السبت - 23 كانون الثاني 2021
بيروت 16 °

إعلان

"فودو" لناهد فرّان: الرسالة على حساب الالتزام الأدبي

المصدر: "النهار"
نبيل مملوك
الغلاف.
الغلاف.
A+ A-
 
لطالما نادى النقاد والمفكرون بفكرتي الالتزام الأدبي من جهة، وعدم الالتزام من جهة أخرى، ولا تزال قضية الالتزام موضع إشكال وبحث، بخاصة بعد طرح جدلية أن خاصية الالتزام الأولى هي الحرية، ثم ذهب طه حسين بتيار معاكس، معتبرًا أنّ الالتزام يقيد الأديب ويجعله عصفورًا في قفصه. أما ناهد فرّان، فبعد أن التزمت قضية المرأة في روايتي "زوايا النسيان" (طبعة أولى 2016، الدار العربية للعلوم ناشرون)، و"رحمة" (طبعة أولى 2017، دار العربية للعلوم ناشرون)، خلعت هذا الثوب في نصها الروائي الجديد "فودو" الصادر عن الدار نفسها (طبعة أولى 2020) مستبدلة إياه بالذاتية الساطعة، مستخدمة الحنين كمحرك أساس للبحث عن حقائق أسريّة تتعلق بجدتها اللوا المعتنقة ديانة الفودو، في إطار زمني متأرجح ما بين الماضي والحاضر.
 

اعتمدت فرّان على سرد منقطع، كون دفتي الماضي (بين منتصف العام 1800 حتى 1900)، والحاضر (عام 2018) وطغيان الوصف في مطلع النص، مما يحفز المتلقّي على نسج المشهدية المطلوبة والمقصودة، فيما الكاتبة تعمدت جعل الزمنين بشكلين أدبيين متبانينين.
ففي الماضي، كان السرد خالصاً قائماً على استقراء تاريخي متسلسل، إضافة الى اعتماد طفيف على الحوار، مما جعلنا أمام بحث تاريخي متجذّر، واظهار لتشعبات بيولوجية أسرية مربكة، تقودنا الى شخصيات متكاثرة، وأصل نانسي وتاريخها، فكان ضخ المعلومات والسرد مُصاحباً للأحداث والشخصيات... وما استخدام الكاتبة الهامش الاصطلاحي والتاريخي التأويلي في آخر الرواية والرسم التوضيحي "شجرة العائلة" في مدخل الرواية، الا دليل إلى سعي الروائية الى الايضاح وتجنّب الغموض.
 
أما الحاضر، فكان الحوار هو العنصر الانسيابي المفعم بالرومانسية والتشويق والعاطفة والانفعال، الأمر الذي يعزّز حركة الانسجام لدى المتلقي ويضاعف من قوتها.
 

في المضمون، كانت ناهد فرّان مختلفة، باحثة ورحالة وذاتية بشكل مكثف، والاهداء هو العتبة التي قدّمت الروائية الينا. الاهداء الذي يؤسس للوفاء لجدة عاشت في القرية السمراء، لنكون نحن شهداء على هذه البيئة الصاخبة بالحدة والمعاناة والاضطهاد والحرب والفقر... الا أنّ الجانب الإنساني الوجودي لم يغب، وأسعف فرّان التي غاب الالتزام في نصها، فكانت الرسالة هي العباءة الجديدة لهذا النص، حيث الغوص في ديانة فودو، ونقاشات نور مع الدكتور آدم الثمانيني الذي فجّر الدهشات وعنصر المفاجأة "البيولوجية"، ليكون التركيز على أنّ الديانات السماوية والأرضية في معظمها يجمعها الإنسان والمودة والولاء لوحدة الرب...
أرادت الكاتبة أن تبعدنا من القشور العقائدية والايدلوجية التي تميزنا عن بعضنا، وتدعونا للغوص في ما يجمعنا، بدءا من العودة لأصول نانسي التاريخية والإنسانية الايديولوجية في قالب جيوبوليتيكي غير مستقر، حيث الأمكنة المفتوحة، وصولاً الى الجدال في مكان مغلق بين نور وآدم.
 
يقول عباس بيضون: "إذا كان الضعيف لا يقوى على العراك فهو أقدر على التفكير"، ونور التي فكرت بقوى وسافرت لتبحث عن الحقائق، هي الشخصية الرسالة التي نحتتها فرّان، لتضعنا أمام تساؤل: "هل ينبغي أن نتكل على الآخر لنقرأ الحقيقة أم يكون الاقتناع بما نحن عليه وكنّاه هو وليد بحث؟"، لا شك أنّ العلمية والإبداعية هما المذهبان الحاضران في فودو، برغم الارباك وتأرجح الرومانسية، لكن الرسالة كانت أقرب الى رفض العقل لفكرة "يا ضيعانن راحو، شو ما صار لكن راحو"، التي غنتها فيروز -أي أنّه يجب المغامرة خلف كل ما هو مضمر وان كان من حمله قد اسلمت روحها منذ زمن كـ "اللوا"- في هذا النص.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم