الخميس - 25 شباط 2021
بيروت 15 °

إعلان

"المسيحيون خميرة المشرق وخمرته" لناجي نعمان: كنز تاريخي وجغرافيا برسمٍ واضح

المصدر: "النهار"
يوسف طراد
الغلاف.
الغلاف.
A+ A-
رحمة بالإنسانية المعذّبة والتاريخ الوجيع، يرجى من كلّ من سيقرأ كتاب "المسيحيون خميرة المشرق وخمرته" للأديب ناجي نعمان، الصادر عن دار نعمان للثقافة، إن كان مسيحيًّا أن يتحلّى بالإيمان المسيحي القويم، وإن كان مسلمًا أن يحافظ على شغف المسلم القوي للصلاة من أجل الثواب، وأن يطوي صفحاته الأخيرة بأمل الأتقياء بالغد الواعد والسلام المرتجى.

موضوع الكتاب مضمّخ بالإيمان، أخرجه نعمان فجاء تحفة فنيّة تاريخية، يحاكي أوجاع المسيحيين، ومرجعًا تُستقى منه حقائق موثّقة في تاريخ كنائس المشرق جمعاء: الآثورية والكلدانية، الأرمنية، القبطية، البروتستنتيّة، كنائس الروم الملكيِّين، والسُّريان، واللّاتين والموارنة.

عبر مدخل الكتاب يتساءل نعمان مستغربًا: "في المشرق الكلمة، ومنه انتشار المسيحيّة في أصقاع المعمورة، فهل يعقل، بعد ألفيّتين، اختفاء أتباع الكلمة من المشرق عينه؟" ويتابع موضحًا أنّ مسألة الوجود المسيحيّ في المشرق موضوع عزيز على قلبه، "كما على قلب كلّ مشرقي مسيحيّ، لا بل على قلب كلّ مشرقي أصيل من غير المسيحيين".

فنّد الباحث أصول الشعب العربي، ووضعه تحت مقاييس مختصّة لتحديد مدى البعد أو القرب من النواة العرقية العربية الصافية: (العرب والمتعرّبون والمستعربون) موضحًا أنّ صفة العروبة ليست حكرًا على الجماعات الإسلامية فقط، فهنالك نسبة لا بأس بها من المسيحيين العرب وخاصّة قبل بزوغ فجر الإسلام، "وليس جميع العرب والمتعرِّبين والمستعربين من المسلمين، كما ليس جميع المسلمين من العرب والمتعرِّبين والمستعربين".

حدّد ناجي نعمان جغرافية الكتاب: "المسيحيّون في الكتاب الحالي هم المسيحيّون الموجودون بين العراق ومصر، مرورًا بسوريا ولبنان والأردن وفلسطين..." ونادرًا ما ذهب السرد بصورة تشير إلى مناطق هجرة المسيحيين في أوروبا وأوقيانيا والأميركيتين وغيرها من بلاد الانتشار كالهند وبلاد فارس وروسيا، موضحًا الفرق بين الشرق والمشرق.

قيّم الكاتب الجهد الكبير الذي قام به المسيحيّون المشرقيّون خلال الأزمات الكبرى، دفاعًا عن الشرق والوطن العربي ككل: "حارب المسيحيّون المشرقيّون الاحتلال التركي، فالاستعمار الغربي، تمامًا كما حارب المسلمون هذين الاحتلال والاستعمار". هنا تحضر أمامنا أسماء الشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن الوطن العربي مطالبين بالاستقلال من النير العثماني، والذين ذكرهم الأستاذ رمزي توفيق سلامة في كتابه "الناجون 1914- 1918"، وكان أولهم الخوري يوسف الحايك الذي شُنق في ساحة المرج في دمشق بتاريخ 22 آذار 1915، وشهداء ساحة البرج الذين علّقوا على المشانق بتاريخ 6 أيار 1916 وهم حسب الكتاب المذكور: خليل عبد الكريم من برج البراجنة وهو رئيس المحفل العربي في إسطنبول، الشيخ أحمد مسلم عبدين ابن العائلة الدمشقيّة المرموقة، محمّد ومحمود محمصاني من بيروت شابان يدرسان في باريس، الكاتب والمحرّر علي الأرمزي من حماة، صالح حيدر رئيس بلدية بعلبك وسليم عبد الهادي من فلسطين وغيرهم.
 

كما أبرز المؤلف الصفة القيادية للمسيحيين الذين قاوموا الاحتلال الصهيوني لفلسطين، "وها إنّ الفلسطينيَّيْن، الملكي الأرثوذكسي، جورج حبش، والملكي الكاثوليكي، نايف حواتمة، يقودان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومتفرعاتها، وها إنّ الملكي الكاثوليكي، السّوري إلاريون كبّوجي، مطران القدس، يعطي المقاومة الفلسطينيَّة أبعادًا جديدة".

لم تكن هجرة المسيحيين منذ فجر الكنيسة طوعية إلى بلد الملجأ لبنان، الذي ذكره الكاتب بهذه الصّفة عدّة مرّات خلال السرد، بل كان بسبب أداء الملوك والأمراء والخلفاء والسلاطين الذين حكموا الشرق بالحديد والنار، فكانت جبال لبنان حاضنة لهؤلاء بسبب وعورة مسالكها. لكن، وبالرغم من صعوبة ولوجها، اجتاحتها عدة حملات نكلّت بها وهدمت دساكرها، خاصّة في عهد الصليبيين والمماليك والعثمانيين. وقد ذُكرت كل هذه الأمور بوضح وأمانة في الكتاب.

وثّق نعمان عدّة حوادث، دلّت على أنّ لبنان، لم يبخل على الشعوب المتأرجحة بين المآسي والمنافي، بالضيافة والحضانة على مرّ العصور، وانتزع الهم الرابض على أنفاسها اللّاهثة وراء الحرية والأمان: "لم يعترف السلطان العثماني بـ كيرلّس السّادس بطريركًا، فاضطرّ الأخير إلى مغادرة دمشق إلى دير المخلّص لبنان"، "فقد اتّبع سلاطين بني عثمان، بعد انحسار سلطة البزنطيّين وسقوط القسطنطينيّة، سياسة تعسفيّة، فتدخّلوا في شؤون الكنائس، وفرضوا مبادىء وقوانين خاصّة بها، كما ضغطوا على المسيحيِّين من رعاياهم، والسّريان منهم، ممّا دفع بكثيرين إلى اللّجوء إلى جبال لبنان".

عشقت الشعوب المسيحية الحياة، بكل هزائمها وانتصاراتها، مشت العمر باحثة عن الحريّة والكيانية الثابتة. ابتدعت الكثير من الإنجازات في مسيرة العظماء والقدّيسين، وارتضت لها فسحة حب وعطاء وسلام مع الآخرين، فكان منهم القدِّيس والطوباوي والسياسي والأديب والمفكّر والفيلسوف والعالم والباحث والإداري اللّامع والطبيب المتفوّق، فقد عدّد ناجي نعمان المئات منهم في سطور شعّت بتفوقهم أنشودة فرح وشهادة وعطاء، "وما زال التاريخ يسرد لنا لائحة بأسماء كبار الإداريين والمفكّرين المسيحيِّين في إدارات دمشق وبغداد وبلاطاتهما".

بدا واضحًا في الكتاب، أنّ العدو مشترك لمسيحيّي الشرق ومسلميه، وقد تجلّى هذا الأمر بالتنكيل العثماني لشعوب المنطقة، ومحاولة تجريدها من الأرض واللّغة، ولم يكن المحتل -كائنًا من كان- يراعي أمور أيٍّ من الطرفين إلّا لمصلحته الخاصّة ومصلحة دولته "بيد أنّ الآثوريين، وتاريخ المسلمين، سيعرف هجمة المغول العنيفة على بغداد عام 1258"، "لقد وزن النّفط أكثر من الدّم الأرمني". يحضرنا هنا قول للروائي المصري سمير زكي في كتابه "البنك العثماني" الذي وصف بِلَوْعة الهجرة الأرمنية أوائل القرن العشرين إلى الإسكندرية: "أجساد متلاصقة بغراء الإنسانية المشرّدة وملتحفة بكآبة العار".

كما وظهرت في الكتاب، اللّوعة الشديدة للصراع بين المسيحيين والمسلمين، فكان أسف الكاتب صرخة من أعماق العدم في الخواء الطافح بالجهل والتعصب، "ولئن لم يَخْلُ التّاريخ المسيحي- الإسلامي المشترك، على مدى أربعة عشر قرنًا، من النزاعات جاءت نتائجها إضعافًا للعنصر المسيحي في المنطقة..."، داعيًا للمسير في النور والتنور من الأنبياء والقدّيسين، الذين جعلوا إعلاء شأن الإنسانية هدفهم، "وعلى مسافة كوكبنا، كلّ البشر (أقلّيّات) إذا كان تفكيرهم ضيّقًا متزمّتًا، وكلّهم (أغلبيات) إذا كان تفكيرهم واسعًا متنورًا."

الدعوة واضحة أواخر الكتاب، من أجل وحدة الكنائس في الشرق، على الصعيد الديني، تحت اسم " الكنيسة المشرقيّة أو الشرقيّة أو العربية"، أيّا كان رابط هذه الكنائس الحالي، "ستكون، تلك، خطوة جريئة، وستتطلّب تضحيات، ولا سيّما على صعيد رجال الإكليروس، بيد أنّها خطوة ضرورية لما تقضي عليه من تناقضات رخيصة كانت في ما مضى، مع بعض التّفنن، سلاحًا حادًا قتل به المسيحيّ أخاه المسيحيّ، كما هي خطوة جبّارة كونها تجعل من المسيحيّين قوّة متراصّة فاعلة".

ناجي نعمان باحث مؤمن، كتب الصّمت الفصيح، وخضّ الشّرق بالحب الجريح. هل قدره أن يشاهد المؤمنيين يرحلون، وقد أشعلوا القباب، ولم يأخذوا معهم مفاتيح منازلهم القديمة؟
كاتب ولأنه الأكثر واقعية بين أترابه، حلم الواقعية رؤى، وأسكنها حكايات الكتاب، فقد قطف الكلمة لحظة محبّة في أوانها خلاصًا، قبل أن تهلك الرعايا سرابًا في خفايا الأزمنة والغد، فكان كتابه "المسيحيّون خميرة المشرق وخمرته" واقعًا حالمًا، وانتصار حزن، على حدود التاريخ والذاكرة خارج الأسوار والأقنعة.


 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم