الثلاثاء - 13 نيسان 2021
بيروت 17 °

إعلان

"أبعاد التنمية والعولمة المستبدة" لكامل مهنا: وثيقة تأسيسية للتحوّل من دولة الطوائف إلى المواطَنة

المصدر: "النهار"
كامل مهنا.
كامل مهنا.
A+ A-
الدكتور مصطفى حجازي
 
يطرح كتاب الدكتور كامل مهنا الجديد "أبعاد التنمية والعولمة المستبدة - مؤسسة عامل الدولية والقطاع المدني في لبنان"، الصادر عن "دار الفارابي" (2020)، ملف تنمية المجتمع الأهلي والمدني بشكل شامل وجيّد التوثيق، ويقدم رؤى رائدة وغير مسبوقة في عمقها وشمولها تاريخياً وبنيوياً، انطلاقاً من خبرة ميدانية ملتزمة بالانسان وتنميته وكرامته تزيد على أربعين سنة. وهو ينفتح على المستقبل لمجابهة تحديات العولمة وهيمنتها وجوانبها الظالمة والمظلمة في حقّ جماهير البلدان النامية.
 
يعرض المؤلّف التطوّر التاريخي للعمل الأهلي ومراحله في لبنان بنظرة نقدية تتوّسل التفكير الإيجابيّ، بدلاً من الشكوى والبكاء على الأطلال. كما أنّه يحلل بنى مؤسسات هذا القطاع كاشفاً خصائصها ومآزقها وسبل التطوير والخروج من معوقاتها، مقدّماً رؤية رائدة في هذا المجال تتصف بشمولية المقاربة، من خلال طرح ثلاثية معوقات بنى مؤسسات التنمية المجتمعية، مضافة إلى معوقات المجتمع الثقافية، ومعوقات الهيئات الرسمية المعنية وكيفية تعاملها مع هذا القطاع. وهي مقاربة شمولية وجدلية غير مسبوقة في أدبيات التنمية المجتمعية. إذ درجت الكتابات في هذا الصدد على الاقتصاد، أحد أبعاد هذه الثلاثية، ما يجعل المقاربة تأتي مجتزأة وتعجز عن الإلمام بالدينامية الكلية الحاكمة لهذه المؤسسات في ممارساتها ومخرجاتها. إذ إن الواقع لا يتضح بكل خصوصياته إلا من خلال تبيان التفاعل الجدلي ما بين العمل الداخلي والمؤثرات الثقافية الحاكمة لتصرفات المستفيدين وتدخّل الأجهزة الرسمية المعينة.
 
لا تطرح هذه المقاربة التكاملية الجدلية على الصعيد اللبناني وخصوصياته وحدها، إنما تندرج ضمن المنظور الكبير المتمثل بالعولمة وهيمنة أسواقها المالية التي تراكم الثروات لدى القلة القليلة من أقطابها، على حساب نهب مقدرات العالم النامي، ومن خلال نسف حقوق المواطنين المتعلقة بالتأمينات الاجتماعية، والحقّ في الحد الأدنى من كرامة العيش. كما تطرح معها سياسات المساعدات التي تقدمها دول الشمال، المستفيدة الأولى من هيمنة أسواق مال العولمة، والتي تقدَّم بشكل فوقي تحت شعار تنمية العالم الثالث. في حين أنّها تحاول إحداث الشرخ ما بين المؤسسات المدنية ومؤسسات الدولة الرسمية المهنية، حيث يتمّ التركيز على فشلها وقصورها. كما تتمثّل الأجندة الخفية لهذه المساعدات في التغلغل إلى مقومات الكيانات الوطنية وفهم آليات عملها، وكذلك خصائص الأوساط الشعبية المستفيدة من هذه المساعدات، وميولها وأوجه حرمانها وما تحمله من توتر وتمرد. كلّ ذلك كي تحكم سيطرتها على هذه الكيانات الوطنية لمزيد من الهيمنة وفرض السياسات التي تخدمها.
 
هنا تبرز ريادة ممارسات "مؤسسة عامل الدولية" في التعامل مع هذه الجهات المانحة، من خلال تصويب مسار العلاقات من فوقية – تبعية، ومن إملاءات وانقياد إلى العلاقات التشاركية الندية، وصولاً إلى التفاهم على صيغ عمل نابعة من خصائص مجتمعاتنا واحتياجاتها، بدلاً من فرضها بمثابة وصفة تصلح لكل زمان ومكان.
 
