24-08-2022 | 19:46

عودة وليد صادق... من فن التّجهيز إلى عالم الرّسم

يحتفي الفنان وليد صادق (مواليد العام 1966) بالرسم الذي يعود اليه بعد انقطاع عشر سنين. هو احتفاء بالحياة، ومقاومة شعار موت الفن، وموت الاشياء الجميلة وإن كانت قليلة في محيطٍ متداعٍ ومقوّض. هو منذ بداية انطلاقته الفنية، أخذت أعماله تتقصّى مخلّفات العنف من الحرب الأهلية اللبنانية كما خبرها جزئيًا وعلى نحوٍ غير وافٍ في فتوّته. عرفته بيروت فناناً تجهيزياً وكاتباً ومنظّراً للفن المعاصر، منذ العام 1997. ارتبطت أعماله التجهيزية بتجربة اجتماعية محكومة بمنطق الحرب لينتقل عبر نصوص نظرية، إلى طرحِ سبلٍ لفهم تعقيد النزاعات الأهلية المستمرة في زمن الاستقرار النسبي اجتماعيًا واقتصادياً.
عودة وليد صادق... من فن التّجهيز إلى عالم الرّسم
Smaller Bigger
 يحتفي الفنان وليد صادق (مواليد عام 1966) بالرسم الذي يعود إليه بعد انقطاع عشر سنين. هو احتفاء بالحياة، ومقاومة شعار موت الفن، وموت الأشياء الجميلة، وإن كانت قليلة في محيط متداع ومقوّض.

هو منذ بداية انطلاقته الفنية، أخذت أعماله تتقصّى مخلّفات العنف من الحرب الأهلية اللبنانية، كما خبرها جزئياً وعلى نحو غير واف في فتوّته. عرفته بيروت فناناً تجهيزياً وكاتباً ومنظّراً للفن المعاصر، منذ عام 1997.

ارتبطت أعماله التجهيزية بتجربة اجتماعية محكومة بمنطق الحرب، لينتقل عبر نصوص نظرية، إلى طرح سبل لفهم تعقيد النزاعات الأهلية المستمرة في زمن الاستقرار النسبي اجتماعياً واقتصادياً.

يسعى عمله الفني والكتابيّ الأقرب عهداً، إلى النظر في شروط العيش في زمن ما بعد الحرب وعوارضها، ليكتشف أن الحرب مثل دالّات فارغة عاجزة عن تشكيل تجربة مشتركة. آمن بالعمل الجماعي كونه أستاذاً في دائرة الفنون الجميلة في الجامعة الأميركية، وشارك بانتظام في أنشطة مركز "أشكال ألوان"، كما اشترك في العديد من المعارض والنشاطات في جميع أنحاء العالم، ومنها مشاركته في بينالي الشارقة (دورته العاشرة).

استخدم وليد صادق الكلمة كأداة فنية للتعبير عن الموقف، وأعطاها دوراً شبيهاً بدور الصورة وفن الأداء والعمل الإنشائيّ.  فقد كتب العديد من النصوص بلغة شعرية محمولة على أوجه كثيرة من الاستعارات، لإثارة النقاش إزاء الأوضاع في لبنان بعد الحرب بشيء من الاستفزاز والتحريض والنقد.

عام 1999 وضع كتابه «في أنني أكبر من بيكاسو»، وهو كتاب صغير يستخدم فيه الكلمة والصورة لانتقاد الوضع السياسي في البلاد. من بعده كتب عن ظاهرة اجتماعية يحكمها منطق حرب أهلية طويلة الأمد، وتبحث عن زمانية حرجة لتحدي هذه الاستطالة نفسها: الحب أعمى، ومن الصورة إلى الجثة، وعزيزي ستيفن (2006)؛ علم المطرود، المكان في آخر مرة، رؤية وقحة ومثقفة (2007)؛ الحداد في حضور الجثة (2007)؛ في تعلم رؤية أقل (2009)؛ المكان في آخر مرة؛ كوزو أوكاموتو مقيم في بيروت الكبرى (2010)، عمل المفقودين، التجوال في الوقت الذي يقف فيه الفن ويبقى... والعولمة التي كانت (2011)؛ حطام الأمل والجانب الآخر من نفاد الصبر (2012)؛ بيروت المفتوحة (2013).                                                                                                  

هكذا حققت أعمال وليد صادق وجودها وأرست دعائمها على أسس الحرية المطلقة في التعاطي مع أدواته ومحمولاته الفنية، بعيداً من اللوحة التي لطالما اعتبرها أنموذجاً تقليدياً للطرح الجمالي، وأن ليس لها مكان أمام الطروحات الفكرية التي وجدت في الوسائط الجديدة المتعددة الفضاءات والأبعاد أدواتها ولغة توجهاتها. ثم لتأتي هذه الخطوة الانقلابية باتجاه اللوحة، وهي ليست مستغربة وتحدث مع كبار الفنانين في العالم، كما حدث مؤخراً مع داميان هيرست في معرضه "أشجار الكرز المزهرة" التي أعادته إلى الرسم والتلوين على شوق غير متوقع. ومثلما أن كل سرّ يبتكر يقينه، كذلك فإن ما يظنه المرء ثابتاً يغدو رجراجاً ومتحولاً مع دواعي التجربة ومتطلباتها وإغراءاتها.

 

 
 

الكثير في القليل

الزائر لمعرض وليد صادق في غاليري صالح بركات المعنون "لوحات 2020-2022"، لا بدّ من أن تدهشه تلك المربعات الملونة الصغيرة الموزعة على فراغ الجدارن الشاسع، وهي تنادي العين من بعيد لتتفحص أسرارها وتفاصيلها وحكاياتها ومكنوناتها، بما تفيض به من حميمية فاتنة.

فهي ليست لوحات عادية بل هي صوغ متقن متعدد الخامات (خيش وشاش وقماش وصفائح معدن وخشب ومسامير) أو مشغولات باليد مثل تُحَف، تقيم العلاقة بين سطح اللوحة كفضاء جاهز للتجريب وأعمال التلصيق والرش والرسم والتلوين والقص والنجارة والخياطة على وجه اللوحة أو على خلفها لا يهمّ.

فالمتعة الجمالية تتأتى من أناقة هذا التجريب وطريقة التفكّر فيه، والوقت الذي تأخذه القطعة بين يديه كي تصل إلى حال كمالها، أي تقشفها الأقصى. فالتجريد الذي يزاوله وليد صادق يقول الكثير في القليل، وليس بمقدور أي فنان أن يكون فناناً أقلياً (مينمال - آرت)، إذا لم يمتلك مفاتيح تلك البساطة المدهشة التي تختزن العالم في رقعة صغيرة هي بمثابة ركن حميم من أركان النفس الباحثة عن مكان جميل يعج باللون هرباً من مشهد الحطام الكبير بعد انفجار 4 آب 2020.

هذا الانفجار الذي فكّك كل القناعات وزحزح كل اليقينات وأثار المزيد من الشكوك والأسئلة والوقوف في الدوائر المغلقة، كل ذلك دفع بتجارب وليد صادق السابقة بمؤدّاها الذهني والعقلاني والتجريبي إلى موقع مغاير وبعيد من صدمة الحدث المستجد، هذا الحدث الذي وقف إزاءه موقف الباحث عن جمع الشتات دون عواقب، ومجاراة النفس في انسياقها وراء شهوة اللون بتمتع طال انتظاره، خصوصاً أنّ السنتين الماضيتين ترافقتا مع الحجر الإلزامي بسبب كوفيد19 ، ما شجّع أكثر العودة إلى العمل وحيداً داخل المحترف.

 

المربّع والقوس

لعلّ هذا الداخل بالمعنى المكانيّ هو الذي يتراءى في خيار المربّع الذي طغى على تجارب وليد صادق، إلى جانب القوس أو نصف الدائرة، كشكلين من أشكال نظام هندسيّ متكامل. فالنزعة الاختبارية التي يتميز بها وليد صادق تتبدى في شكل الحامل أي اللوحة قبل محتواها، وكأنّ كل شيء عنده يبدأ من رفض المتعارف عليه والجاهز الصنع، نحو ابتكار حدود جديدة لعالم الصورة، أو ربما لطريقة رؤية العالم بلا حدود. ليس من لوحة تشبه الأخرى، بل إن لكلّ لوحة كيانها الخاص وتجربتها. ولكلّ لوحة مادتها وضوءها وظلّها الذي يكمّلها. ورغم صغر الرقعة التي يعمل عليها صادق ولكنها مشغولة بتقنيات كثيرة ومختلطة في آن واحد، بين تبصيم وتعجين وقحط وتلصيق وطبقات ألوان (خصوصاً ألوان البويا الصناعية) ورقع صغيرة من القماش أو الخشب أو الشاش مقصوصة وملصقة، في عمل يشبه فعل التضميد والقطع والتوليف والكسر والتجبير والحفر والتنقيب.

ما يبدو ظاهراً أنه فنّ أقليّ فقير (Art povera ) ينطوي على تقنيات كثيرة لا يمكن تخيلها على قطعة صغيرة بحجم راحة اليد. واللافت في اللوحات المقصوصة على هيئة أنصاف دوائر، كيف تتحول إلى قطع معلقة بمعنى الجسم المستقل في الفضاء Object بحيث إن ظلّ  اللوحة القابع في الأسفل يكمل الدائرة. وكثيراً ما ينعكس المشهد التجريدي المرتسم على السطح الأعلى من نصف الدائرة، مقلوباً في القسم الأسفل من الدائرة، لكأن الشكل أمام مرآة مخفية.

 

لون يتقاطع مع لون ليأخذه إلى مسار آخر، سطح يجاور سطحاً، شموس زائفة في محيط مائع وزائغ، انزياحات أمكنة مثل غرف بحوائط معوجّة، مسامير مثل تخاريم تلمع على صندوق، دوائر تبدو صغيرة ثم تكبر شيئاً فشيئاً مثل دوامة جاسبر جونز (Target)، وبقع لكأنها أزهار عائمة على سطح بحيرات، ومثل ألعاب السحر يد الفنان تخترع  توقيعات أعاجيبها. 

إنه رسام حقاً وبجدارة. ولئن كان التجريد بصفته الهندسية سمة الفن الأقليّ، لكن تجريدات وليد صادق بما تمتلكه من الشعرية البصرية، ينتفي عنها صفة الأقل، لأنها كثيرة الإيحاء والغنى وغزيرة المعاني في توالدها وتدفّقها من قريحة يافعة وغضة ومثيرة للعين والخيال.

 
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/6/2026 10:26:00 PM
ماكرون: فرنسا تعمل لمنع اتساع النزاع وتدين استهداف قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان
الخليج العربي 3/6/2026 8:11:00 AM
تعمل الحكومات على ترتيب رحلات مستأجرة وتوفير مقاعد على عدد محدود من الرحلات التجارية لإجلاء عشرات الآلاف من الأشخاص.
الخليج العربي 3/6/2026 2:35:00 PM
أعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن شكرها "لروسيا وأوكرانيا على تعاونهما مع جهود الوساطة الإماراتية–الأميركية".
الخليج العربي 3/7/2026 6:30:00 AM
"الغضب الملحميّ" يحطّم الرقم التاريخيّ المسجّل باسم "السرعوف المصلّي"