الخميس - 03 كانون الأول 2020
بيروت 22 °

إعلان

"مزمور السجين" ضمن "كتاب العتب"... ملحم الرياشي متجاوزاً الألم إلى الإيمان

المصدر: "النهار"
غلاف الكتاب.
غلاف الكتاب.
A+ A-
 
كتب: يوسف طراد
 
تجاوز ملحم الرياشي الألم إلى الإيمان، وروى ضفاف الخواطر بعطر الشغف الدفين، فابتسمت المعاني هدايةً من خلال سطور كتاب "مزمور السجين" السادس ضمن مجلد "كتاب العتب"، الصادر عن "دار سائر المشرق للنشر".
 
"صقيع" في السّجن رغم حرارة التوق إلى الحرية، وحده "سراج متفسّخ" ينير "كلمات حبرها دماء". أمام "كوّة صغيرة"، تساوى السّجين بالسّجان، لأنهما يشاهدان النور ويتنشقان الهواء من خلالها. لكن عند انعتاق الأول موتًا أو تحررًأ، وتقاعد الثاني من الأوامر أو الخدمة "لا يبقى إلّا... صقيع الحجر".
 
متى يحين "اليوم أيها السيد"، وهل يوم التهيئة بعيد، وهل تقاس المسافة الزمنية لحينه بالألم أو بالفقر أو بالجوع؟. أطلقوا المجون من شهوات مكبوتة، سجنوا الثورة في فضاء الحرية، "وأعنف ما يخطئه السّجان، هو تخمير ثورة ليوم التهيئة... وبصمت".
 
أسرار الشرق مسجونة، لم ولن يطلقها "الواقف على كفّ قدر"، فالشفاء من المخاوف هو الشعور الجميل بحضور الجالس على عرشٍ. في كل مرّة نجابه فيها حدثًا أو خطرًا أو شدّة أو خوفًا ويكون معنا في "وقفة عزّ" نصل الأماني.
 
 
هل يأتي حبّ من الغرب؟ وهل أن "حبّ من الشرق" تدوم إشراقة الضياء خلاله؟ وكيف أضحت قساوته واقعًا وسط هذا البؤس المتراكم، والحياة المفتوحة على شاشات العدم الملون؟. الرحم حرية والحياة سجن والأمنية خرقٌ لجدار الحياة "تحرّر الطفل من دفء رحم أمّه، فأسرته حياةٌ، لا رحمة فيها".
 
نعيش في الشرق القديم قدم الزمان، نشهد على "اغتصابات الحقائق" ونحلم بحياة على أرض جديدة. لكنّ قيدنا الدامي ينده النفوس المتمردة، ونبقى نراوح ملعبنا "أحقًا نحن هنا؟! من قال؟".
 
الوقت سجين أم هارب من السّجن؟ ومن يستطيع تقييده؟. "الوقت" لا يتناسل، فهو كثوب القماش الذي لا نهاية له، وعندما تحاول قطعه بمقص، تعلو "من سقوط إلى سقوط" وكأنك تخيط في المنام. لا تحاولوا معرفة كم يستغرق المدى لينتهي "لأن المشاهدة من داخل، تفتّح مسام الحقائق القاتلة".
 
هل يصغي إلينا ينبوع الماء؟ ، نعم "حبّ" يحمل ولجاته إلى "كلّ الحجارة المتألقة" و"ينمو مع الصنوبرات إلى أطراف أطراف أوراقها" يجعلنا نسمع الخرير سيمفونية أزلية تناجي الحميم. واجب الحرّ هو التحليق، فالثورة تحلّق، وكلّما حلّقت، وهبت الروح للسجين، وكلّما حاولت الهبوط أعادة "ثقل القيود" إلى فوق الكتفين.
 
"عروس القصر" مزّقت الدفاتر، لأنه مكتوب عليها أسماء من زرع وعمل في حرفة وتاق إلى حرية. عروس القصر التي "اختلطت بالقوم البسطاء" هربت مع فارس يصرخ: "أسقط أيها القصر".
نعم أيها الكاتب الصادق، عرفنا معك السّجين الأسطوري الذي بقي على قيد الحرية، داخل سجن نفوس من سجنه. وأشاد "من السجن قضية"، فهل خريطة تحرير الوطن من سجنه بين يديه؟ وهل من يقرؤها له من خارج الجغرافيا؟ أو أنك عالم (الطوبوغرافيا) الذي يدلّه على النقاط المخفية؟، "حزين من يتحسس ألم العامّة في هذه الأرض، إذا رحمه الألم فلن ترحمه العامّة".
ستفقد وزنك على طريق "لقاء" دون حمية، لكنك لن تخسر شيئًا من الكتلة الجسدية العابقة بروائح أعمالك الصالحة والطالحة "قدماي لا تنفعان لي بشيء". أنت الإنسان عاشق الحياة بصخبها وسجين ملذّاتها، أعتقك السيد لأنك أصبحت معه "... لا سجن بعد اليوم!، آه ما أقسى رحمتك يا ربّ". ظلم العلاقة خلاص الصديق، خلال المرور المحتوم عبر أروقة النهاية إلى الموعد الأبدي، "في بعض الأحيان، يختلق الصّديق صليبًا لصديقه، ويطعنه به".
 