على أنّ الإسهام الأهمّ لهذا العمل الرائد يتمثل برؤى التطوير المستقبليّ للتنمية المجتمعية وتناسق أدوار وشراكة الثلاثية التي سبقت الإشارة إليها. ويُضاف إليها تغيير المنظور من الإغاثة والإسعاف إلى التركيز على تنمية الإنسان وتمكينه، من خلال مبدأ كرامته والحفاظ عليها والعمل على ترسيخها، وصولاً إلى إطلاق طاقات النماء لديه والإمساك بزمام مصيره وصناعة هذا المصير.
وبعد عرض تاريخي متعمّق لعمل هذه القطاع وتحوله من عمليات الإغاثة والإحسان والإسعاف التي سادت خلال مراحل الحرب الأهلية وانقساماتها الطائفية، مضافاً إليها الاعتداءات الاسرائيلية المتكرّرة على لبنان، وجنوبه على وجه أخص، وما حملته من تشريد وتهجير ودمار، إلى العمل التنموي للإنسان فيما يتجاوز الانتماءات والمناطق على اختلافاتها، تدخل "مؤسسة عامل" نموذجاً لهذا التحول. وهي مؤسسة مدنية، لا طائفية، تخدم الإنسان وتمكينه على كامل الأراضي اللبنانية، بمعزل عن انتماءاته أياً كان نوعها. ذلك أنها مؤسسة نشأت من رحم الفواجع التي حلّت بلبنان من خلال جولات الحرب الأهلية والاعتداءات الإسرائيلية وما سببته من دمار وكوارث. كان لعامل دور حيوي في أعمال الإغاثة، وتحولّت من ثم إلى تنمية الإنسان. تأسست "عامل" كما هو معروف في العام 1978 من مجموعة رائدة من الشباب المناضل الملتزم بإنماء الإنسان وكرامته وحقه في العيش الكريم والإمساك بزمام مصيره. واحتل الدكتور كامل مهنا الدور القيادي في هذه المجموعة المؤسِّسة، وكرّس حياته ولمّا يزل للنضال من أجل كرامة الإنسان وتمكينه، ومن أجل فلسطين القضية المرجعية عربياً.
 
ونظراً إلى هذا التوجّه النضالي في تنمية الإنسان، فلقد اختطت "عامل" أسلوباً فريداً في العمل، يمثل حقاً نقلة نوعية في التنمية المجتمعية، على صعيد فلسفتها ومبادئها الحاكمة لعملها، وأساليب إدارتها وعلاقات العمل فيها وبجمهورها. وهو نموذج يستحق التوقف عنده ملياً، إذ إنه يرسم خارطة طريق فاعلة، يمكن لمؤسسات التنمية المجتمعية اقتباس الكثير من معطياتها وتوجهاتها، بغية التحول من العمل الإحساني الفوقيّ إلى العمل التنموي للإنسان. وقد يكون الأهم التحول من أسلوب الإدارة المركزية الفوقية التي تتخذ طابع المَرْيَسَة bossism ووجاهة العمل الإحساني في المناسبات العامة. وكذلك تغيير المنظور من الانتماء الطائفي والمذهبي، إلى الانتماء الوطني العام والانطلاق من مواطنة الإنسان، أياً وأينما كان.
 
ولقد تسنّى لنا الاطلاع بالتفصيل على أسلوب الإدارة هذا وفلسفتها، من خلال مواكبتنا المديدة لمسيرة "عامل" والحوارات الثرية مع قياداتها والعاملين فيها وفي مراكز تنميتها.
 
إننا بصدد ما يُسمى بالقيادة المنمّية على النقيض من الرئاسة الفوقية – التبعية، وكذلك التفكير الإيجابي والتفاؤل الدائم، وصولاً إلى إطلاق الدافعية الجوانية للعاملين ولجمهور المستفيدين وطاقاتهم الحيّة، بما يحقق الفاعلية الذاتية والجماعية، وصولاً إلى التنمية بالمشاركة من أجل التمكين، وتشكّل هذه كلها بعضاً من أسس فلسفة "عامل" في العمل التنموي، إضافة إلى التشبيك والتنسيق مع القطاع الأهلي والحكومي والهيئات المانحة من موقع الندية وتبادل الرؤى لتحقيق أهداف كرامة الإنسان وتمكينه. ولا بد من وقفة سريعة عند بعض هذه المفاهيم التي أوردها الدكتور كامل مهنا في كتابه "أبعاد التنمية..."، والتي خبرناها من خلال مواكبتنا لتجربة "عامل"، ويمكن تجسيدها في الممارسة العملية.
 
 
القيادة المنمّية هي تلك القيادة القدوة التي تعمل على إطلاق طاقات النماء عند العاملين والمساعدين من خلال تقديم النموذج. فالدكتور كامل مهنا يمارس هذا النمط من القيادة في تعامله مع مدراء ومنسقي المشاريع، من خلال التفاعل الأفقي التشاوري الأبعد ما يكون عن المَرْيَسَة والإملاءات الفوقية، ومن خلال تحفيز الدافعية الملهمة المتمثلة في خلق الحماسة والالتزام الذاتي لدى العاملين وبث الثقة بقدراتهم على الإنجاز. كما يتمثل هذا النمط من القيادة في تحفيز العاملين على تشغيل أذهانهم وإطلاق مبادراتهم بما يساعد على ابتداع الحلول للمشكلات العملية. وهذا يطلق دافعتهم الجوانية، ويعني أن الإنسان يعمل ليس لمجرد كسب العيش، وإنما هو يعمل لأنه يجد ذاته في ما يعمل وينجز، ولأن ما يعلمه يمثل ذاته وعطاءه ورغباته: "هذا أنا، وهذا ما أنا قادر عليه وأعتز به".
 
هذا المنحى من القيادة المنمية والتفكير الإيجابي والتشاركي التشاوري على مستوى الإدارة، الذي يعممه الدكتور مهنا في "مؤسسة عامل" على إدارة مختلف المراكز والمشاريع، ويشير إليه في كتابه الذي نحن في صدده، يجعل كل مسؤول يعمل انطلاقاً من هذه التجربة في إدارة المهام الموكلة إليه، ويطلق المبادرات من جمهور المستفيدين في ابتداع الحلول الذاتية والتشاركية لمكشلاته وتلبية احتياجاته. وهكذا يتحول المستفيد من تلقي العون والتبعية إلى المبادرة والسعي إلى إيجاد الحلول، بحيث يشعر بأنه في داره، وأنه هنا كي يصنع لنفسه حياة من خلال اكتساب المهارات التي تتيح له التحول من السلبية والعجز إلى المبادرة والعطاء.
تتبنى "مؤسسة عامل" فلسفة عمل تنطلق من الالتزام الراسخ بالإنسان، والمبدأ القائل بأن تنمية الإنسان ليست منّة أو صدقة، وإنما هي حق مشروع ومكرس. وأنّ هذا الحق لا يمكن أن يتحقق وأن يدوم إلا من خلال الاعتراف بإنسانية الإنسان وكرامة كيانه، ومن خلال إطلاق طاقات النماء الكامنة لديه، ليتولى زمام مصيره بيده ويصنع له حياة تليق بإنسانيته.
 
يقدم الكتاب خريطة طريق للإصلاح التنموي الاجتماعي في لبنان، لجهة المسار المطلوب والعمل على تطوير الخلفية الثقافية الاجتماعية، وكذلك الرؤى ودور منظمات المجتمع المدني في بناء الإنسان – المواطن، وكذلك أساليب وآليات التنسيق والتكامل في الجهود بين مختلف الأطراف، وصولاً إلى التحول من دولة الطوائف إلى دولة المواطنة. ويتوج ذلك بمشروع مقترح لقانون عصري للجمعيات.
 
إننا فعلاً بصدد عمل جامع يتعيّن أن يعمّم ويدرس ويجري التفاكر في معطياته والاستفادة من فلسفته ورؤاه. إنه يشكل في تقديرنا وثيقة تأسيسية هامة للنهوض بالعمل التنموي الاجتماعي، يمكن أن تشكل العديد من طروحاتها مادة نقاش لمنتديات لبنانية وعربية، وصولاً إلى وضع استراتيجية لبنانية وعربية للعمل التنموي الاجتماعي في فلسفته ومبادئه وبناه التنظيمية وآليات اشتغاله.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم