الخميس - 03 كانون الأول 2020
بيروت 22 °

إعلان

"الاستبداد والإرهاب واحد"... الروائية السورية ابتسام تريسي لـ"النهار": الصّوت الدّاخلي يولد للإبداع

المصدر: "النهار"
الروائية السورية ابتسام تريسي.
الروائية السورية ابتسام تريسي.
A+ A-
 

محمد علي الأسعد- ألمانيا
 
عبّرت في كتاباتها عن الثورات والحرية فأبدعت، وكتبت عن الفقد والقهر والظلم الذي عكّر صفو حياتها. لها 31 مطبوعة آخرها "القمصان البيضاء" ورواية تحت الطبع، هي "كتاب الظلّ" وثلاث مجموعات قصصية. حازت على الجائزة الأولى لمسابقة "سعاد الصباح" عن مجموعتها القصصية "جذور ميتة". هي قاصة وروائية سورية مميزة بإنسانيتها تجاه قضايا التحرّر، وأبرزت في كل ما كتبته عشقها للوطن. حملت "النهار" أوراقها وحاورت الروائية السورية ابتسام تريسي، فكان هذا اللقاء. 

- ظهور الحرف لديك مرتبط بصوتك الداخلي، كلما علا نضج حرفك أكثر، كأنني أرى حالة مخاض، متى تعلنين ولادة الحرف؟
 
الصّوت الدّاخلي هو المولّد الأساسي لأيّ حالة إبداع على اختلاف أنواعه وهو انعكاس لكلّ المؤثرات الواقعية ونتيجة لكلّ الاعتمالات التي تتفاعل داخل المبدع وما يجعل هذه النّتيجة ذات قيمة هو مقدار عمقها الإنساني، فالحرف يولد بعد كلّ هذا التّفاعل الدّاخلي الذي ينتقي ويصطفي كلّ ماهو جوهري في صيرورة الحياة ليقدم خلاصة يستطيع المتلقي التّفاعل الإيجابي معها.
 

-هل انحيازك للرواية سببه أنّ الشعر لديه مساحة للتعبير أصغر من الرواية، أم أنّ رغبة والدك هي السبب؟

نشأت على يدي امرأة حكّاءة هي جدتي. بقيت الحكاية ملعبي الصّغير، واعتقلتني داخلها فكبرت هناك وابتعدت من اللعب ومشاركة البنات أحلامهن العادية وألعابهن. أوّل مغامرة لي كانت كتابة قصة وأنا في العاشرة من العمر، أول مغامرة مع القراءة في عالم الكبار من اختيار والدي "الأيام" لطه حسين، "خان الخليلي" لنجيب محفوظ. الأعمال الكاملة لمحمود درويش الصّادرة عن "دار العودة". قبلها كنت محبوسة مع مجلة أسامة، وميكي، وسمير، مجلة أسامة التي تركت فيّ أثر زكريا تامر وأسلوبه القصصي. 
 
أبعدني والدي من الشّعر من غير قصد، لأنّه قاد خطواتي نحو ما يحبّه من أعمال محمد عبد الحليم عبد الله وجبران والمنفلوطي. وغصت في الأدب العالمي فقرأت ترجمات الأدب الروسي والفرنسي والأميركي وكل ما وقعت عليه يدي. كتبت الشّعر في الخفاء واعتبرته بضاعة ممنوعة لأنّه تعبير وجداني عن مشاعر خاصة في مجتمع لا يفرّق بين الواقع والخيال ولا يمنح المرأة حق التّعبير عن عواطفها. الشعر يغلبني أحياناً فيتسلل إلى رواياتي وذلك تجلّى في "ذاكرة الرماد" و"غواية الماء". 
 
 
- منذ عام 2011 والجروح تحفر في رواياتك أخاديد عميقة، برأيك لماذا تأخر انتصار الشعب، ومتى ينتهي هذا الاستبداد والظلم؟
 
كانت ثورة سلمية أمام أسلحة متطورة ونظام مخابراتي موغل في التّوحش والإجرام. لا أستطيع القول إنّه قصور في التّفكير، فلو سُبقت الثّورات في العالم بحسابات دقيقة ودراسات لما قامت مطلقاً. شباب مندفع في مواجهة نظام مخابراتي عالمي استطاع اختراق صفوفه غير المنظمة أصلا وزرع فيها جواسيسه وأطلق سجناءه غير السّياسيين ليحملوا السّلاح ويقضوا على الثّورة، البعض يرى أنّ أبناء الثّورة خانوها وسلّموها للنّظام (وهذه نظرية النّظام التي أراد لهم أن يقتنعوا بها) والحقيقة أنّ أبناء الثورة ماتوا في المعتقلات تحت التعذيب، وغرقاً في البحر أثناء محاولاتهم الوصول إلى الحرية في الغرب، وبعضهم _وهم قلة_ قتلوا في مواجهات مع جيش النّظام.
 
لن ينتهي الظلم والاستبداد قبل القضاء على النّظام وكلّ المتطرفين والإرهابيين الذين يلبسون أقنعة الإسلام وهما وجهان لعملة واحدة.

- التوثيق ميزة أساسية في رواياتك، وكأنك تقولين أنا أرشيف حياتكم، كيف يمكننا الحفاظ على أرشيفنا الأدبي العربي؟

أنا روائية ولست مؤرخة ولا أكتب وثيقة تاريخية، لكني أهتم بتقديم معلومة صحيحة ودقيقة وموثقة في العمل الروائي الذي يقوم أيضاً على التخييل والأسطرة ولا يتخلّى عن اللغة الأدبية. وقارئ "مدن اليمام/ولمار/ ولعنة الكادميوم/ وهي روايات عن الثورة فيها توثيق لما جرى في السنوات الأربعة الأولى من عمر الثورة_ يدرك جيداً أنّه أمام عملٍ روائي أولاً وأخيراً. 
 
قد تُستخدم رواياتي في المستقبل من قبل الأجيال القادمة "كأرشيف" أو وثيقة" لأيام الحرب ومجريات الثّورة وتفاصيل الحياة اليومية لأشخاص سيكونون في ذلك الوقت قد رحلوا وأنا معهم. 
 
أعتقد أني بما أملك من ذاكرة حية قوية قد قمت بعمل جبار في رواية (الشّارع 24 شمالاً) التي وثّقت فيها لحكايات نساء اللاذقية في حي الشّيخ ضاهر خلال قرن من الزّمان منذ بداية نشوء الحي وحتى الثورة. بعدها كتبت (سلّم إلى السماء) تناولت فيها قضية النّزوح إلى تركيا والهرب إلى أوروبا والعودة. 
 

- هل الحدث السوري واعتقال ابنك أسهما في غزارة انتاجك؟

إن كنت سأربط غزارة الإنتاج بمجريات الثورة، فذلك سبب رئيس بالتّأكيد لكنه ليس السبب الوحيد بل شعوري الدّائم بأنّي في سباق مع الزّمن، وأنّي أريد كتابة كلّ الحكايات التي تثقل كاهلي قبل أن أرحل عن الدّنيا، وفي ملفاتي مشاريع روائية كثيرة تنتظر الظّهور إلى النّور هناك أكثر من رواية لا علاقة لها بالثّورة مثل (كتاب الظلّ) الرّواية التي كتبتها عام 2017، وزارت دور نشر عديدة واستقرت في "الهيئة العامة للكتاب سلسلة الإبداع العربي" في مصر وما زالت تنتظر الدور في المطبعة. (القمصان البيضاء) التي صدرت في اسطنبول 2020 عن "دار موزييك"، وهي خاصة بتجربة ثلاث نساء مع مرض السّرطان. 

- هل تؤمنين بمقولة الكلمة أقوى من الرصاصة في حالتنا السورية الراهنة، ولماذا؟
 
لو لم تكن الكلمة أقوى من الرصاصة لما اغتيل ناجي الجرف، ومشعل تمو، وعروبة بركات وابنتها، ولما اعتقل أحمد رحال، وبعض الشّباب الإعلاميين من أجل منشور على "فايسبوك"!
 
- كثُرت تصنيفات الأدب" نسائي ورجالي وشبابي وطغت قضايا المرأة في كل هذه الأنواع، أليس الرجل شريكها؟ لماذا هذا التجاهل لقضاياه؟
 
بالنسبة لتجربتي الشّخصية في الكتابة، انحيازي كاملا للإنسان، ولا أفرّق بين اضطهاد وآخر، المجتمع الذي يُهان ذكوره ستكون فيه المرأة مهانة ومضطهدة، أنا مع تسمية الأدب من دون تصنيف لجنسه أو جنس كاتبه. وذلك واضح في رواياتي كلّها.

- أيهما أصدق برأيك، ذائقة القارئ أم النقاد، وهل أنصفك النقد، ولماذا؟
 
أثق جداً بذائقة القارئ طبعاً. معظم من تخصص بالنقد عربياً نراه يميل إلى مناقشات نظرية ويبدي آراءً أو يؤلف كتباً هي أشبه بالحوار مع منتجي نظريات النقد في الغرب بدءاً بالغذامي وليس انتهاء بسعيد يقطين على سبيل المثال مع احترامي الشّديد لهما. لو تفحصنا كتاب جيرار جينيت الشّهير (خطاب الحكاية) لوجدنا تحليلاً نقدياً مباشراً لرواية واحدة استنتج منها كلّ التّقنيات الرّوائية. وعلى صعيد النّقد الصّحافي، يميل معظم الكتاب للاحتفاء بالمعروفين والمكرسين سابقاً ممن كانوا يستأثرون بمقاعد المؤتمرات النّقدية أو يتصدرون صفحات الجرائد قبل الرّبيع العربي.
 
مع ذلك أنا سعيدة بأن بعض رواياتي كانت موضع بحث في رسائل ماجستير في لبنان والعراق، ووجدت طريقها في بعض المؤلفات النقدية إن كان في مصر أو في المغرب.

- قلتِ: "هناك من يستسهلن الكتابة وهن واثقات من النجاح بضمان أنوثتهن"، من الذي ساهم في ظهور الحرف الرديء، وكيف يمكننا تصحيح هذا الاعوجاج؟
 
عوامل كثيرة ساعدت على تكريس التفاهة وانتاجها، منها لجان التّحكيم في الجوائز الأدبية، أصبحت الأعمال التي تحوز على الجوائز هي التي تتصدر المبيعات وتوجه ذائقة القارئ حتّى صارت حمى التّنافس على الجوائز من أجل الوصول إلى القارئ هدف دور النّشر قبل أن تكون هدف الكُتّاب أنفسهم. 
 


 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم