تعتقد بأن أجدادنا الموارنة كانوا ينعمون في وديانهم في قنّوبين وغيرها برفاهيّة اقتصادية وببورصة مزدهرةٍ عزّ نظيرهما...
 
أما الجواب الحقيقي يا سادة، فهو بعيد كل البعد عن ذلك .فهو وبكل بساطة يكمن في أنَّهُ لم يتبَقَّ للفلاح الماروني ما يستحق أن يضحّيَ من أجله... فإن هذا الجبل الذي كان في ما مضى عابقاً ببخور القداسة والإيمان قد غدا كَكُل حاضرةٍ في العالم، لا يسير إلاّ على وتيرة عجلة الدولار... فإن كل هذه العصور من الإضطهاد والجور والحرمان من أجل إيمان قد غدا اليوم على شفير الاحتضار، كل هذه العصور، هل كانت بضرورية؟ أمَا كان من الأفضل لو بقيَ ذاك الإنسان في سهوله الخصبة يدين بدين الأكثريّة السائدة عِوَضَ أن يتوغّلَ في هذه الجرود والوديان العميقة القرار، والتي لا تُسْمِنُ من جوع. وهذه حفافي وادي قنّوبين تشهد بذلك. 
 
أليس ما يُقال اليوم لذلك الفلاح المارونيّ: "إذهَب فعلّم أولادك في المدارس الرسمية إن كنت لا تستطيع الدفع"، أليس هذا مما يجعل السؤال الآنف الذكر مبرّراً؟ فإلامَ أوصلَ كل ذلك الصمود فقراءَ الموارنة؟ وإلامَ أوصلهم تحدّيهم لـ "العالم" وأبناء "العالم"؟ وها هو العالم اليوم قد أصبح في قدس أقداسهم... فأُسدِلَ الستارُ على قولِ المعلِّم:"أنتم في العالم ولستم من العالم"...
 
أين نحن يا معلّم مما أخبرتنا... لقد أصبحنا نحن "العالم"...
 
...وهناك في ركنِهِ الفقير يئنُّ المارونيّ "المعتّر" أمام زوجته وأطفاله شاكياً من فداحة القسط المدرسي والأعباء المدرسية. والأطفال يسجلون في أذهانهم الصغيرة صورة لا تُمحى من المذلَّة لربِّ العائلة الذي يفترض أن يكون الحاميَ لهم في عالم الذئاب هذا.
 
ويكبر الأطفال ويَنحَوْن باللائِمة على المؤسسات التي تتولى شؤون التدريس في مناطقهم ويرمونها بالجشع ومحبة المال.
 
فماذا ينفع بعد التعليم الديني في المدارس والدعوى إلى الخير والمحبّة والرحمة وقد عانى التلميذ اللارحمة في استيفاء اقساطٍ يدفعها الأهل بالدم والدموع، وهم صاغِرون...
 
هؤلاء الأطفال يا سادة هم أبناء الكنيسة المارونية و رأسمالها الوحيد، وكل رأسمالٍ غير ذلك هباء... ولئِن استوفَيْتم آخر فلس من أقساطهم، فإنكم لن تستوفوا منهم مقدار درهمٍ من الإيمان بكم وبرسالتكم بعد اليوم... أما أنت يا أبانا المحترم، فعبثاً تدبِّجُ وتَصوغ عظتَك في قّداس الأحد في معاني المحبة والإلتزام الديني وأنت تعلم ما يجيش في صدور طلابنا من الألم والنقمة والمرارة.
 
نعم، فالكنيسة برأيي المتواضع على وشك خسارة رأسمالها الذي هو أبناؤها شبّاناً وأطفالاً... وعبثاً إن بقيت الأوقاف عامرة، والحسابات عامرة، والمدارس عامرة، والمستشفيات عامرة... فكل هذا سينهار بلحظةٍ وسيتمّ تأميمُهُ في حالِ انهارَ الرأسمالُ البشريّ الحقيقيّ للكنيسة، وهذا ما جرى بالضبط عشيّة الثورة الفرنسية.
 
وتقولون للمارونيّ: "اذهب إلى المدرسة الرَّسمية"؟ لأن امكاناتكم لا تسمح؟ عجباً فكأنكم قد نسيتم إنجيلكم! فإنَّهُ على ما جاء في الإنجيل المقدَّس، أنَّهُ عندما جاعَ الجمع وهو يستمع إلى البشارة من فم الرب يسوع، جاء إليه تلاميذه يقولون له أن يصرف الجمع ليذهبوا فيجدون لهم طعاما. فماذا كان جواب الرّب؟ قال: "أعْطوهم أنتم ما يأكلون" وهكذا كان. والرب قد بارك.
 
نعم، أما بالنسبة لأبناء هذا الفلاح الماروني، فعلّموهم أنتم، والرب يبارك. ودعوا المدرسة الرسمية في حالها إذ يكفيها من تعاقبوا على تدميرها من المسؤولين حتى كادوا يميتونها و"الضرب بالميّت حرام". ولكم خير معين في مردود الأوقاف لديكم التي ما هي إلّا نتيجة الورع الديني الذي حدا بالمؤمنين إلى وقف أرزاقهم لكي يصار إلى خدمة المجموع وها هم الفقراء اليوم وكأنهم يشحّذون مما لهم.
 
فهذه الأوقاف لم تأت من بيت أبيكم يا سادة، إنما هي مال الفقراء والمؤمنين على مرِّ العصور. وقد تراكمت من أجل عمل الخير مع المعوزين والإخوة وأنتم لستم سوى المؤتمنين على توزيعها. إذاً فالأمر ليس شحادة. وكل هذه الضجة المثارة حول الأقساط وعدم قدرة المدارس على تغطية "التكاليف" قد تزول إذا ما استعين بما تستوفونه من إيجار آلاف الأمتار من الأوقاف وقد أجّرتموها لذوي المال فبنوا عليها المؤسسات الضخمة. وهم بطبيعة الحال ليسوا من الفقراء الذين قد خُصصت الأوقاف لمثلهم.
 
نعم، فإنَ كل تلك الأراضي التي أصبحت بحوزتكم قد كانت فيما مضى تحت سيطرة الإمبراطوريّات المحتلة ومن ثم آلت إلى الولاة، ومن ثم إلى الأمراء من ملتزمي الضرائب (ومنهم أمراؤنا المعنيّون والشهابيّون) وبعدها إلى الإقطاعيين من بكوات ومشايخ، ثم إلى الرهبانيات والأديار... إن كل هذه الأراضي لهي ملكٌ في المبدأ للذي يفلحها ويعالجها ويستنبت خيراتها أعني فلاحي الأرض مهما قيل غير ذلك.
 
أما في شأن تعليم أولاد الموارنة، فإن شِئتم ألّا تعلموه، فلا بأس، فعساهم يتعلّمون أخيراً ولو مؤخّراً بأن الكلمة الأولى والأخيرة اليوم قد باتت للرب الثاني. 
 
ودمتم... ودامت الصناديق في مؤسساتكم عامرة.
الكلمات الدالة