(الكاتب).
 
حكاية حياة "بيلاطس" بعد الصلب، تنقلنا إلى الدين المقارن بقوة الإيمان، وإدراك المدعوين إلى المحبة بالرجاء. بداية المحاكمة حسب الإنجيل هدف المهمة "ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق" (يو 18: 37)، فقد تمّ كل شيء دون أن يسأل الحاكم ما هو الحق، ظنًا منه أنه يعرفه، لكنه كان محجوبًا بالجهل داخله دون سواه. وعندما (راحت السكرة وإجت الفكرة) كما يقال بالعامية، لم يسأل عن الحق بل عن صمت السيد "لماذا لم يجبني؟!". وكان رعدٌ وارتجفت الصخور من "ضجيج الحق"، "هل يعقل أن يدافع أبٌ صالحٌ عن نفسه أمام ولده؟"... "الجواب انتقاص من المجد". وبقيت حيرة السؤال على جبين الزمن. من نحن في إحصاء الكوكب الأزرق؟ لسنا سوى "أرقام، تُذبح... كما الدجاج... من خدعة إسمها الحُكم".
 
لا حدود ولا سهو ولا خجل ولا وجل، على طريق الحرية ودروب الحبّ الشائكة، الحرية سبب شقاء "صبية": "أخذوا حبيبي إلى السجن، وضمّوه إلى قوافل الذين أحبوكِ. بالله عليكِ ألا ترعوين؟!".
 
يموت البيدق على رقعة الشطرنج ليحيا الملك، لكن هذا البيدق يحيا بموته لأن الملك حيّ بداخله، فينتصر. وعند الهزيمة ينتفي وجود الرب داخله "وإمّا أن تتحرّر من رغبتك في النّدية... فتزول".
 
الهدية الكبرى هي البشرى عند حلول "ميلاد ليلة شرق"، السيد موجود بالفرح الكامن في النفوس من أجل التذكار، هدية كان أم لقاء أم انعتاقًا من المادّة.
 
حامل النور أصبح حاكمًا للعالم السفلي، خسر الحرب على قمم الجبال التي تحمل الشمس، فأضحى "لوسيفر" نقيضًا للإله، يقود حربًا مقدّسة كونية على قوى الخير. سَجَنَ مبتدأ ديرٍ في سجون الشهوة "أمّا التحرر فاسأل عنه من تدّعي أنّك من رجاله...". فكيف أصبح حامل النور نبع الظلام؟. الجميع أعداء السّجين لأنه صديق الحرية الموعودة، كلّهم يسعون إلى سجنٍ وهمه حقيقة تكّبلهم بقيود شهوات، أولها خمر مجونٍ وآخرها دماء معصم. فمن يعيش "من دون أعداء".
نصل إلى عنوان الكتاب، مقطع "مزمور السجين" وقد سجننا الكاتب في كلّ فكرة عشرات المرّات، وأطلقنا مع كلّ خاطرة ربانية ملائكة طائشة وشياطين بريئة، تتهادى بينها خيوط من رحم فراشات حلّقت ببطء، لتشهد من جعل نفسه عبدًا للعادة. رغم السّجون العديدة، لا سجن للنفوس الأبية، فكلّما عظم العذاب سَمَت النفوس. لن يستطيع أحد سجن القضية، "أريد وطني، أعيدوا إليّ وطني، أريد سجني، فأعيدوه اليّ، لآكل مع الفقراء، وأشرب مع الفقراء، وأبقى حرًا كما الفقراء في وطني".
 
هل قال لنا الرياشي أن الوجع والبؤس والألم هي نوع من أنواع إعدام ما هو هالك فينا؟. "كل كاتب متعلّم في ملكوت السماوات، يشبه ربّ بيت يُخرج من كنزه جُددًا و عتقًا" (متى 13: 52)، انطلاقًا من هذه الآية، وللهداية نسأل الكاتب: هل يستطيع أحد أن يحشر نفسه بين المدعوّين، إلّا إذا كان ألمه جسرًا إلى الولادة الجديدة بالروح، وقد أعتق نفسه من سجن الحياة؟
 
إنك يا ملحم الرياشي في قفص الإتّهام مع الشاعر الزجلي سعد كرم القائل: "يا حلم يا حرية الإنسان/ يا أمل يا وعود كذّابة/ يا كلمة العاشق ع كل لسان/ وبقْيت خبر مجهول بالغابة/ يا لذّة النوم بجفن نعسان/ يا صوت روح بغبرة ترابي/ حلمتك تيابي وخلقت عريان/ ومن يومها موعود بتيابي"، لأنك جعلتنا على طريق الانعتاق ولم نستطع بلوغ الحرية.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم