الخميس - 29 تشرين الأول 2020
بيروت 28 °

إعلان

"في غبار الماضي" لسمير الزبن: قيود النساء

المصدر: "النهار"
الغلاف.
الغلاف.
A+ A-
 
كتبت جيهان محروس
 
 
صدرت حديثاً رواية "في غبار الماضي"، عن "دار العائدون للنشر" في عمان، للكاتب الفلسطيني سمير الزبن. الرواية التي تأخذ شكل بنية "الدفقة الواحدة"، تقع فى 337 صفحة من القطع الوسط. هي رواية متوترة من أولها إلى آخرها، لا فواصل ولا مقاطع ولا تقسيمات. إنها رواية المقطع الواحد، المحكوم ببنية الرواية ذاتها، التي ينحصر زمنها الفعلي في رحلة سفر هالة، بطلتها، بين دمشق ونيويورك، خلال هذه الرحلة تستدعي البطلة حياتها السابقة التي انهارت قبل مغادرتها دمشق، ما جعل الهروب إلى أميركا مخرجاً من واقع لم تعد قادرة على احتماله.
 
يقول سمير الزبن لـ "النهار": "في غبار الماضي" هي رواية الرحلة. كما أنها رواية عن الانكسار. رواية تسعى لتصوير القيود المرئية وغير المرئية التي تلفّ النساء، بألف قيد وقيد، وتسجنهن في سجون حقيقية وسجون من زجاج، سجن غير مرئي، يشل أي فاعلية لهن. إنها رواية نسوية بامتياز.
 
تعيش هالة حياتها في توتر وتناقض، غير قادرة على حله. التناقض بين الحاجة إلى الحرية، وأن تكون ما تريد، وتستجيب لما تحتاجه الحياة ولما يحتاجه جسدها، وبين العيش تحت وطأة الضغوط والقيود الاجتماعية التي تكبلها بألف قيد وقيد، وألف ممنوع وممنوع، وهي القيود والممنوعات التي تحاول حجب المرأة ليس عن الحياة فحسب، بل إلغاء حياتها الشخصية أيضاً، حيث تصور الرواية عدم قدرة النساء على السيطرة على حياتهن في مجتمعاتنا، لخضوعهن لأوامر ونواهٍ لا تنتهي.
تضع هالة الحجاب على رأسها يوم وفاة والدها، وتبقيه بعد العزاء خوفاً من عقاب إلهي شديد. تنجح نساء غريبات في العزاء في اخافتها منه، ويبقى على رأسها وتلتزم التعاليم الدينية، حتى يوم مغادرتها دمشق. وفي المطار وقبل اقلاع الطائرة، تنزع حجابها، وتبدأ رحلتها باتجاه نيويورك من دونه.
 
قبل مغادرتها دمشق، عاشت هالة تجربتي حب فاشلتين، وتجربة زواج كارثية في مصر. حبها الأول، كان لزميل المهنة، المحامي الذي تتعرف إليه في محاكم دمشق، ومعتقل سياسي متزوج، تعيش معه تجربة حب غرائبية؛ علاقة لا هي معلنة ولا هي سرية، ولأنها تعرف أن هذه العلاقة محكوم عليها بالإعدام. تهرب من حبها إلى حب زميل آخر، وهذه المرة يكون هذا الزميل من الديانة المسيحية، وعندما يحاول الزواج منها، يصطدم مع أهله، ما يجعلها تعود إلى العلاقة مع الزميل السابق. مرة أخرى يدفعها هذا الحب إلى الهروب، ولكن هذه المرة إلى تجربة زواج تقليدي من مصري، تجد نفسها ترفضه وغير قادرة على العيش معه، تطلب العودة إلى دمشق لإنجاز مهمات محددة. يشك زوجها، بأنها تريد العودة، لأنها على علاقة مع رجل آخر، ويتسبب لها بفضيحة بين أهلها، ويطلقها، ما يحول حياتها إلى جحيم في دمشق، لم تعد قادرة على تحمله، وهو ما يجلها تغادر إلى أميركا عند أختها فداء.
 
هالة التي تعيش تناقضاتها الكبرى بين رغبتها في ممارسة حريتها والتكيف مع قيم اجتماعية بالية ومقيدة وضاغطة على حريتها، لم تستطع الجمع بين رغباتها الداخلية والقيود الخارجية، ما يجعلها مشحونة ومتأزمة طوال الوقت، وتجد نفسها مترددة في كل شيء، لا تعرف ما تريد، وما تقوم به يكون عبارة عن ردات فعل أو تقليد للآخرين، أو انغماس فجائي، أو تقوم به تحت ضغط الآخرين.
 
من الصعب اختصار الرواية بتلخيصها، فهي لوحة مصنوعة من التفاصيل الحياتية الصعبة للنساء في مجمعتنا. رواية تملك بنية مشدّدة كقوس، ولا شك بأن بنية "الدفقة الواحدة" للرواية جديد في التجربة الرواية العربية، فقد نجح الكاتب في الحفاظ على التمييز بين زمن الرواية الفعلي والذي هو زمن الرحلة الفعلي، زمن رحلة الطائرة بين دمشق ونيويورك، وبين زمن الرواية النفسي من خلال التداعيات الشخصية لبطلة الرواية، بالإضاءة على حياتها وحياة شخصيات الرواية الأخرى، التي ترسم صورة للحياة في دمشق بين ثمانينات القرن المنصرم والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
 
 
الكلمات الدالة