الجمعة - 04 كانون الأول 2020
بيروت 17 °

إعلان

"يوميات مدينة" لجان توما: دمعة مالحة على الشطآن

المصدر: "النهار"
يوسف طراد
الغلاف.
الغلاف.
A+ A-
حين كانت الشّوارع ساهرة تراقص فراغ الوقت والليل، والشّرفات مزدانة بألوان البهجة وملوحة الهواء، كان جان توما يطارد خيالات هائمة، مفتشًا عن حقائقها، رغم اندثارها في نهاية الأزقة البحريّة، وجمعها في كتاب بعنوان "يوميّات مدينة" الصادر عن "جروس برس ناشرون".
 
تدور في مدينة الميناء "مدينة الموج والافق" حرب باردة، بين زبد يذوب انعتاقًا على الصخور من سجن البحر، حالمًا بمسار الغيوم، وبين حضارة ظالمة جنّدها الباطون المسلّح، فأصبح همّ رمالها الهزيمة أمام سماوات مصطنعة.
 
تقرأ عند عتبة الكتاب، تقديمًا بقلم النقيب المحامي رشيد درباس، لتلج بعدها إلى مقطع "الميناء: طرابلس العتيقة"، الذي يُعرِّف بالمدينة منذ نشأتها، مرورًا بالزمن الّتي كانت فيه عاصمة اتحاد الممالك الفينيقية، حوالي القرن الثاني قبل الميلاد، إلى يوم كانت "السقالات" البحرية مصدرًا لرزق العديد من العائلات، وصولًا إلى البنايات الشّاهقة التي أفرخت في فسحة زمن مشؤوم في غياب مواسم الحصاد الثقافيّ أو الرّوحيّ أو الاجتماعيّ أو الإنسانيّ منها. فالمنازل القديمة، بُنيت بمحبة واتّقان، وكانت حصيلة ربطها للتواصل بنبض الأزقة إلفة ومحبة.
 
فرِح البحر من شرود قلم المؤلّف نحو اكتراث لزبده المفتون بالأبيض والعتب، فقد رقدت تفاصيل الكتاب، نبؤة في يوميات وأطياف تتماوج مع الموج أغنية سماويّة. خرجت من روح الكلمات، روائح عطرة محملّة بأريج ساحر، لأزهار الياسمين والليمون، راقصة بنعومة مع الرّقص الصاخب للعواصف مع البحر.
 
حين تكون عاشقًا مجنونًا بحبّ مدينتك، تدرك حكمة الحياة وسرّها. ما أجمل كلام جان توما، حقيقة عارية بعفوية البراءة كالشمس السّاطعة. عاد يلعب مع أطفال يقولون الحقيقة بحريّة مطلقة كما هي دون مهادنة، خلافًا لأطفال اليوم الذين فقدوا الكثير من عفويتهم، بعد تدجينها في عوالم الاستهلاك الغبية أخلاقًا ونظامًا ونضوجًا... رحل الصغار الأتقياء والأشقياء بالفطرة، فقد كانوا في صميم الحياة التي حوت على هوامشها أطفال اليوم.
 
داعب الكاتب في السكون طيف أشخاص الكتاب، الذي تراءى بعيدًا في أزقة ومحلّات ومهن مندثرة كساعي البريد "موزعًا الأشواق في رسائل الأحبة الواردة من بلاد الغربة إلى الأمهات"، في ذاك الزّمن، كان الشغف يغفو مع الشوق في أحضان المدينة، فلا ظلال في زوايا الذاكرة، ضمن أمكنة جميع قاطنيها يعرفون الجميع، "لا اسم شارع، لا صفة لبنانيّة، لا إشارة لزقاق، فقط اسم المدينة واسم المرسل إليه، أيُّ مدينة في العالم تعرف هذا النوع من البريد الإنساني". وها هو "المُعْلَنْجي" الذي اختصاصه " الإعلان الجماهيري عن اسم الفيلم وأبطاله"، في زمن كانت صالات السينما ملاذًا للهاربين من لا شيء.
 
هي شخصيات عديدة وصف توما حياتها فكانت مداميك علت فأعلت الكتاب قيمة، وزادت القارىء بهجة، كسرور من كان ينظر لغرابة الأمور، في "صندوق الفرجة". لكلّ شخصية قصّة ولكل مهنة رواية. ما أجمل أن تسير الناس في (زواقيق) وراء رزقها، يجرّون بحذر عربيات تكرج على ثلاثة دواليب. منهم بائع الخضار، ومنهم بائع الأواني المنزلية على "عربية الإزاز"، وصانع البوظة وبائعها، وبائع الفستق المحمّص الساخن، وبائع الكاز، إلى جانب دكاكين تحيط بساحات، يلعب فيها الأولاد، وتتهادى في فضائها أحاديث، مختلطة برائحة يود البحر.
 
 
لا يرسخ في الذاكرة سوى من اعتلى سلطانًا على عرش القلوب، ومنح العطاء من الذات دون ضجيج الكلام. اقتحمت أبطال المقاطع الكتاب، مع فكر الكاتب المتّقد، مبتسمة، كسرب حمام يرسم ملامح السماء فوق رمال الميناء، قبل انتصاب شواهق البناء حاجبة السماء والأفق. فكان البنّاء الذي جنى رزق عياله من سيمفونية الشاقوف وحجارة الرمل، وحفّار القبور، وسائق سيارة دفن الموتى، والقهوجي الذي يختال بصواني فرحة في الأفراح، وحزينة في الأتراح، متقلّبة المزاج حسب المناسبات، وأخيرًا وليس آخرًا، ماسك دفتر الحساب "النطاسي" الذي لا يهدر قرشًا واحدًا، لأجل إكمال قسط من طلب العلم في مدرسة مار الياس، فأبدع توما بوصفه –كما جميع شخصيات الكتاب– حذرًا من اِتساخ الثياب والمكان حين جنون المحبرة: " ترى كمّين من قماش أسود يمتدّان كطريق زفت من معصميه إلى كوعيه كي لا يتّسخ كمّا القميص الذي يرتديه".
 
استيقظت جميع الأمكنة في المدينة القديمة من عزلتها الزمنيّة، وسارت أنشودة مع حبر الكتاب دون اكتراث لقدرها المرصود، علّ هذا الحبر المسكون بالنوستالجيا المحببة يبدّد غبار الفسحات الرماديّة، لكن للأسف المعجزات هرمت، وشواهق الباطون احتلّت المكان والحلم والماضي الجميل، "فحرب المسالخ" في أوجّها بين القديم والجديد، والمنشآت والمباني الجميلة، التي كانت الأمواج تغتسل عند أقدامها مثل بناء "فوق الريح"، سكنها غمّ غلبة اللقاء الأزلي بين الموج والصخور، مقابل امتداد الإسفلت الذي لا حياة فيه، إلّا من إطارات سيارات تنفث من عوادمها ثاني أوكسيد الكربون القاتل للحياة.
 
كتب جان توما، وصية روح مدينة فينيقية، ثُقبت بلعنات الزمن الضال. ارتسم حبره، على بياض الورق الناصع هلوسات لم تكترث لدفق الذاكرة، الذي كحّل مداميك جدران الأزمنة الغابرة، في أمكنة سكنها نبض أحبّة ارتحلوا إلى السماوات ورودًا ونجوماً وخلودًا، وما زالت خطاهم منذورة لدروب نصعدها شغفًا على درج الأحلام.
 
وراء الأبواب المفتوحة دومًا على ساحات، هنالك سماوات تليق بملامح من عبرها وجعلها مشرّعة للأحباب ورياح البحر، فهرب طيف أبطالها من مواعيد منسية ولجأ إلى كتاب "يوميّات مدينة".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم