الإثنين - 04 تموز 2022
بيروت 26 °

إعلان

حسن العبدالله: الشاعر الصامد رغم خيانة أنفاسه...

نبيل مملوك
نبيل مملوك
الشاعر الراحل حسن العبدالله.
الشاعر الراحل حسن العبدالله.
A+ A-
"رحل حسن العبدالله أخيرًا". هكذا يحتفي الموت بصاحب "الدردارة" التي لخّصت منذ أربعين عامًا تقريبًا، حال الأرض وأحوالها وأناشيد الطبيعة خلال الحرب، وغنائيّة المعارك ورحلة "مهدي" بين طيّاتها. "الدردارة" لم تكن قصيدة بل وليمة لا نهائيّة يتناولها النقّاد والأدباء، بطاقة هويّة تعرّف بشاعر الخيام ومرجعيون والجنوب، أغنية تتساوى مع أغاني الموجودات والمحسوس... غاب عنها الكثير من الرموز وحضرت الصيغة القصصيّة الموجزة لتسهّل الطريق أمام كلّ الرؤى التائهة عن الجنوب وعن الإنسان الباحث عن شجون الجنوب. رحل أمس صاحب "الدردارة" التي نشفت بحيراتها من كثافة النشيج وتشقّقت أرضها من قلّة المواساة. خانته أنفاسه، خانته زجاجة الأكسيجين، منحته الألم فانتشى شاعرًا في سماء الموت وبقيت "الدردارة" تحت فيء شجرة الخلود.

في نصّه الأخير بملحق "كلمات" الأسبوعي في جريدة "الأخبار"، بعنوان "استسماك الناس"، الذي سبق موته بأيام معدودة، أعلن حسن العبدالله وصيّته الشفّافة، المغطاة برمز "السمكة" والمزركشة بالألم "نادراً ما نفكّر بأنّ السمكة تتألم / وذلك لأنّها لا تُصدر صوتاً. فمن منّا فكّر إزاء اضطراب السمكة بين يديه / أنّها تعاني ألماً فظيعاً / وأن أحشاءها تحترق لمجرّد ابتعادها عن الماء". إنّ تواتر لفظة الألم تنمّ عن المعركة الأخيرة التي يخوضها الشاعر مع الحياة الراضخة لرجولة الموت الخشنة، فضّل نقل الملهاة إلى السمكة اللا عاقلة لكي يبقى الكبرياء الشاعريّ بهيًّا، وهذا ما يتقاطع مع تجربة عدّة شعراء، منهم عبّاس بيضون الذي استراح من مصارعته للألم حين عنون أحد كتبه بـ"المريض هو الأمل" وما اعتمده نزار قباني في مجموعته الأخيرة "أبجديّة الياسمين"، التي كتبها وهو على فراش الموت. ويقال إنّه لجأ إلى كتابة جملة من قصائد هذه المجموعة على علب الأدويّة، لكنّ حسن العبدالله لم يرضخ للفراس رغم رضوخه للألم، ظلّ يصاحب وجعه ومرضه وسنّه المتقدّم إلى مقاهي بيروت مستمعًا بهدوء إلى آلام الآخرين وآمالهم، وفعله هذا يعيدنا إلى "الدردارة" التي كان فيها منصتًا قبل أن يكون شاعرًا، فأنصت إلى ما يلي: "الماء يأتي / الماء يقرع باب بيتي /- أهلا وسهلاً قال كلب الماء...".
 
والماء رمز قرآني: "وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ" [الأنبياء :30 ]
 
مطلع النص الذي اتّخذ جسمًا متنقّلاً بين الزمان والمكان، بين الثمرة والأرض، بين الصورة والغياب، ساعي البريد الذي يحمل مكاتيب الحرب والطبيعة والحياة:
 
" أيّها الماء الهديةُ
أيّها الماء السلامْ
سلِّم على... سلِّم على..."
 
لم يكن عبثًا توظيف الشاعر للنقاط الثلاثة كعلامة وقف تتخطّى منطق الحزب والإضمار نحو الرغبة بالإبقاء على تماسك النصّ - القصيدة وجعلها لغزًا منفتحًا على فضاءات من التأويلات والقراءات. وفي المقابل، اتّجه الشاعر الجنوبي إلى محاكاة الجنوب على أنّه إنسان ومقاتل، وهذا نادر الحدوث شعرًا. فمحمود درويش، على سبيل المثال لا الحصر، شاعر الثورة والأرض والقضيّة وفلسطين، لم يكن في قصيدته "سجّل أنا عربي" إلّا مقاتلاً للظروف والاستثناءات بأدوات إنسانيّة. "سجِّل! أنا عربيّ ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْ وأطفالي ثمانيةٌ وتاسعهُم... سيأتي بعدَ صيفْ! فهلْ تغضبْ؟". بينما العبدالله كان يتكلّم باسم المقاوم المقاتل والإنسان في دردارته:
 
"كان العسكري هو ابن خالي!!
ورأيتُ: مات وموَّتَ المرأه
شخص أتى قبل انتهاء الحربْ
بفراشة صفراءَ في يدِهِ
ورصاصةٍ في القلبْ".
 
ولعلّ تواتر الفراشة والطير على طول النصّ يشير إلى عقيدة لدى الشاعر تتخطّى منطق الأرض والحسابات الأرضيّة، والتَصَق بالأسماء الجنوبيّة التي تعزّز هويّة الأرض المحتفى بها بعد كلّ هذا الدمار "أبو علي "المهدي وظهوره يوم القيامة "...
 
أمّا نصّه "أجمل الأمهات" الذي احتفى به مارسيل خليفة صوتًا وأداءً، فقد كان تتمّة لما سبق، تتمّة لمشهد الحرب والمقاومة والاقتتال وإحصاء الشهداء والخسارات:
 
"أجمل الأمّهات التي انتظرت ابنها…
أجمل الأمّهات التي انتظرتهُ،
وعادْ…
عادَ مستشهداً.
فبكتْ دمعتين ووردة
ولم تنزوِ في ثياب الحداد"
 
بهذه السلاسة والبساطة التعبيريّة والتراكيب المباشرة، نجح صاحب القصيدة في التمسّك بالالتزام، الالتزام تجاه الآخر الذي قال عنه سارتر إنّه الجحيم، فأثبت شاعر الخيام أنّ الجنّة قد تعني الآخر الشهيد أيضًا، وقفز في ذات النصّ من الوحدة السرديّة الخبريّة إلى تقنيّة الوقفة التي تستعمل عادة في الرواية:
 
"صامدون هنا، (صامدون هنا) قرب هذا الدمار العظيم،
وفي يدِنا يلمعُ الرعب، في يدِنا. في القلبِ غصنُ الوفاء النضير.
صامدون هنا، (صامدون هنا)… باتّجاه الجدار الأخير"
 
رحل حسن العبدالله دون أن يفهم ألمه الكثير. نقل إلينا أنفاسه المجبولة بأناشيد الطبيعة الجنوبيّة المتقطّعة، اشتباك الحقّ مع منطق الغزو والاحتلال. رحل وفي حنجرته الكثير الكثير من بحّات الألم التي تحاول الآن أسماك الأمس تسويغها وتفشل.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم